منتدى العمق

لماذا صار الذكاء الاصطناعي صديقاً؟

سارة الخاطبي

صراحة في الآونة الأخيرة صار الذكاء الاصطناعي صديقا للجميع، على اختلاف أعمارهم وأجيالهم فهو صديق الدراسة والعمل والسفر، يُذّكرك بالمواعيد المهمة ويحفظ أسرارك، يختار ملابس العمل خاصتك ويقترح عليك ما يناسبك من الألوان، بل أصبح عند البعض أشبه بالطبيب النفسي حين يشتد الحُزن أو تضيق النفس.

صار اسمه يتردد في الجلسات العائلية وتجمعات الأصدقاء، بل إن بعض الناس أطلقوا عليه اسما، حتى تكاد تظنه فردا من العائلة، وحين تسأل عنه يجيبك أحدهم مازحا: ” لا… لا هذا صديقي الذكاء الاصطناعي”.

لكن هل أصبح الذكاء الاصطناعي فعلا يملأ بعض الفراغات النفسية والعاطفية لدى الإنسان؟ وهل تحول من مجرد أداة نستخدمها إلى متنفس نلجأ إليه حين لا نجد من نصغي إليه؟ ولماذا حدث هذا التحول بهذه السرعة؟

في البداية لم يكن الأمر يتجاوز سؤالا عابرا يُقابله جواب محدد، لم يكن الإنسان يتعامل معه إلا باعتباره أداة تساعد على حل المسائل، وترجمة النصوص والبحث في مجال أو تخصص معين لكن مع تسارع وتيرة الحياة وتطور احتياجات الإنسان ومُتطلباتها، تغيرت مكانته لدى الفرد فأصبح يستمع ويجيب، ويردُّ عبر خاصية الصوت حتى صار يتفاعل بطريقة شخصية.

وهذا يوضح أنه ربما لم يتغير الذكاء الاصطناعي وحده، بل تغيرت طريقتنا نحن في التعامل معه.

لماذا تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي التفاعلية لتصبح أكثر استجابة لاحتياجات الإنسان ومتطلباته؟ سؤال كثيرا ما راودني، وكنت سرعان ما أجيب نفسي قائلة: أليس من صنعوا هذه الأنظمة بشرا لهم احتياجات وتصورات أيضا؟ ولع هذا ما أسهم في تطوير أنظمة أكثر قدرة على محاكاة التفاعل الإنساني والاستجابة له.

فالإنسان يفهم الإنسان وطريقة تفاعل الذكاء الاصطناعي ربما هي ما تجعله مرغوبا لدى بني البشر، فهو يستمع دون أن يُقاطع ومتاح لك في أي وقت والإنسان بطبيعته البشرية، يحتاج إلى أن يكون مسموعا وهذا ربما ما جعله يجد ضالته عند الذكاء الاصطناعي.

لكن هذا لا يعني أنه يفهم مشاعرنا مثل الإنسان تماما، فهو في النهاية آلة صُمم لِمحاكاة هذا التفاعل الإنساني وفق أنماط وآليات محددة مُسبقا.

إن الصديق البشري لديه ما لديه من مشكلات وحياة خاصة ومسؤوليات قد تفوق أحيانا طاقته البشرية، لكن الذكاء الاصطناعي تجده متى احتجت إليه وهذا يطرح تساؤلا محددا: هل نحن نبحث عن صديق، أم عن مساحة نتحدث فيها دون أن نضطر إلى تحمل أعباء العلاقة؟

فعلاقة الإنسان بالإنسان متبادلة شئنا أم أبينا أحتاجك اليوم ومن البديهي أنك ستحتاجني غدا، تحتويني زمنا وأحتويك ربما دهرا، وهكذا تدور الدوائر بين البشر وربما لهذا السبب صرنا نبحث عن مساحة خاصة نُفرغ فيها شُحناتنا النفسية، دون أن يدفعنا واجب العلاقة إلى ردّ هذا العرفان.

لقد كثرت أعباء الحياة وصار الإنسان يعيش قدرا من التوتر يجعله في حاجة دائمة إلى أن يكون مسموعا، وهذه حاجة إنسانية لا يمكن تجاهلها.

لكن المخيف حقا هو أن تتراجع العلاقات الحقيقية تلك التي لا يمكن استبدالها، فالإنسان قد يملّ يوما من علاقته بالذكاء الاصطناعي لأنه يحتاج في النهاية إلى ما هو حقيقي وملموس، والرجوع إلى الأصل، كما هو معروف يظل ضرورة إذ لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يأخذ مكان الأم والأب والعائلة ككل.

لكن السؤال الحقيقي هو لماذا صارت لدى بعضنا قناعة باستبدال الإنسان بالآلة، هل هو فقدان للثقة في الآخر؟ أم هو ذلك الفتور الذي بدأ يتسلل رويدا رويدا إلى روح بعض العائلات؟

صَدقني الإنسان يصير نسخة مما يحيط به ويَحتك به، وحياتنا كَبشر تحتاج إلى مشاعر وأشياء حقيقية وملموسة، وإلى التفاصيل التي تجعلنا بشرا لا مجرد تفاعلات رقمية أو آلية فمن له قلب نابض ليس كمن لا يملك إلا آلة تصوغ إجاباتها وتبلورها وفق متطلبات محددة. وصَدقني إنسان اليوم ليس بالضرورة هو إنسان الغد.

وصدقني أيضا مهما بدا الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة منا في بعض المهام، فإنه في النهاية نتاج لما راكمه الإنسان من معارف وتجارب عبر سنوات طويلة، ثم جمعه وصاغه في أنظمة قادرة على معالجة هذا الكم الهائل من المعلومات. وهذه في نهاية الأمر حقيقة لا مفر منها: الإنسان هو من صنع الأداة، وإن بدت الأداة اليوم أحيانا أقدر منه في بعض ما يفعله.

إذا أصبحنا نحكي للآلة أكثر مما نحكي للبشر، فالسؤال الحقيقي ليس: هل أصبح الذكاء الاصطناعي صديقا؟ بل: ماذا حدث لِعَلاقاتنا حتى أصبحنا نبحث عن صديق لا ينام ولا يمل ولا يطلب منا شيئا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *