شطرنج النار والرمال بمنطقة الساحل الصحراء

في غضون أيام معدودة بين أواخر أكتوبر ومطلع نوفمبر 2026، شهدت منطقة شمال إفريقيا والفضاء الجغرافي للساحل والصحراء تحولات دراماتيكية متسارعة نسفت توازنات دامت لعقود. لم تعد الأحداث مجرد ملفات إقليمية منفصلة؛ بل تلاحمت في خطوط تماسك جيوسياسي واحد يمتد من أروقة مجلس الأمن في نيويورك، مروراً ببنغازي والرباط، وصولاً إلى عمق الصحراء النيجرية. إنها معركة شطرنج مفتوحة لإثبات النفوذ ورسم خرائط القوى الجديدة، حيث تتحرك البيادق المحلية على رمال الصحراء الملتهبة، بينما تمسك القوى العظمى بمكابح اللعبة لتأمين مصالحها الكبرى. هذا الواقع المعقد لا يمكن فهمه بعمق بمعزل عن مجهر العلوم السياسية، وتحديداً أطروحة “الواقعية الهجومية” للمنظر الأمريكي جون ميرشايمر (John Mearsheimer)، والتي تفترض أن النظام الدولي الفوضوي يجبر القوى الإقليمية على السعي الدائم للتحكم، والتعامل مع تحركات الخصوم كمعادلة صفرية (Zero-Sum Game) ترى في مكاسب الطرف الآخر تهديداً وجودياً لأمنها القومي.
وتعكس الاندفاعة العسكرية المفاجئة للجزائر نحو جوارها الجنوبي هذا المنطق بدقة؛ حيث صادق البرلمان الجزائري بالإجماع في 25 أكتوبر 2026 على قرار الرئيس عبد المجيد تبون بنشر وحدات عسكرية في النيجر، في أول انتشار بري للجيش الجزائري خارج حدوده منذ عام 1973. ورغم أن التبرير الرسمي ركز على غطاء “حماية المصالح الطاقوية المشتركة” مثل مشروع خط الغاز العابر للصحراء (TSGP)، إلا أن التحليل الميداني يدحض هذه الذريعة؛ فالأنبوب لا وجود له أصلاً على أرض النيجر وما زال حبراً على ورق. وخلف هذا الستار الدبلوماسي، تكمن “الدوافع الحقيقية” النابعة من قلق التطويق الإستراتيجي؛ والرغبة في فرملة تمدد “المبادرة الأطلسية” المغربية، إلى جانب التوجس الصامت من “الفيلق الإفريقي” الروسي الرابض على حدودها الجنوبية، مما دفع الجزائر لتبني عقيدة “الدفاع الهجومي الاستباقي” داخل أرض الجيران، رداً على صفعة المجلس العسكري في مالي الذي ألغى سابقاً “اتفاق الجزائر للسلام” وارتمى عسكرياً في أحضان موسكو.
ولم تتأخر الكوابح الميدانية لهذه الاندفاعة؛ فبينما كانت القوافل الجزائرية تتدفق جنوباً، انطلقت مناورة مضادة بالغة الذكاء من الشرق الليبي. ففي 1 نوفمبر 2026، أعلن رئيس وزراء النيجر، علي الأمين زين، عن توقيع بروتوكول اتفاق للتعاون الإستراتيجي والأمني مع القيادة العامة التابعة للمشير خليفة حفتر في بنغازي، تزامناً مع تحشيد عسكري ضخم لحفتر على الحدود النيجرية. هذا التحرك لـ”محور بنغازي-نيامي” يتصل بخيوط دبلوماسية متينة تمتد إلى الرباط؛ حيث تأتي زيارات وتنسيقات قادة الشرق الليبي للمملكة كامتداد طبيعي للرعاية التاريخية والمصداقية التي تحظى بها المملكة المغربية كراعٍ رسمي وجامع للوساطات الليبية-الليبية منذ “اتفاق الصخيرات” عام 2015 وجولات بوزنيقة وطنجة اللاحقة. إن الثقة التي بناها المغرب مع الأطراف الليبية تثمر اليوم تلاقياً إستراتيجياً؛ حيث يتحرك الشرق الليبي ميدانياً لفرملة الانفراد الجزائري بملف الساحل، وبما يتقاطع مع رغبة الرباط في تأمين بيئة مستقرة تخدم المشاريع الإقليمية الكبرى.
وعلى الجانب الآخر من رقعة الشطرنج، تلقى المشهد صدمة دبلوماسية في نيويورك حين استخدمت روسيا في 30 أكتوبر حق الفيتو في مجلس الأمن لإجهاض مشروع القرار الأمريكي لتجديد ولاية بعثة “المينورسو”، ليرد الغرب بفيتو مضاد، وينتهي تفويض البعثة رسمياً ببدء الأمم المتحدة إجراءات تصفيتها بعد 35 عاماً من الوجود. هذا التحول كشف عن معادلة بالغة التعقيد في السلوك الدبلوماسي لموسكو؛ فالفيتو الروسي لم يكن موجهاً ضد المغرب بقدر ما كان تصفية حسابات وندّية سياسية مع واشنطن. وقد أكدت موسكو على الحفاظ على قنوات التعاون والشراكة المتوازنة مع الرباط قبل 24 ساعة فقط من اشهار الفيتو، وهو ما تجسد بوضوح في مخرجات القمة الروسية-الإفريقية (موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026) التي عكست تقديراً روسياً لوزن المصالح المشتركة واتفاقيات الصيد البحري والفلاحة، فضلاً عن تثمين موسكو المستمر لموقف المغرب القائم على الحياد الإيجابي المتزن. ومن جانبه، التقط المغرب هذا التحول التاريخي بذكاء وبراغماتية؛ حيث أعلن طي صفحة البعثة الأممية نهائياً وسحب الملف من أروقة مجلس الأمن، مستنداً إلى أن الواقع الأرضي والاعترافات الدولية المتتالية بسيادته (أمريكا، فرنسا، إسبانيا) قد عززت الموقف السيادي للمملكة وثبّتت “مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وأساس غير قابل للنقاش للتسوية السياسية النهائية تحت السيادة المغربية”، بعيداً عن حسابات التجاذبات الدولية وسطوة الفيتو.
وهنا يبرز البعد التفسيري الثاني للمشهد عبر نظرية “تمرير التبعة والازدواجية” (Buck-Passing) للمنظر الواقعي الشهير كينيث والتز (Kenneth Waltz)؛ والتي تشير إلى تكتيك تلجأ إليه القوى العظمى لتجنب الانخراط في مواجهات مباشرة مكلفة عبر دفع قوة إقليمية لتتحمل كلفة المواجهة والنزيف على الأرض بالنيابة عنها. وتتحرك القوى العظمى الثلاث (واشنطن، موسكو، وبكين) ببراغماتية صرفة؛ حيث ترفض تفجير شمال القارة، وتفضل سيناريو “إدارة المستنقع” في الساحل عبر ترك الجيش الجزائرى يستنزف طاقاته العسكرية والمالية كممتص صدمات أمني (Buffer Zone) في حرب وكالة ومواجهات حدودية لا تنتهي .
وفي المقابل، تتفرغ هذه القوى الكبرى لجني ثمار المحور المغربي الأطلسي المستقر؛ فبينما تركز واشنطن وأوروبا على تأمين إمدادات الطاقة عبر أنبوب الغاز المغربي-النيجيري (NMGP) البحري والآمن، تحرص روسيا على الاستفادة من الشراكات الاقتصادية المرنة مع الرباط. وتأتي الصين لتضع ثقلها، مستندة إلى انخراط المغرب المبكر في مبادرة “الحزام والطريق”، بموجب مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في نونبر 2017، حيث تنظر بكين للرباط كمنصة توطين صناعي متقدمة (Nearshoring) عبر مشاريع عملاقة مثل “طنجة تيك” ومستقبلاً في ميناء الداخلة الأطلسي. الوجود الاقتصادي الطاغي للصين في دول الساحل يعني أنها المستفيد التجاري الأكبر من فتح ممرات المبادرة الأطلسية؛ وبالتالي، فإن أي محاولة جزائرية لزعزعة الاشتغال الآمن لهذه الطرق ستصطدم مباشرة بالمصالح الحيوية للتنين الصيني الذي يفرض ردعاً ناعماً وضخماً يجهض مشاريع العرقلة.
وفي الختام، يظهر الصراع الحالي كصدام فكري وعملي بين قرنين؛ يعكس تجلياً حياً لـ نظرية “الجيواقتصاد المعاصر” (Geoeconomics) للمفكر الإستراتيجي إدوارد لوتواك (Edward Luttwak)، والتي تؤكد على أن الصراع الدولي الحديث لم يعد يُدار باحتلال الأرض عسكرياً، بل عبر السيطرة على خطوط الإمداد، وتأمين الممرات البحرية، وبناء شراكات الاندماج الاقتصادي المستدامة. إننا أمام قرن جزائري يعيش في أدبيات القرن العشرين القائمة على الجيوسياسية التقليدية الخشنة (الجيش وحرب المواقع)، وقرن مغربي يتحرك بأدوات الجيواقتصاد الحديث للقرن الحادي والعشرين والقائم على ربط الممرات الدولية والبراغماتية الناعمة العابرة للقارات . على أن عامل الزمن يعمل اليوم كغربال حقيقي؛ فهو يستهلك مقدرات الجزائر المالية والعسكرية داخل الرمال المتحركة لأرض الجيران، في حين تترسخ المشاريع المغربية الهيكلية كحقائق جغرافية واقتصادية دولية لا يمكن تجاوزها . وعندما تنقشع العواصف الرملية في الساحل، سيجد العالم وقواه الكبرى أنفسهم مجبرين على التعامل مع البوابة الأطلسية الجاهزة، لتتحول الجزائر إلى ضحية لاندفاعاتها الأمنية غير المحسوبة، بينما يتحول المغرب رسمياً إلى الرئة الإستراتيجية والاقتصادية التي تتنفس منها إفريقيا نحو العالم.
أولاً: المصادر الفكرية والنظرية (الأدبيات السياسية)
ميرشايمر، جون (John Mearsheimer): كتاب “مأساة سياسة القوى العظمى” (The Tragedy of Great Power Politics). اعتُمد عليه لتأطير سلوك الجزائر وفق الواقعية الهجومية، وبحث مفهوم “المعادلة الصفرية” وهاجس الأمن الإقليمي.
والتز، كينيث (Kenneth Waltz): كتاب “نظرية السياسة الدولية” (Theory of International Politics). استُعين به لتأطير سياسة القوى العظمى (أمريكا، روسيا، الصين) بناءً على مفهوم “تمرير التبعة” (Buck-Passing) والتحكم عن بعد في الأزمات لإدارة المستنقعات الأمنية.
لوتواك، إدوارد (Edward Luttwak): أطروحة “من الجيوسياسية إلى الجيواقتصاد” (From Geopolitics to Geo-Economics) المنشورة في دورية The National Interest. اعتُمد عليها لتفسير فلسفة “المبادرة الأطلسية المغربية” التي تعلي من شأن خطوط الإمداد والموانئ والأنابيب كأدوات نفوذ حديثة بديلة للقوة العسكرية التقليدية.
ثانياً: مصادر البيانات والتقارير الميدانية (أكتوبر – نوفمبر 2026)
قرارات مجلس الأمن ومصير “المينورسو”:
محاضر الأمم المتحدة الرسمية (مطلع نوفمبر 2026): توثيق جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 30 أكتوبر 2026، والتي شهدت الفيتو الروسي المتبادل ضد مشروع القرار الأمريكي المعدل لتجديد ولاية البعثة، وإجراءات الأمم المتحدة الرسمية لتصفية البعثة .
بيان وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج (الرباط): الموقف الرسمي المغربي بشأن طي صفحة البعثة الأممية وسحب الملف نهائياً من مجلس الأمن.
التحركات العسكرية والاتفاقيات الإقليمية في الساحل:
الموقع الرسمي للبرلمان الجزائري ومجلس الأمة (أواخر أكتوبر 2026): توثيق المصادقة الدستورية البرلمانية على تفويض الرئيس عبد المجيد تبون بنشر وحدات من الجيش الجزائري برياً في النيجر (تحديداً في شمال النيجر ومنطقة أرليت.
بيان رئاسة الوزراء وحكومة النيجر (نيامي – 1 نوفمبر 2026): إعلان رئيس الوزراء “علي الأمين زين” توقيع بروتوكول الاتفاق الاستراتيجي والأمني مع القيادة العامة لقوات شرق ليبيا التابعة للمشير خليفة حفتر .
تقارير “المرصد الإفريقي للدراسات الأمنية” (ACSR): رصد التحشيد العسكري لقوات حفتر نحو الحدود النيجرية وسياقات التنسيق الدبلوماسي مع الرباط إبان زيارات وفود الشرق الليبي للمملكة.
المشاريع الاقتصادية والجيواقتصادية القائمة:
تقارير وزارة التجهيز والماء المغربية (2026): البيانات التقنية الخاصة بتقدم الأشغال في ميناء الداخلة الأطلسي وجداوله الزمنية .
الأمانة العامة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS): التحديثات الدورية المتعلقة بالاتفاقيات المبرمة ومسار تمويل أنبوب الغاز المغربي-النيجيري (NMGP) وتجنبه جغرافياً للمناطق البرية في الساحل.
معهد أبحاث الحزام والطريق (بكين): دراسات الجدوى الاقتصادية ومنشورات التوطين الصناعي الصيني (Nearshoring) في شمال إفريقيا والمنطقة الصناعية “طنجة تيك”.
اترك تعليقاً