منتدى العمق

الزواج عبر الشاشة: من يضمن حرية القبول؟

منير لكماني

الذكاء الاصطناعي وتوثيق الزواج: إشكالية تيسير الإجراءات وصون الحقوق

تقرب الشاشة شخصين تفصل بينهما الحدود، لكنها تترك مسافة أخرى يصعب اختصارها: المسافة بين سماع القبول والتحقق من حريته. ومن هذه المفارقة يبدأ السؤال عن الزواج بوسائل الاتصال الحديثة والذكاء الاصطناعي. فالمشكلة تتجاوز إمكان جمع الخاطبين والشهود في اتصال واحد، إلى ضمان أن ما يجري أمام الكاميرا يؤسس ارتباطا صحيحا، ويحفظ حقوقا سترافق الزوجين وأطفالهما سنوات طويلة.

يستدعي النقاش التمييز بين الاتصال المرئي والذكاء الاصطناعي. فالأول ينقل الصوت والصورة، ويتيح تبادل الإيجاب والقبول مباشرة، بينما يمكن للثاني المساعدة في فحص الوثائق ومطابقة البيانات ورصد التناقضات وإعداد المحاضر. والخلط بينهما يوحي بأن كل زواج إلكتروني تديره الخوارزميات، ويحجب السؤال الأدق: ما الوظيفة التي ينبغي إسنادها إلى الآلة، ومن يراقب نتائجها ويتحمل مسؤوليتها؟

تبدو فائدة التعاقد عن بعد واضحة لمن تحول الهجرة أو العمل أو المرض دون حضوره. فتقليل السفر والمواعيد والنفقات قد يرفع مشقة فعلية، ويتيح توثيق العلاقة بدل تركها معلقة أمام عوائق إدارية. وهذه غاية تستحق الاجتهاد، لأن حماية الأسرة تشمل تيسير تأسيسها، بشرط ألا تتحول سرعة الإنجاز إلى ذريعة لتقليص التثبت أو تجاوز الضمانات.

فقهيا، يضع هذا التحول مفهوم مجلس العقد أمام اختبار جديد. فاجتماع الأطراف في مكان واحد يخدم التحقق من هوياتهم، وسماع أقوالهم، واتصال الإيجاب بالقبول. ويستحق البحث إمكان تحقيق هذه الوظائف عبر اتصال مباشر مأمون. لكن إثبات القدرة التقنية على التواصل لا يحسم وحده الخلاف الفقهي، ولا يغني عن مراعاة شروط الزواج وخصوصيته واختلاف الأحكام المنظمة له.

ويبرز الاحتياط القانوني في الحالة المغربية؛ فالمادة السابعة عشرة من مدونة الأسرة تنطلق من حضور أطراف العقد، وتجيز التوكيل بإذن قضائي وشروط محددة. ويستثني قانون الالتزامات والعقود وثائق تطبيق المدونة من القاعدة العامة للكتابة الإلكترونية. لذلك يحتاج الانتقال إلى إبرام الزواج عن بعد إلى سند قانوني واضح، ولا يكفي قياسه على المعاملات الإلكترونية الأخرى.

والتحدي الأصعب ضمان الرضا. فقد تثبت الوثيقة هوية صاحبها، دون أن تثبت حريته من الضغط. وقد يظهر الشخص هادئا أمام الكاميرا، بينما تؤثر في قراره ظروف خارج مجال التصوير. ولهذا ينبغي التعامل بحذر مع التصور القائل إن تحليل الوجه والصوت يكشف الإكراه يقينا؛ فالمؤشرات المحتملة تستدعي استيضاحا بشريا، ولا تصلح وحدها لإصدار حكم على إرادة إنسان.

أما التسجيل، فيمنح التوثيق مادة يمكن الرجوع إليها عند النزاع، ويساعد على ضبط الأقوال والشروط. غير أن قيمته تتوقف على التحقق من أصالته وسلامة حفظه وإمكان فحصه. فالاحتفاظ بالصوت والصورة لا يجعل الإنكار مستحيلا، ولا يحول كل ملف رقمي إلى دليل قاطع؛ إذ تظل طريقة إنتاجه وحمايته وسلسلة تداوله مسائل جوهرية.

وتزداد أهمية المسؤولية كلما اتسع تدخل الأنظمة الذكية. فإذا أخطأ البرنامج في مطابقة هوية، أو أغفل وثيقة، أو قدم استنتاجا مضللا، فمن يتحمل النتيجة؟ يقتضي الجواب تحديد واجبات الجهة الموثقة ومشغل النظام ومزود الخدمة، مع إبقاء التقدير القانوني لدى المختصين. فحماية المتضرر تبدأ بإمكان معرفة المسؤول ومراجعته، ولا يكفي وصف الخطأ بأنه تقني لإعفائه من المحاسبة.

وتحمل حماية البيانات وزنا مماثلا؛ فعقد الزواج يجمع معلومات عن الهوية والوضع العائلي والالتزامات الشخصية. ومن ثم يحتاج أي مسار رقمي إلى حصر البيانات المطلوبة، وتقييد الاطلاع عليها، وتأمين حفظها، وتحديد آجال الاحتفاظ بها. كما ينبغي توفير بديل مناسب لمن يفتقر إلى الاتصال الجيد أو المهارات الرقمية، حتى لا يصبح التيسير امتيازا للقادرين وحدهم.

ويتجاوز الأمر سلامة الاتصال إلى اختلاف القوانين بين بلدين. فأي جهة تعتمد العقد، وأين يسجل، وكيف تثبت آثاره عند النزاع؟ هذه أسئلة ينبغي حسمها قبل الخدمة، حتى لا يحصل الزوجان على ملف مكتمل تقنيا، ثم يكتشفا أن الاعتراف به معلق. فالتوثيق النافع يمنح العلاقة وضعا مستقرا، ويمنع انتقال عبء الغموض إلى الأسرة.

يستحق الزواج الرقمي اجتهادا يجمع الفقه والقانون والخبرة التقنية، ويختبر المنافع والمخاطر بإجراءات قابلة للمراجعة. فنجاحه يرتبط بقدرته على تقريب الناس من حقوقهم، مع منحهم وقتا للفهم والسؤال والرفض. وعندئذ تستمد الشاشة قيمتها من الوفاء بما وراءها: إرادتان واضحتان، ومسؤولية معلومة، ووثيقة تصون العهد بعد انطفاء الاتصال، وتبقى سندا لمن يحتاج إلى إثبات حقه أمام القضاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *