حينما يسمع صوت الباحث

إن أكبر خسارة يمكن أن تصيب الذات العلمية هي أن يُهمَّش الباحث، ويُزَجّ به خارج دائرة النقاش العمومي، فلا يُستحضر رأيه، ولا تُستثمر خبرته، ولا يُفسح المجال أمامه للمساهمة في فهم التحولات الاجتماعية وصناعة القرارات المرتبطة بها، فالمسألة هنا لا تتعلق بإقصاء فرد فحسب، ولكن بإهدار إمكانات المعرفة العلمية، وتعطيل دورها في فهم المجتمع والمساهمة في تغيير واقعه ، وكما هو معلوم أن كل البرامج والمشاريع الرامية إلى إحداث التغيير، وإنتاج تحولات تمس الجذور الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتنموية داخل مجال ترابي محدد، لا ينبغي أن تخضع لنظرة تقنية أو سياسية ضيقة، تغفل تعقيدات المجتمع وتشابك مكوناته، لأننا في حقيقة الأمر، أمام مجتمع مركبة، تتداخل فيه البنيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية مع تمثلات الفاعلين وانتظاراتهم ومصالحهم، وهو ما يجعل فهمها أمرا يتجاوز مجرد وضع الخطط أو تحديد الأهداف والمؤشرات.
ومن هذا المنطلق، فإن تغييب الباحث عن النقاش العمومي يفسح المجال أمام التفسيرات التقنية الاختزالية، التي قد تنجح في تحديد الوسائل والإجراءات، لكنها تعجز، في كثير من الأحيان، عن النفاذ إلى عوالم الفاعلين الاجتماعيين، وفهم المعاني التي يمنحونها لممارساتهم وتفاعلاتهم، فالمجتمع ليس مجرد أرقام ومعطيات قابلة للقياس، بل هو أيضا شبكة معقدة من العلاقات والتمثلات والقيم والتجارب الإنسانية التي تستدعي الفهم والتأويل والتحليل العلمي، وتغييب الباحث لا يقتصر أثره على المجال المؤسساتي أو المهني، بل يمتد إلى ذاته العلمية، التي تجد نفسها خارج فضاء الاعتراف والمشاركة. وهنا تتخذ عملية التهميش بعدا نفسيا ورمزيا؛ إذ يستشعر الباحث الإقصاء، وتتولد لديه مرارة عدم الإدماج، ويجد نفسه عاجزا عن المساهمة، بما يمتلكه من معرفة وخبرة، في التحولات التي يعرفها مجتمعه، وهكذا، لا يُحرم الباحث من فرصة المشاركة فحسب، بل يُحرم المجتمع بدوره من إمكانات علمية كان من الممكن أن تسهم في فهم مشكلاته وتجاوز اختلالاته.
لهذا، فإن إدماج الباحث ضمن جماعة علمية ومؤسساتية فاعلة ليس امتيازا يمنح له، بل هو شرط من شروط بناء المعرفة وتطوير العلم والمساهمة في بناء المجتمع، ولا أتحدث هنا عن الباحث في العلوم الاجتماعية وحدها، وإنما عن الباحث بصفة عامة، في مختلف المجالات والتخصصات، لأن المعرفة العلمية لا تتطور في العزلة، ولكن من خلال التفاعل والتراكم والنقاش وتبادل الخبرات، ومن خلال الانفتاح على الأسئلة التي يطرحها الواقع، وهنا يمكننا استحضار أطروحات أنطونيو غرامشي حول المثقفين ودورهم الاجتماعي، ولا سيما فكرته عن المثقف العضوي، الذي لا ينفصل عن المجتمع وقضاياه، لكنه يساهم في فهمها والتفاعل معها، فالمعرفة لا تكتسب قيمتها من وجودها داخل الكتب أو المؤسسات الأكاديمية وحدها، وإنما تتعزز حينما تجد طريقها إلى المجال العمومي، وتصبح قادرة على تفسير الواقع ومساءلة المسلمات والمساهمة في بلورة البدائل. أما حينما يُعزل الباحث عن محيطه، ويُقصى من فضاءات إنتاج القرار، فإننا نكون أمام شكل من أشكال تعطيل الوظيفة الاجتماعية للمعرفة، وإضعاف حضور المثقف في النقاش العمومي.
وإذا كان رولان بارت قد اشتهر بمفهوم «موت المؤلف»، في سياق نظري يتعلق بعلاقة المؤلف بالنص وإنتاج المعنى، فإنني أستحضر هنا هذه العبارة على سبيل الاستعارة، لا باعتبارها مقولة مطابقة لموضوعنا؛ فالمقصود ليس موت الباحث بالمعنى الحرفي أو النظري، وإنما التهميش الذي قد يجعل حضوره العلمي بلا أثر، وصوته بلا امتداد داخل الفضاء العمومي. وحينما يُغيَّب الباحث، تُترك مساحة أوسع أمام تأويلات قد لا تستوعب حقيقة الفعل الاجتماعي، ولا تدرك المعاني المتعددة التي تختزنها التفاعلات الإنسانية في المجال العام.
إن مهمة الباحث، في تقديري، هي مهمة فهمية بالدرجة الأولى؛ فهو يسعى إلى فهم المجتمع، وتحليل تحولاته، واستكشاف العلاقات التي تربط بين مختلف مكوناته، والكشف عن العوامل التي تفسر سلوك الفاعلين الاجتماعيين واختياراتهم، وتزداد أهمية هذه المهمة حينما يتعلق الأمر بالبرامج التنموية والسياسات العمومية، التي قد تُرصد لها ميزانيات مهمة، وتُعبَّأ من أجلها موارد بشرية ومادية كبيرة، من دون أن تحقق النتائج المنتظرة، إذا لم تستند إلى تشخيص علمي دقيق لحاجات السكان وانتظاراتهم وإكراهات المجال الذي تستهدفه،وهنا تبرز أهمية الخبرة العلمية والبحث الميداني بوصفهما أداتين أساسيتين لتوجيه التدخلات العمومية. فالباحث لا يقدم مجرد رأي انطباعي، بل يعمل، وفق منهجية علمية، على جمع المعطيات وتحليلها وربطها بالسياقات التي أنتجتها، بما يسمح بفهم أعمق للمشكلات المطروحة وتحديد البدائل الممكنة. ولا يعني ذلك أن البحث العلمي يضمن نجاح كل برنامج أو قرار، وإنما يتيح أسسا أكثر صلابة لاتخاذ القرار، ويقلل من احتمالات الخطأ والارتجال، ويفتح المجال أمام التقييم والتصحيح المستمرين.
وفي هذا الإطار، تكتسب السوسيولوجيا الخبيرة أهمية خاصة، باعتبارها مدخلا لفهم الواقع الاجتماعي والاستفادة من نتائج الدراسات الميدانية في إعداد أوراق السياسات وصياغة البرامج العمومية، فهذه الأوراق لا ينبغي أن تظل مجرد وثائق تقنية أو تصورات إدارية، بل يجب أن تستند إلى معرفة دقيقة بالواقع، وإلى فهم حاجات الفئات المستهدفة، وتحليل علاقات القوة والمصالح والتمثلات التي قد تؤثر في تنفيذ السياسات ونتائجها، وبهذا الانتصار للعلم في تدبير الشأن العام يقتضي، تبعا لذلك، إعادة الاعتبار للباحث، وإشراكه في مختلف مراحل إعداد السياسات العمومية، بدءا من تشخيص المشكلات وتحديد الأولويات، مرورا بصياغة البرامج والبدائل، وصولا إلى تتبع التنفيذ وتقييم النتائج. فالمعرفة العلمية ليست زينة تضاف إلى القرار بعد اتخاذه، وإنما هي أحد الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها القرار منذ البداية.
إن الزج بالباحث خارج فضاءات تدبير الشأن العام، أو حصر دوره في مجالات لا تتيح له المساهمة الفعلية، يجعله أسير وضعية لا تعكس قدراته ولا تستثمر إمكاناته. فقد يجد الباحث نفسه محاصرا داخل أدوار لا تمثله، أو بعيدا عن المجالات التي يمكن أن يقدم فيها إضافة حقيقية، في حين أن توفير الشروط المناسبة لمشاركته قد يفتح أمامه إمكانات واسعة للإبداع والإنجاز والإسهام في تطوير السياسات والممارسات المؤسساتية، ونحن اليوم، في مغرب يعرف تحولات متواصلة ويسعى إلى تعزيز مسارات التنمية والتحديث، في حاجة إلى العودة إلى الباحثين، وتحديدا الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بالنظر إلى قدرتهم على فهم التحولات التي تطال المجتمع، وتحليل التفاوتات والإكراهات التي تواجه الفئات الاجتماعية، واستكشاف التغيرات التي تمس القيم والعلاقات وأنماط العيش والتواصل، فالتنمية لا تختزل في البنيات التحتية والمؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما تتصل أيضا ببناء الإنسان، وفهم حاجاته، وإدراك انتظاراته، وتحليل علاقته بالمؤسسات والمجال الذي يعيش فيه.
لهذا، فإن إدماج الباحث في النقاش العمومي ليس مجرد استجابة لمطلب فئوي، بل هو خطوة نحو تصحيح المسار في علاقتنا بالمعرفة العلمية، ونحو ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من نتائج الدراسات الميدانية أساسا لتدعيم القرارات السياسية والتنموية. فكلما استندت البرامج إلى تشخيص علمي رصين، وإلى فهم حقيقي للواقع الذي تستهدف تغييره، ازدادت فرص ملاءمتها لحاجات المجتمع، وأصبح تقييم نتائجها وتصحيح اختلالاتها أكثر إمكانا، لأن بناء السياسات العمومية لا ينبغي أن ينطلق من افتراضات جاهزة أو تصورات معزولة عن الواقع، بل من معرفة تستمع إلى المجتمع، وتفهم فاعليه، وتختبر فرضياتها بالبحث الميداني، وتراجع نتائجها في ضوء المعطيات المتاحة. ومن هنا، فإن إقصاء الباحث قد يعني، في نهاية المطاف، إقصاء إحدى الوسائل الأساسية لفهم الأزمات واستشراف مآلاتها واقتراح سبل التعامل معها.
وختاما يمكننا القول أن العودة إلى البحث العلمي، وإعطاء الباحث مكانة مركزية في إنتاج المعرفة والمساهمة في تدبير الشأن العام، ليست ترفا فكريا ولا مطلبا رمزيا، بل ضرورة تفرضها تعقيدات المجتمع وتحديات التنمية. فالمغرب الذي يتطلع إلى مستقبل أفضل يحتاج إلى مؤسسات تنفتح على المعرفة، وإلى قرارات تستند إلى البحث والخبرة، وإلى فضاء عمومي يعترف بقيمة الباحث ويتيح له الإسهام في النقاش وصناعة البدائل.
فحينما يُغيب الباحث، لا يخسر الباحث وحده، بل يخسر المجتمع جزءا من قدرته على فهم ذاته، وتشخيص اختلالاته، وصناعة تحولاته على أسس علمية أكثر صلابة.
اترك تعليقاً