منتدى العمق

العقلانية الاستراتيجية والأخلاقية في الممارسة السياسية والدبلوماسية لجلالة الملك

المصطفى قاسمي

تستعرض هذه الدراسة التحليلية الأطرالنظرية والممارسات التطبيقية المحددة للنموذج القيادي لـصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، باعتباره نموذجاً متميزاً في حقل العلوم السياسية والعلاقات الدولية المعاصرة. يكمن المقترب النظري للبحث في تفكيك المفهوم الهيكلي لـ “الدبلوماسية الهادئة” وتطبيقاتها على السياسة الداخلية والخارجية للمملكة المغربية.

ان نجاح المقاربة الملكية يعود بالأساس إلى التوافق بين ثلاثة أركان أساسية: الوضوح الاستراتيجي، والصدق والالتزام بالمواثيق، ومبدأ النمو المشترك والتكافل المتبادل. وتؤكد الدراسة عبر رصد المخرجات والتحولات التنموية أن النأي التام عن الاستعراض الإعلامي والمنطق الشعاراتي قد أتاح بناء عقيدة دبلوماسية متماسكة جعلت من المغرب الفاعل المحوري والأكثر استقراراً ومصداقية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

الإطار المفاهيمي والنظري للدراسة.

تطرح الأدبيات السياسية المعاصرة تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الأنظمة السياسية والدبلوماسية على الموازنة بين متطلبات التسويق الاستراتيجي المعتاد في الخطاب الإعلامي الدولي، وبين تحقيق الفعالية الميدانية المستدامة. وفي هذا السياق، تطرح التجربة المغربية تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نموذجاً يسترعي الاهتمام الأكاديمي، إذ يرتكز النظام السياسي المغربي المغربي الحداثي على المزاوجة الفريدة بين الشرعية التاريخية-الدينية من جهة، والعقلانية التدبيرية الميدانية من جهة أخرى.

فكيف صاغ الفكر والنهج الملكي لجلالة الملك محمد السادس نسقاً قيادياً يعتمد على العمل الصامت بعيداً عن الأضواء، وكيف انعكست قيم الوضوح والصدق والتعاون المتكافئ على تعزيز مكانة المملكة كقوة إقليمية وازنة داخلياً وخارجياً؟

بين الدبلوماسية الاستعراضية والدبلوماسية الهادئة.

في التقسيم الأكاديمي لمناهج القيادة السياسية، يمكن التمييز بوضوح بين نموذجين رئيسيين:

1. الدبلوماسية الاستعراضية: ترتكز على التواجد المستمر في منصات الإعلام، وصياغة البيانات الرنانة، واستباق النتائج الميدانية بشعارات سياسية غالباً ما تفتقر للآليات التنفيذية. 2. الدبلوماسية الهادئة القائمة على الفعل ترتكز على التخطيط الرزين، وإرساء التوافقات الكبرى عبر قنوات هادئة، والتركيز الكامل على إنجاز المشاريع وتطوير الواقع الميداني قبل الخروج إلى الإعلام أو اتخاذ المواقف التقريرية.

يندرج النموذج القيادي لجلالة الملك محمد السادس ضمن الدبلوماسية الهادئة ذات البعد الميداني؛ حيث يُلاحظ زهد جلالته الصريح في الاستعراض الإعلامي أو إجراء المقابلات الصحفية غير الضرورية، مفسحاً المجال كاملاً للنتائج والأرقام والمشاريع التنموية لتتحدث عن نفسها.

1- أبعاد السياسة الداخلية: التنمية الميدانية والكرامة الإنسانية.

يرتكز التوجه الداخلي لجلالة الملك منذ اعتلائه العرش على مفهوم جديد للسلطة والقرب من المواطنين، من خلال محاور استراتيجية متكاملة:

دبلوماسية القرب وتفقد كافة الأقاليم

– الزيارات الميدانية المتواصلة: حرص جلالة الملك منذ توليه العرش على زيارة مختلف أقاليم وجهات المملكة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، بما فيها المناطق النائية. – الإنصات المباشر للمواطنين: أصبحت هذه الزيارات الملكية تقليداً يهدف إلى الاطلاع المباشر على احتياجات الساكنة وإطلاق المشاريع التنموية والتأكد من تتبعها ميدانياً بدقة.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH)

– محاربة الفقر والهشاشة: أطلق جلالة الملك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 كورش مجتمعي غير مسبوق يستهدف تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. – الاستثمار في العنصر البشري: ركزت المبادرة على دعم الفئات الأكثر هشاشة، وتحسين الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم، والماء الصالح للشرب)، وتوفير فرص شغل للشباب.

دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة والمشاريع المدرة للدخل

– المواكبة والتمويل: وضع جلالته استراتيجيات وطنية لدعم النسيج الاقتصادي المحلي، من خلال إطلاق برامج تمويلية بشروط تفضيلية (مثل برنامج “إقلاع” وبرنامج “فرصة”). – تمويل وخلق المشاريع الصغرى: تشجيع التعاونيات الفلاحية والحرفية، ودعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لتحقيق الاستقلالية المالية والأسرية. – خلق مناخ أعمال محفز: التوجيه المستمر نحو تبسيط الإجراءات وتشجيع الشباب حاملي المشاريع والمقاولين الذاتيين لتأسيس مقاولاتهم وتحويل الفئات المستهدفة من خانة الحاجة إلى خانة الإنتاج والفعالية الاقتصادية.

2- مرتكزات امتدادات السياسة الخارجية: الإقليمية والدولية

تعتمد السياسة الخارجية للمملكة على الثوابت الوطنية، ومبدأ الوضوح، والالتزام بـ “دبلوماسية الأفعال” الشريفة والصامتة عبر مختلف الدوائر الجيوستراتيجية:

1-مرتكزات الأخلاق والسياسة الملكية

– مبدأ الوضوح والشفافية: لا تترك الدبلوماسية المغربية مجالاً للضبابية؛ فملف الصحراء المغربية هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الصريح لقياس صدق الصداقات وفعالية الشراكات. – سياسة “رابح – رابح”: إحداث قطيعة منهجية مع النظرة التقليدية القائمة على اعتبار القارة الإفريقية مجرد ساحة للتجاذبات أو متلقية للمساعدات أحادية الجانب. – التقدير والصدق والالتزام بالمواثيق: الصيانة الحازمة للعهود والالتزامات الدولية، مما منح المؤسسة الملكية احتراماً خاصاً وثقة متينة لدى مختلف القوى الدولية والإقليمية.

2-الدوائر الإقليمية والدولية للسياسة الخارجية

على مستوى المغرب العربي:

– – اليد الممدودة وحسن الجوار: التأكيد المستمر على خيار اليد الممدودة والدعوة الصادقة لفتح الحدود وتجاوز الخلافات لبناء اتحاد مغاربي قوي يتكامل اقتصادياً وأمنياً. – وحدة الشعوب المغاربية: تبني مواقف رزينة تبتعد عن التصعيد الإعلامي أو المزايدات، والتركيز على المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.

على مستوى العالم العربي والإسلامي والشرق الأوسط:

– – رئاسة لجنة القدس: الاضطلاع بدور محوري في الدفاع عن الهوية العربية والإسلامية للقدس الشريف ودعم صمود أهلها ميدانياً عبر “وكالة بيت مال القدس الشريف”. – الوساطة والاستقرار الإقليمي: اتخاذ مواقف متوازنة وداعية للحوار وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع دعم الأمن والسلام العادل والشامل.

على مستوى إفريقيا، أوروبا، وأمريكا الشمالية:

– – القارة الإفريقية: العودة التاريخية للاتحاد الإفريقي، وتعميق التضامن “جنوب – جنوب”، وإطلاق مشاريع استراتيجية هيكلية (أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب والمبادرة الملكية للأطلسي لدول الساحل). – الاتحاد الأوروبي: شراكة استراتيجية متجددة تقوم على التعاون الأمني، والطاقي، والهجرة، مع الاشتراط على الوضوح التام في ملف الصحراء المغربية. – أمريكا الشمالية: الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية والتعاون مع كندا، والاعتراف الأمريكي التاريخي بسيادة المغرب على صحرائه، وتطوير اتفاقيات التبادل الحر والتعاون العسكري والأمني.

خاتمة وتوصيات بحثية

تخلص هذه الدراسة إلى أن السياسة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله تُشكل مدرسة قائمة الذات في العلوم السياسية والدبلوماسية المعاصرة. إن الاعتماد على العقلانية، والدبلوماسية الهادئة، والصدق المباشر، والحرص على النفع المشترك، لم يضمن فقط للمملكة حماية مصالحها السيادية العليا، بل جعل منها نموذجاً استثنائياً للسيادة الهادئة والقيادة المتبصرة في منطقة تتسم بالتقلبات والتحولات السريعة.

توصيات للدراسات المستقبلية:

1. إنجاز دراسات كمية وميدانية تقيس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمبادرات الملكية في إفريقيا (مشروع أنبوب الغاز والأجندة الأطلسية) والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية داخلياً. 2. تحليل خطب جلالة الملك عبر مناهج “تحليل الخطاب السياسي” لتفكيك المفاهيم الأخلاقية وتطورها الدلالي عبر مسار الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *