ارتفاع الأسعار يحاصر مزور في المستشارين.. والوزير يكشف تنفيذ 242 ألف عملية مراقبة

حاصرت انتقادات المستشارين البرلمانيين، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، رياض مزور، بشأن تداعيات ارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية للأسر المغربية، في ظل استمرار غلاء المعيشة واتساع مظاهر المضاربة والاحتكار واختلالات قنوات التوزيع، وما يرافق ذلك من تحديات مرتبطة بجودة المنتجات وحماية حقوق المستهلك.
ودعت تدخلات الفرق البرلمانية إلى الانتقال من الالتزامات الحكومية والنصوص القانونية إلى إجراءات ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين، مطالبة بتفعيل قانون حماية المستهلك، وإعادة هيكلة أجهزة مراقبة الأسواق، وتحديث أسواق الجملة، ومحاصرة الوسطاء والمضاربين، فضلاً عن تعزيز دور جمعيات حماية المستهلك وتشديد الرقابة على المنتجات المغشوشة والتخفيضات التجارية الوهمية، كما امتدت الانتقادات إلى ضعف القدرة الشرائية، التي تدفع شرائح من المواطنين إلى اقتناء منتجات منخفضة الجودة بحثاً عن أسعار أقل.
وفي رده على هذه الملاحظات، أكد مزور أن حماية المستهلك ترتبط بشكل مباشر بحماية القدرة الشرائية للأسر، مشيراً إلى أن الحكومة تشتغل على مجموعة من التدابير المرتبطة بالدخل وضبط الأسعار وتنظيم الممارسات التجارية، إلى جانب إصلاح منظومة التوزيع وإحداث منصات جديدة لتسويق المواد الأساسية، معلناً أن مصالح وزارته أنجزت 242 ألفاً و780 عملية مراقبة منذ بداية السنة، ومبرزاً أن مشروعاً قانونياً جديداً يتضمن مقتضيات لتنظيم التخفيضات التجارية وحماية المستهلك، خاصة في مجال التجارة الإلكترونية.
استمرار الغلاء والدعوة إلى تفعيل قانون حماية المستهلك
وفي سياق التعقيبات البرلمانية، اعتبر فريق الحركة الشعبية أن الغلاء طال مختلف مناحي الحياة، وأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة السابقة عمقت أزمة القدرة الشرائية وألهبت الأسعار، معتبراً أن المستهلك ظل الحلقة الأضعف في عدد من التدابير الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد المستشار مولاي امبارك أن مواجهة هذه الوضعية تقتضي إجراءات عملية تتجاوز لغة التشخيص والوعود، داعياً إلى التعجيل بتنزيل القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، الذي قال إنه لا يزال بعيداً عن التطبيق الفعلي، وتسريع إحداث المؤسسات الاستشارية المنصوص عليها فيه، وفي مقدمتها المجلس الاستشاري الأعلى للاستهلاك والصندوق الوطني لحماية المستهلك.
كما طالب بالرفع من الدعم الموجه إلى جمعيات المجتمع المدني العاملة في مجال حماية المستهلك، وإعادة هيكلة المؤسسات المكلفة بمراقبة الأسعار وتتبع الأسواق، وتمكينها من الموارد البشرية واللوجستيكية الضرورية للقيام بمهامها، إلى جانب إصلاح أسواق الجملة وتحديثها ومراجعة القوانين المنظمة لها، التي يعود بعضها إلى سنة 1962.
ومن بين المقترحات التي طرحها الفريق، إطلاق منصة وطنية لتتبع الأسعار انطلاقاً من مرحلة الإنتاج وصولاً إلى المستهلك، وتحريك آليات المتابعة في حق المتلاعبين بالأسعار، وإرساء منظومة تشريعية وتنظيمية أكثر صرامة لمواجهة المضاربين والمحتكرين والوسطاء الذين يساهمون في ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية.
ولم تستثن المطالب ملف المحروقات، إذ دعا المستشار إلى التسقيف المؤقت لأسعارها، وتفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بذلك، فضلاً عن مراجعة الضرائب المفروضة عليها وتقليص هوامش أرباح شركات المحروقات، باعتبارها من الملفات التي ترتبط بتكاليف الإنتاج والنقل وتنعكس على أسعار عدد من المواد والخدمات.
تحذيرات من المنتجات المغشوشة والتخفيضات التجارية الوهمية
من جانبها، نبهت المستشارة لبنى علوي، عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، إلى أن حماية المستهلك لا ينبغي أن تظل مرتبطة فقط بمراقبة الأسعار، بل يتعين أن تشمل أيضاً ضمان جودة المنتجات وسلامتها، واحترام حقوق المواطنين في معاملاتهم التجارية، ومحاربة مختلف أشكال الغش والتدليس.
وسجلت المتحدثة استمرار عرض منتجات تحمل علامات تجارية مزيفة في عدد من الأسواق، مشيرة إلى أن بعض هذه المنتجات قد يشكل خطراً مباشراً على صحة وسلامة المستهلك، ومن بينها شواحن الهواتف ومواد التنظيف وسخانات الغاز، التي قالت إن بعضها يعرض بشكل عشوائي دون احترام شروط السلامة والجودة.
كما دعت إلى إخراج إطار تشريعي ينظم عمليات تصفية المخزون والتخفيضات التجارية، معتبرة أن استمرار بعض المحلات في الإعلان عن تخفيضات على مدار السنة، دون ضوابط واضحة أو مراقبة كافية، يضرب مبدأ المنافسة الشريفة ويفتح المجال أمام تضليل المستهلكين بشأن الأسعار الحقيقية للمنتجات.
وطالبت المستشارة بتكثيف الحملات الرقابية التي تنجزها اللجان المختلطة، والعمل على إدماج القطاع غير المهيكل، إلى جانب إطلاق حملات للتوعية والتحسيس بحقوق المستهلك، مؤكدة أن تحسين القدرة الشرائية يظل شرطاً أساسياً لتمكين المواطنين من اقتناء منتجات ذات جودة، بدل دفعهم إلى استهلاك مواد رخيصة ومنخفضة الجودة بسبب غلاء المعيشة.
وفي الاتجاه نفسه، شدد فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب على ضرورة وضع المستهلك في صلب السياسات العمومية، معتبراً أن حماية القدرة الشرائية وصون كرامة المواطن يقتضيان تعزيز فعالية القوانين وآليات المراقبة والزجر، وعدم الاكتفاء بوجود نصوص قانونية لا تجد طريقها إلى التطبيق.
ودعا الفريق إلى تحيين الإطار القانوني لحماية المستهلك، وتقوية دور الجمعيات المختصة، وتيسير مساطر تقديم الشكايات ومعالجتها، فضلاً عن تعزيز الشفافية في المعاملات التجارية ومراقبة جودة المنتجات والمعلومات المقدمة للمستهلك، بما يشمل الإشهار التجاري والبيع عن بعد والتجارة الإلكترونية.
مزور: 242 ألف عملية مراقبة منذ بداية السنة ومشروع قانون جديد لتنظيم التخفيضات
وفي معرض رده على الانتقادات والمقترحات البرلمانية، أوضح وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي أن موضوع حماية المستهلك يتضمن شقاً سياسياً يرتبط بالاختيارات الحكومية، وآخر تقنياً يدخل ضمن اختصاصات الوزارة، مؤكداً أن حماية المستهلك تعني، في المقام الأول، حماية القدرة الشرائية للمواطنين والأسر المغربية.
وأشار مزور إلى أن البرنامج الحكومي يتضمن تدابير متعددة ترتبط بتحسين الدخل وضبط الأسعار وتنظيم الممارسات التجارية التي يمكن أن يكون لها تأثير على كلفة المنتجات، مبرزاً أن قانون المالية بدأ يتضمن تنزيل الإجراءات الأولى الرامية إلى تحقيق هذه الأهداف.
وعلى مستوى الاختصاصات المباشرة للوزارة، أبرز المسؤول الحكومي أن أحد مداخل حماية المستهلك يتمثل في إصلاح منظومة التوزيع، من خلال إحداث منصات جديدة للتسويق وتطوير قنوات توزيع المواد الأساسية، بما يسمح بالحد من الهوامش غير المبررة وتعزيز الشفافية في تحديد الأسعار بين المنتج وأسواق الجملة والمستهلك النهائي.
وأوضح أن هذه التدابير تستهدف تمكين المواطنين من معرفة هوامش الأسعار بمختلف مراحل التوزيع، ومعالجة الاختلالات التي قد ترفع كلفة المنتجات قبل وصولها إلى المستهلك، مشيراً إلى أن الحكومة تراهن على تطوير منظومة التسويق والتوزيع من أجل تحسين أدائها وتقليص عدد المتدخلين فيها.
وفي ما يتعلق بالمراقبة، كشف مزور أن المصالح المختصة أنجزت 242 ألفاً و780 عملية مراقبة منذ بداية السنة، مؤكداً أن وتيرة هذه العمليات تتجه نحو التصاعد، في إطار تشديد الرقابة على الأسواق وضمان احترام القوانين المرتبطة بحماية المستهلك.
كما أشار إلى تجديد الشراكة مع جمعيات حماية المستهلك، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به في مواكبة الحركة الاستهلاكية والتدخل لمعالجة شكايات المواطنين والدفاع عن حقوقهم، مبرزاً أن الوزارة تتطلع إلى تعزيز أداء هذه الجمعيات من خلال توظيف التكنولوجيات الجديدة وتطوير آليات اشتغالها.
مشروع قانون لتنظيم التخفيضات وحماية المستهلك في التجارة الإلكترونية
وبخصوص المطالب المتعلقة بتحديث الإطار القانوني لحماية المستهلك، أعلن الوزير أن الوزارة تعمل على إعادة صياغة القانون المنظم لهذا المجال، بهدف إدراج حقوق جديدة وتدابير تستجيب للتحولات التي يعرفها النشاط التجاري، خصوصاً في ظل توسع التجارة الإلكترونية وظهور ممارسات تجارية جديدة تفرض مواكبتها تشريعياً.
وتفاعلاً مع التحذيرات المتعلقة بالمنتجات المغشوشة والمواد التي قد تشكل خطراً على صحة المواطنين، أكد مزور أن هناك مراقبة صارمة تقوم بها مصالح الوزارة والسلطات المختصة، بهدف منع تسويق المنتجات غير المطابقة لشروط الجودة والسلامة.
وأشار الوزير، في هذا السياق، إلى أن بعض المشاكل الخطيرة سُجلت في الماضي بسبب منتجات غير آمنة، مستحضراً ضحايا هذه الحوادث، ومشدداً على أن مختلف المتدخلين يتحملون مسؤولية ضمان سلامة المعروضات وحماية المستهلكين.
أما بخصوص تنظيم عمليات تصفية المخزون والتخفيضات التجارية، فأوضح مزور أن مشروع القانون الذي يتضمن مقتضيات في هذا الاتجاه يوجد حالياً لدى الأمانة العامة للحكومة، مشيراً إلى أنه لم يتم استكمال مسطرته خلال الولاية السابقة، ومعرباً عن أمله في إخراجه خلال الولاية الحالية وإحالته على البرلمان لمناقشته وتجويده.
منصات جهوية جديدة لإصلاح أسواق الجملة وتقليص الوسطاء
وفي ما يتعلق بمطالب إصلاح أسواق الجملة، ربط مزور هذا الورش بالقانون الجديد المتعلق بالجهوية المتقدمة، الذي أشار إلى أنه منح الجهات مسؤوليات جديدة في مجال إحداث وتدبير منصات التسويق، مبرزاً أن التوجه الحكومي يقوم على إنشاء جيل جديد من منصات تسويق المنتجات بالجملة.
وأوضح أن هذه المنصات ستشكل مدخلاً لإعادة تنظيم قنوات التوزيع، وتقليص عدد المتدخلين، وتحسين طريقة تسويق المواد الأساسية، بما ينعكس على الأسعار النهائية التي يؤديها المستهلك، ويساهم في الوقت نفسه في تحسين مداخيل المنتجين.
كما استحضر الوزير البرنامج الحكومي المتعلق بإحداث ست شركات جهوية ستشتغل في مجال التوزيع، معتبراً أن دخول هذه الشركات إلى السوق من شأنه أن ينعكس على مستويات الأسعار، من خلال المساهمة في خفض كلفة المنتجات بالنسبة للمستهلك، وتحسين العائدات بالنسبة للمنتج.
وفي ختام تعقيبه، شدد مزور على أن الحكومة تشتغل على مختلف المقترحات التي تقدم بها المستشارون، باستثناء خيار تسقيف الأسعار، الذي لم يدرجه ضمن التدابير التي تتبناها الوزارة في هذا المجال، مؤكداً أن باقي التوجهات المتعلقة بإصلاح التوزيع وتعزيز المراقبة وتنظيم الأسواق تسير فيها الحكومة، حسب تعبيره، بقوة.
اترك تعليقاً