منتدى العمق

ميناء الناظور غرب المتوسط منظومة مينائية متكاملة

بدر الدين الرواص

يندرج بناء ميناء الناظور غرب المتوسط في سياق التحولات الجيوسياسية والطاقية العالمية، خاصة مع تصاعد التوترات في مضيقي هرمز وباب المندب وما تسببه من اضطرابات محتملة في تدفقات النفط والغاز وسلاسل الإمداد، إلى جانب توقف أنبوب الغاز المغاربي–الأوروبي منذ سنة 2021، وهو ما أبرز حاجة المغرب إلى تنويع مصادر ومنافذ إمداده الطاقي. وفي هذا الإطار، يكتسب الناظور غرب المتوسط أهمية استراتيجية باعتباره منصة بحرية قادرة على استقبال وتخزين وتداول المنتجات الطاقية، ولا سيما الغاز، مع إمكانية مواكبة التحولات المستقبلية المرتبطة بالطاقات النظيفة والهيدروجين الأخضر. وبذلك لا يمثل المشروع مجرد بنية للمناولة والتجارة، بل يشكل رافعة لتعزيز مرونة المنظومة الطاقية المغربية وتنويع مسارات الإمداد وتقليص مخاطر الارتهان لممر واحد، والانتقال من مفهوم أمن الطاقة إلى تعزيز السيادة الطاقية، ويجعل من الميناء أحد مكونات القوة والبحرية والاستراتيجية للمغرب.

السياق الوطني والدولي لإنشاء المركب المينائي طنجة المتوسط:

السياق الوطني:

إن تحقيق اهداف المغرب الاستراتيجية، انسجاما مع الاختيارات الكبرى لإعداد التراب الوطني، تقتضي خلق مستوى من التعاون والتعاضد بين مجالاته الجغرافية والبحرية والمينائية، والاستفادة من الفرص المتاحة لتجاوز العراقيل، ومواكبة الأنماط الجديدة للتهيئة الترابية، وخلق تنمية مستدامة لاقتصاد حديث، والتركيز على التكنولوجيا الحديثة، وتطوير آليات اللوجيستيك داخل شبكة النقل المتعدد الوسائط خاصة النقل البحري، وشبكات المجالات الترابية وتأكيد دور الموانئ في تنمية المجالات الترابية، تحت شعار: «التنمية المينائية وإعادة الهيكلة الترابية، مع الأخذ بعين الإعتبار السياسات التنموية والبعد التنموي والاقتصادي وإعداد التراب

يُشكل خطاب وجدة الملكي السامي، الذي ألقاه الملك محمد السادس في 18 مارس 2003، الركيزة التنموية الكبرى والمنعطف التاريخي الحاسم الذي نقل جهة الشرق من منطقة معزولة جغرافيّاً واقتصاديّاً إلى قطب اقتصادي واستثماري، وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الخطاب في إطلاقه “المبادرة الملكية لتنمية الجهة الشرقية”، حيث تمحور دور الخطاب حول عدة أبعاد أساسية أهمها فك العزلة حيث كانت المنطقة تعاني من وضع استثنائي بسبب إغلاق الحدود البرية. وجاء الخطاب ليضع خارطة طريق لربط الجهة بباقي أقاليم المملكة عبر مشاريع مهيكلة مثل الطريق السيار: ربط وجدة بفاس عبر تازة، مما سهّل حركة التنقل والتجارة، والشبكة السككية كإنجاز خط السكة الحديدية الرابط بين تاوريرت والناظور، وإعادة تأهيل المحاور الطرقية عبر توسيع وإصلاح الطريق بين الناظور، وجدة، وفكيك، بالإضافة إلى إنجاز الطريق الساحلي المتوسطي (الطريق الوطنية رقم 16)،

تحويل الاقتصاد المحلي من الاعتماد على الأنشطة غير المهيكلة إلى اقتصاد استثماري منظم، مثل ميناء الناظور غرب المتوسط الذي يُعد اليوم رافعة اقتصادية كبرى للمنطقة الحرة والصناعية، والقطب التكنولوجي لوجدة (Technopole) والقطب الفلاحي لبركان لجذب الاستثمارات في مجالات الطاقات المتجددة، الصناعات الغذائية، والخدمات

لم يكن خطاب وجدة مجرد خطاب بروتوكولي، بل كان رؤية ملكية استشرافية حوّلت الحدود الشرقية للمغرب إلى بوابة تنموية مفتوحة على البحر الأبيض المتوسط وعلى الاستثمارات العالمية والحد من نشاط التهريب إسوة بميناء طنجة المتوسط

تفعيل الرؤية الاستراتيجية الملكية في تحديث قطاع الموانئ بهدف الرفع من مستوى المنافسة فيها، وإنشاء مشاريع كبرى كميناء طنجة المتوسطي كمحور بين أوربا الغربية والشمالية واسيا، وترسيخ دور المغرب في الفضاء الأورو المتوسطي، ودور المحرك الفعلي للتنمية الجهوية، وإبراز وسط تنافسي وخلق فرص الشغل، كما يشكل المركب المينائي الناظور غرب المتوسط بالمنطقة قطبا مينائيا باعتباره رافعة أساسية للنهوض بدوره بنيوي ومهيكل على مستوى التهيئة الترابية

الاهتمام بالجهة الشرقية كرافعة للاقتصاد الجهوي من خلال إقامة أنشطة صناعية مرتبطة بالميناء مثل الصناعات التحويلية ومنفذا للجهات المجاورة كجهة مكناس فاس التي تتوفر على موارد فلاحية مهمة في هضبة سايس كضيعات متطورة لإنتاج خضروات طازجة وفواكه موجهة للتصدير، وتأهيل النشاط الصناعي الذي عرف تراجعا في فاس.

تفعيل الإستراتيجيات القطاعية، واستكمال المشهد المينائي وفق منظور تكاملي أو تخصصي، والمساهمة في خلق توزيع جهوي إستراتيجي للموانئ الرئيسية ذات الدور الهيكلي من حيت تهيئة المجال

تنظيم العرض المينائي، والأدوار التنموية للموانئ فيما بينها داخل القطب، وفي علاقاتها مع الموانئ الأخرى وذلك في إطار 18 تحقيق التكامل أو التخصص، وفي ربط التنمية بمنطقة ما وبمحيطه.

السياق الدولي:

ساهمت الحرب الروسية الأوكرانية في انقطاع سلاسل التوريد العالمية خاصة المحروقات، واضطراب النقل البحري وارتفاع تكاليف الشحن اللوجيستي والاضطرابات الملاحية.

توقف أنبوب الغاز المغاربي سنة 2021 والبحث عن بدائل جديدة لتأمين الحاجيات الطاقية.

تزايد المخاطر الجيوسياسية لتقل الطاقة التي تهدد مضيق هرمز وباب المندب والبحث عن منصات لوجستية امنة قادرة على الرفع من قدرات التخزين والتوزيع مع تنويع مصادر الامداد

إعادة تشكيل جغرافية الطاقة والامن اللوجستي وقدرة الدول أو الفاعلين الدوليين على توظيف موارد الطاقة ومواقعها الجغرافية والبنى التحتية المرتبطة بها من أجل تحقيق أهداف استراتيجية وسياسية. وال يقتصر هذا التحكم على امتلاك الموارد، بل يشمل التحكم في مسارات النقل، والممرات البحرية، والأسواق، وآليات التسعير

تعزيز الأمن الطاقي وتحقيق السيادة الطاقية عبر تنويع مصادر التموين.

السياق العام للاشتغال في الميناء:

مكونات الميناء:

أنشئ المركب المينائي ميناء الناظور غرب المتوسط سنة 2016 ومن المرتقب أن يشتغل سنة 2026

يتكون الميناء من حاجزان: الأول حاجز حماية رئيسي بطول يقارب 4.200 م، والثاني حاجز مضاد بطول 1.200 م

ثلاث محطات: محطة الهيدروكربونات بثلاث مراٍس نفطية بعمق متران، ومحطة الفحم برصيف طوله 360 مترا وعمق 20 متًرا، ومحطة حاويات برصيف يبلغ طوله 1.520 مترا بعمق 18 مترا ومساحة برية قدرها 76 هكتا ًرا، إضافة إلى مرافق أخرى متعددة تشمل محطة للبضائع العامة، ورصيف الدحرجة ورصيفًا للخدمات.

أعماق كبيرة 20-18 متر تسمح برسو أضخم ناقلات النفط والغاز المسال في العالم ULCC carrier crude large Ultra وصنف VLCC carrier crude large Very ) التي تصل حمولتها ما بي ن 120 و300 ألف طن

في يونيو 2024: منحت الوكالة الرسمية لـ “الناظور غرب المتوسط” امتياز تشغيل المحطة الشرقية للحاويات لمدة 25 سنة لصالح مجموعة مرسى المغرب

يناير 2026: تم التوقيع والاعتماد الرسمي لـ دخول الشريك المالي والاستراتيجي TIL في رأس مال الشركة، وهو التاريخ الفعلي الذي شهد الهيكلة القانونية والمؤسساتية النهائية لشركة WMCT بشكلها الحالي.

