الرقص مع بوتين

من أم قابَ الدَّفن وُلدَ رئيسٌ..
يوجد تشابه كبير بين طفولة بوتين ،المنبعثة من أم كادت تدفن حية ؛وبين كونه رئيسا لِما تبقى من الراحل الاتحاد السوفييتي .
رئيس لا يرى في أحلامه غير عظمة زمان ؛كما أسسها لنين ،ورسخها ستالين، خروتشوف ،بريجنيف ؛وهدها من أساسها ميخائيل غورباتشوف.
فيه من عظمة هؤلاء الكبار شيء ،ومن صلابة وأنفة العرق السلافي أشياء.
أما أهم ما يؤهله لتحقيق أحلامه السوفييتية ،فيكمن في شساعة الخريطة الروسية ،وثرواتها المتكاملة؛ التي تطيح بكل العقوبات الأمريكية والدولية .
في مواجهة بوتين –تكريسا لخرائط الناتوالجديدة ،والشرهة، لقضم المزيد – لا يملك ترامب عِزًّا ولا صولة ؛فهو أمام صديق لدود؛ لا يُقَعْقَعُ له بالشِّنانِ.
وقد ترجاه أخيرا أن يضخ “المازوط” في محرك العالم الكبير ؛لأن شريان هرمز تصلب خنقه الكولسترول الايراني.
وذات ” ساركوزية” أقبل عليه الرئيس الفرنسي بمناشدة ،ليكون ديموقراطيا ؛فما كان من بوتين الا أن يُريه نفسَه فأرا بين قدمي الفيل .منْ تكون حتى..؟ أستطيع اعلاءك ثم جندلتك في الحضيض.
من يومها تعلم الديك الفرنسي أن يصيح كما يشاء ،لكن ليس في حضرة الدب الروسي.
هو هذا بوتين الذي ينطبق عليه قول الشاعر المتنبي:
اذا رأيت نيوبَ الليث بارزةً * فلا تَظنَّن أنَّ الليث يبتسم
ابتسمَ للجزائر ،وصافح المغرب:
كعادته يحرص بوتين، منذ بداية تدويل مشكل الصحراء المفتعل، على حمل العصا من الوسط :
ففي أمره بالفيتو ضد مشروع الولايات المتحدة ،يبدو منتصرا لموقف الجزائر ،ومطلب البوليزاريو ؛لكنه في نفس الوقت حريصٌ على عدم الصدام المباشر مع الرباط ؛من خلال لقاءات تنسيقية وِدية بين الوزيرين بوريطا ولافروف .
وقد وافق الفيتو هوى المغرب ؛ومن باب شهد شاهد من أهلها ،سبق أن صرح وزير الخارجية الجزائري ،في نونبر،2025 بأن المملكة تسعى جاهدة ” لإنهاء مهام المينورسو ،وتحويل دورها الى مواكبة تنزيل الحكم الذاتي.
وما كادت الجزائر تفرح حتى دب فيها القَرَح؛، جراء افتقارها الى عنق زرافة ؛كشرط أول في اللعب مع الكبار.
اذ حملت نهاية المينورسو ،في طياتها ،ترحيل ملف الصحراء من المحافل الدولية ؛حيث كان يُسمح لها بالرقص على الموسيقى التي تشاء ،واطالة السهرة كما تشاء.
أمَا وقد تحركت قافلة الرحيل ،فقد تعرَّت الظهرُ ،واحتنق الصوت ،وفشلت الرُّكَبُ .
ولأمر ما جدع قصير أنفه:
ان الرجل أكبر من أن يُختزل في قضية شنآن في زقاق حارة، أرادت له الجزائر حجم قارة.
هو، حامل الحُلم السوفييتي ،الذي لا يرى في أحلامه غيرَ من ذكرت ،لا يمكن ألا يستحضر في كل قراراته عدوَّه الكبير ؛هذا” الناتو “الذي التهم خرائط الاتحاد المنهار ،حتى بات قاب قوسين من نهش أعصاب روسيا.
تعْنيه من هذا الحلف الدول الأوروبية الكبرى ،الواقفة في صف أوكرانيا السلافية.
يا سادة : ابتعدوا عن حدائقنا ،فهي لا تروى بغير أنهار: ينيسي ،أوب ،ولينا.
ومن هنا الاشتغال الحقيقي لفيتو بوتين :
وقد أحاط جواب الذكاء الرديف عن سؤال لي:
يبدو بوتين ،من خلال الفيتو الأخير ،وكأنه راغب في اشعال الحرب بشمال افريقيا ؛ليشوش على الجنوب الأوروبي .
نعم كاستراتيجية أوسع:
” يرى بعض المحللين في الغرب والمغرب العربي أن روسيا، التي تعاني من ضغوط شديدة بسبب حرب أوكرانيا والمواجهة مع حلف الناتو، ترحب بوجود بؤر توتر بديلة تستنزف القوى الغربية وتشتت انتباهها.
إشعال أو إبقاء جبهة شمال إفريقيا مشتعلة يضغط مباشرة على الأمن القومي لجنوب أوروبا (خاصة إسبانيا وإيطاليا وفرنسا) عبر ملفات الطاقة، الهجرة، والاستقرار الأمني.”
وأنا أتصور تنزيل هذا السيناريو المرعب ، تذكرت تهديد “لافروف” الأخير:
شن حرب أوروبية على روسيا ممكن ؛لكنها ستكون قصيرة جدا.
وهذا هو الرعب بعينه ،و بكل اشعاعه النووي.
ثم تساءلت :
وهل يكره ترامب أن يعض سيقان سانشيز الممتدة الى سبتة ومليلية؛ وقبل هذا لسانه المؤذي لاسرائيل ؟
وهل تكره اسرائيل ؟
الاثنان كبار؛لنا ظاهر من الأمر ،ولهم القرار .
وحفظ الله شعوب هذا الشمال الافريقي ،ولا نامت أعين من فتحه للعالم مسرحا لما نعرف وما لانعرف.
اترك تعليقاً