التسقيف: إسعاف أم علاج
تسقيف أسعار المحروقات: بين حماية القدرة الشرائية وإصلاح بنية السوق واستدامة المالية العمومية

تعود مسألة تسقيف أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب، بعد زيادات متتالية سجلتها المحطات منذ منتصف مارس 2026، والاقتصاد الوطني رهين بتقلبات أسواق الطاقة الدولية. أمام هذا الضغط على الأسر، تتزاحم ثلاثة مسالك: سقف مؤقت للأسعار، وتقاسم الكلفة مع الفاعلين في السوق، وإصلاح بنية القطاع. يزن هذا المقال كلفة المسالك الثلاثة ونتائجها وإكراهاتها الاقتصادية والسياسية، ثم يرجح ترتيباً بينها: السقف جسر عبور قصير، والإصلاح علاج الداء، وهوامش الربح مورد يمول الانتقال.
تستند الدعوات إلى تسقيف أسعار المحروقات إلى اعتبارات اجتماعية مفهومة، بالنظر إلى الأثر المباشر لأسعار الغازوال والبنزين على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع. فارتفاع أسعار الطاقة ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، ويضاعف الضغوط على الأسر والمقاولات، خصوصاً المقاولات الصغيرة والمتوسطة. لذلك تبدو مطالبة الدولة بالتدخل لحماية المستهلك مطلباً مشروعاً من الناحية الاجتماعية، غير أن مشروعية الغاية تفرض احتساب الكلفة المالية والاقتصادية للأداة المعتمدة لتحقيقها.
سؤال الجهة التي تتحمل الفارق بين التكلفة الحقيقية للمحروقات والسعر المحدد للمستهلك يحسم جدوى السقف. إذا تحملته الدولة، أضافت التزاماً مالياً إلى نفقاتها يتبع سعر النفط وسعر صرف الدولار، فيتسع الالتزام بقدر اتساع الغلاء الدولي. أما إذا فرضته على الفاعلين الاقتصاديين دون تعويض، تأثرت شروط الاستيراد والتخزين والتوزيع، فبات انتظام التموين وجاذبية الاستثمار مهددين.
في المقابل، يمنح السقف الأسر والمقاولات رؤية واضحة لكلفة النقل، ويكبح انتقال الغلاء إلى أسعار السلع، ويهدئ الشارع في لحظة التوتر. غير أن التجربة المغربية مع صندوق المقاصة تحذر من هذا المسار: بلغت كلفة الدعم الإجمالية نحو 56.4 مليار درهم سنة 2012، وفق بيانات وزارة الاقتصاد والمالية، فجاء الدعم الشامل بالتزامات عسر ضبطها مع تزامن تقلبات الأسواق الدولية والضغوط المالية الداخلية. ثم إن توجيه موارد عمومية ضخمة إلى دعم الاستهلاك يثير سؤال الأولويات أمام حاجات الصحة والتعليم والبنيات الأساسية والحماية الاجتماعية.
وجه آخر للسقف يمس العدالة: منفعته تتوزع بحسب حجم الاستهلاك، فتذهب حصة وازنة إلى أصحاب الاستهلاك المرتفع، وتبقى حصة الأسر محدودة الدخل ضئيلة. أما الخروج منه فعسير سياسياً: رفع السقف يتحول إلى أزمة، فيطول عمر سقف رسمته الحكومة لمدة قصيرة.
تتجه هذه الفكرة إلى هوامش التوزيع: سقف يرد جزءاً منها إلى المستهلك، أو مساهمة استثنائية تفرضها الدولة على الأرباح الطارئة. ميزتها توزيع العبء بين الدولة والفاعلين والمستهلك، فتخف الكلفة على الميزانية. لكن حرية الأسعار والمنافسة المقررة منذ تحرير القطاع نهاية 2015 تفرض سنداً قانونياً متيناً لأي اقتطاع، والمستثمر يقرأ الإجراء إشارة على تقلب القواعد.
الخلاف حول الهوامش نفسها يضاعف الصعوبة: التقارير المنشورة عن مجلس المنافسة تصف أرباح البنزين بالمرتفعة وأرباح الغازوال بالمتراجعة قليلاً، وقراءات أخرى تتحدث عن استقرار. لذلك يسبق أي تحميل كشف موثوق ومنشور لبنية التكاليف.
كلفة هذا المسلك على الميزانية ضئيلة، وثمرته تتأخر عن جيب المستهلك، وتدافع عن القواعد القائمة مصالح راسخة. يريد المستهلك المغربي أن يعرف كيف تتشكل أسعار المحروقات، من الاستيراد وتكاليف الشحن والتخزين إلى التوزيع وهوامش الربح والضرائب. كما يريد سوقاً تنقل انخفاض الأسعار الدولية إلى المحطات بالوتيرة والشفافية اللتين ترافقان انتقال الارتفاعات. مجلس المنافسة رصد في مارس 2026 انتقالاً غير متوازن لتطورات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية، وهذا التفاوت يبرر نشر المعطيات المتعلقة بالتكاليف والهوامش بانتظام.
الظهير بمثابة قانون رقم 1.72.255 الصادر في 22 فبراير 1973، المنظم لاستيراد المحروقات وتصديرها وتكريرها وتخزينها وتوزيعها، سبق أن عدّله القانون رقم 67.15 الصادر سنة 2016. على أن القطاع تبدل منذ تحرير الأسعار، فبات النص في حاجة إلى مراجعة تمنح المنافسة شروطاً عملية فعالة.
مقتضيات ولوج السوق، من ترخيص واستيراد وقدرات تخزينية مطلوبة، ترفع كلفة الدخول أمام الفاعلين الجدد وتضيق قاعدة المنافسة. الحل في تقاسم منشآت التخزين وفق ضوابط واضحة، وفتحها أمام الشركات المستوفية لشروط السلامة والجودة، مع معايير ترخيص شفافة ومتساوية. استقلال تدبير البنيات اللوجستية عن المصالح التجارية للفاعلين، وتكافؤ الفرص في الولوج إلى مرافق الاستيراد والتخزين والنقل، شرطان لمنافسة فعلية. يتولى مجلس المنافسة تتبع تطور السوق ورصد هوامش التوزيع وتحليل انتقال التغيرات الدولية إلى الأسعار الوطنية، بصلاحيات واضحة وموارد كافية، ويردع الممارسات التي تعرقل دخول منافسين جدد.
مصفاة سامير ملف في صلب أمن الطاقة. موقف المقال منه دراسة مالية وتقنية وقانونية مستقلة تعلن الحكومة نتائجها، وتحسم بين إعادة تشغيل قدرات التكرير وصيغة أخرى لاستغلال الأصول الصناعية. فالتكرير المحلي ينوع مصادر التزود ويعزز الأمن الطاقي، وتظل جدواه رهينة بشروط الاستثمار وكلفة تحديث المنشآت.
إصلاح البنية هو الأفق، لأنه يعالج جذور التفاوت في انتقال الأسعار بدل مداراة أثره. تقاسم الكلفة مع الفاعلين يمول الانتقال من مورد قريب من مصدر الغلاء هو هوامش التوزيع. السقف، من جهته، يؤدي دور الجسر بثلاثة شروط: أجل معلن، وقاعدة معلنة لتحريكه، وجدول إصلاح ملزم يضبط موعد إنهائه.
الدعم الموجه يكمل الجسر: الأسر محدودة الدخل تستحق حماية مباشرة بقدر دخلها، وتطوير النقل العمومي يخفف عنها كلفة التنقل، فتصل الموارد العمومية إلى من يحتاج إليها فعلاً.
الدولة أمام مفترق: تعويض دائم للفوارق السعرية يستنزف الموارد، أو سقف مؤقت يعبر بالأسر إلى سوق تنافسية شفافة، وهوامش تمول العبور، ودعم يصيب مستحقيه. الخيار الثاني يحمي المستهلك اليوم، ويصون قدرة المالية العمومية على تمويل الحاجات الاستراتيجية للمجتمع غداً.
الحسين خاوتي
اترك تعليقاً