يوليو 2026: نجحت الشركة في تأمين تمويل بنكي طويل الأجل بقيمة 196.7 مليون يورو (عبر كونسورتيوم من المصارف المغربية بقيادة التجاري وفا بنك) لدعم التجهيزات الفوقية للمحطة

الشركة المسؤولة عن تدبير المحطة الشرقية

تُشكّل شركة West Med Container Terminal (WMCT) أحد أبرز الفاعلين الجدد في قطاع الملاحة وإدارة الموانئ على الصعيدين الإقليمي والدولي. بصفتها الشركة صاحبـة الامتياز الحصري لتشغيل وتدبير “المحطة الشرقية للحاويات” بمركب ميناء الناظور غرب المتوسط (Nador West Med)، تُمثّل WMCT الذراع التشغيلية لرؤية المملكة المغربية الهادفة إلى خلق قطب لوجستي وصناعي عملاق يعزز موقعها في خطوط التجارة العالمية. ولقد تأسست شركة WMCT كـثمرة لـتحالف استراتيجي وتجاري رفيع المستوى، يجمع بين قطبين رائدين في قطاع الموانئ :

مجموعة مرسى المغرب (Marsa Maroc) الرائد الوطني في تشغيل الموانئ بالمغرب والمدرجة في بورصة الدار البيضاء، والتي تأسست رسمياً في ديسمبر 2006 بموجب قانون 02-15 القاضي بفصل مهام التدبير المينائي وتأسيس ANP  ومهام الاستغلال التي أوكلت لشركة شركة مرسى المغرب، والتي تُدير المجموعة حالياً ما يقارب 24 إلى 25 محطة مينائية موزعة على 10 موانئ استراتيجية للمملكة، كما بدأت مؤخراً توسعها الدولي بإدارتها لميناء مونروفيا في ليبيريا وكوتونوبدولة بنين.

شركة (Terminal Investment Limited (TIL): وهي الذراع المينائية العالمية التابعة لعملاق الشحن البحري السويسري MSCالذي يعد أكبر ناقل بحري للحاويات في العالم،

خصائص المحطة الشرقية

طول الرصيف: يمتد الرصيف على طول 1,520 متراً، مما يسمح باستقبال ومعالجة عدة سفن عملاقة في آن واحد.

عمق المياه (الغاطس): يصل عمق الرصيف إلى 18 متراً، وهو معيار عالمي ضروري لاستقبال أضخم سفن الحاويات في العالم (Mega container ships) دون أي قيود مرتبطة بالحمولة.

المساحة الأرضية: تتوفر المحطة على ساحة خلفية ممتدة على 70 هكتاراً مخصصة لعمليات لوجستية متطورة، وتخزين وتدبير الحاويات.

تم تزويد المحطة بأحدث تكنولوجيا الرافِعات المينائية الرصيف الجسرية (STS): تم تجهيز المحطة برافعات عملاقة من نوع Super Post-Panamax المصنعة من طرف شركة ZPMC العالمية، لضمان سرعة وجودة التفريغ والشحن وهي قادرة على الوصول إلى أبعد نقطة في عرض السفن الحديثة وضمان معدلات إنتاجية قياسية

الطاقة الاستيعابية القصوى: صُممت المحطة لتصل قدرتها المعالجة الإجمالية إلى 3.4 ملايين حاوية نمطية (EVP/TEU) سنوياً عند اشتغالها بكامل طاقتها.

التوجيه التجاري (الترانزيت): ستخصص المحطة بشكل أساسي لعمليات إعادة الشحن (Transshipment)، حيث ستكون مركزاً محورياً لربط الخطوط البحرية العالمية لمجموعة MSC بين آسيا، أوروبا، وإفريقيا، إلى جانب معالجة جزء من الرواج المحلي الخاص بالواردات والصادرات المغربي

الربط اللوجستي والصناعي بالمنطقة الحرة: ترتبط المحطة مباشرة بالمنطقة الصناعية واللوجستية الحرة للناظور غرب المتوسط، مما يسهل عمليات التخزين المؤقت، إعادة التعبئة، والأنشطة ذات القيمة المضافة العالية للمستثمرين.

الرهانات التنموية لميناء الناظور غرب المتوسط

إن ميناء الناظور غرب المتوسط ليس مجرد ميناء للحاويات، بل منصة اقتصادية متعددة الوظائف تراهن على تأهيل الأنشطة الاقتصادية بالجهة الشرقية والجهات الحبيسة المجاورة ومن أهم الأنشطة:

اللوجستيك والمناولة وإعادة الشحن؛

الصناعة والتصدير عبر المنصة الصناعية:

الطاقة والهيدروكربونات والغاز الطبيعي المسال

الصناعات الغذائية والفلاحية بالجهة الشرقية

قطاعات صناعية أخرى، ومنها السيارات، بحسب الاستثمارات التي ستنجذب إلى المنطقة.

المرحلة الحالية من الجاهزية التشغيلية للمحطة الشرقية تعني أن المغرب ينتقل من مرحلة الدفع، أي ضخ الاستثمارات وبناء البنية التحتية، إلى اختبار مرحلة الجذب مما يصبح نجاح الناظور غرب المتوسط مرتبطاً بقدرته على جذب التدفقات وليس مجرد استقبالها.

اندماج الميناء في الشبكات البحرية وسلاسل القيمة العالمية

خلق ما يقارب 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر

ربط الميناء بالشبكة السككية الوطنية بخط سككي حدبث يمتد على مسافة 40 كلم وبالشبكة الوطنية للطرق السيارة بخط طرقي سيار يمتد على مسافة 105 كلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *