منتدى العمق

من حرفية الترجمة إلى حركية التأويل.. قراءة نقدية في ترجمة القرآن إلى الفرنسية

من حرفية الترجمة إلى حركية التأويل.. قراءة نقدية في ترجمة القرآن إلى الفرنسية

يظل النص القرآني، كلام ربنا المعجز، نصاً حركياً مفتوحاً على الامتداد الزمني إلى يوم القيامة، لأنه كتاب لا تنقضي عجائبه، وهو ما يفرض عليّ كمستشرف لآفاق الفكر الإسلامي المعاصر و كممارس للفكر و للإمامة والخطابة والوعظ في فرنسا ضرورة تبني التأويل والتفسير الأصيل الأثري للقرآن الكريم و لكن في الآن نفسه تأويل ديناميكي و متجدد في سياق فرنسي مغاير؛ فالقراءات “الستاتيكية” lecture statique الجامدة أو الواقفة و التي تحبس دلالات الوحي في أطر تاريخية ضيقة, وسياقات ثقافية عربية, قد تؤدي إلى الخروج عن مقاصد الشريعة التي دافع عنها المصلح و الفقيه المقاصدي علال الفاسي و الفقيه المفسر الطاهر بن عاشور.

لا شك في أن القرآن هو كتاب هداية وأخلاق ونور، صالح لكل زمان ومكان،  بل إنه يصلح الزمان والمكان،وقد تكفل الله بحفظه في صدور الأمة وسطورها بنص قوله تعالى: ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”.

ومن هنا، تبرز إشكالية الترجمة إلى اللغات الأجنبية كأحد أعقد ميادين هذا التأويل الديناميكي الحركي و أخطرها، حيث إن المترجم يتأرجح حقيقة بين أمانة اللفظ القرآني و البلاغة و ما تتضمنه من بيان و بديع و معاني، وثقل السياق الثقافي، محاولاً تجنب الوقوع في فخ “إسقاط الحاضر على الماضي” (Anachronism)، ومواجهة نصوص الوحي بقيم معاصرة لم تكن تشكل وعي اللحظة التاريخية للتنزيل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.يقع كثيرمن عوام الناس ومفكريهم في هذا الفخ القاتل لكل تجرد وحياد و موضوعية.

تصفحتُ ترجمة الدكتور عبد الحق عزوزي و حاولت إخضاعه للنقد والمقارنة مع ترجمتين تاريخيتين؛ و هما ترجمة البروفيسور محمد حميد الله الفقهية الدقيقة و الحذرة، وترجمة المستشرق جاك بيرك الأنثروبولوجية الأدبية والمتحررة، ليتضح كيف يمكن للتأويل الديناميكي الحركي الذي أنادي به منذ زمن أن ينقذ المعنى، وكيف يمكن للحرفية أن تظلمه في واقع التبليغ بفرنسا. ويتجلى لي ذلك بوضوح عبر مثالين :

المثال الأول: “وَاضْرِبُوهُنَّ” (سورة النساء، الآية 34)

في هذه الآية الشائكة و الخطيرة ضمن السياق الثقافي الغربي و الحقوقي المعاصر، نجد أن محمد حميد الله رحمه الله قد التزم بالترجمة الحرفية الجافة، فنقلها بعبارة (frappez-les)، وهي صياغة أرى أنها تسقط السياق القانوني والتاريخي تماماً، وتجعل المتلقي الفرنكوفوني يحاكم النص بقيم اليوم، فيرى فيها شرعنة للعنف الأسري و مخالفة للقانون و حقوق الإنسان فَيُصَدُّ عن سبيل الله بآية من كتاب الله!!. أما جاك بيرك، فنجده قد هرب بحكم خلفيته الثقافية نحو التجريد السوسيولوجي بعبارة (sévissez contre elles) (اتخذوا إجراءات صارمة ضدهن، مفضلا القفز على كلمة اضربوهن)، وهو تعبير مستمد من المعجم القانوني الغربي الحديث الذي يفرغ اللفظ من خصوصيته التراثية. و قد طرد إمام  من فرنسا بسبب ترجمته الحرفية للكلمة لأنه أمر يحرض على العنف و يخالف القانون الجنائي الفرنسي .

في المقابل، أرى أن عبد الحق عزوزي قد تميز بتبني مقاربة ديناميكية واعية؛ حيث تجنب الترجمة المادية للضرب، ونقلها بمعنى التقويم والتأديب الرمزي الإصلاحي (corrigez-les)، محيطاً اللفظ بـ”معقوفات تفسيرية” تُبيّن أن هذا الإجراء هو “ملاذ أخير” و”رمزي بحت ودون عنف” (d’une manière purement symbolique et sans violence).

و كلمة corrigez les قد تؤدي  إلى إشكال آخر و هو اقتراح وصاية الرجل على المرأة في الأسرة  مع العلم على أنهما شريكان في المسؤولية أمام الأسرة و الأطفال وفقا للمبادئ المقاصدية الدينية و القانونيّة المعاصرة.

استند الأستاذ عزوزي في تفسيره و ترجمته لهذه الآية إلى منطق التدرج التاريخي والسياق الثقافي الذي سمح ببعض الممارسات الرمزية لضبط تفكك الأسرة قديماً ، مع تذكيره على أن المقصد الأسمى للنص هو الهداية والإصلاح لا العنف الجسدي، مستندا بذلك إلى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما والقرطبي رحمه الله و متجاوزاً بذلك معضلة الأناكغونيزم (Anachronisme)، و هو انتقاء تراثي حسن .

المثال الثاني: “هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ” (سورة البقرة، الآية 187)

تتجلى فرادة النص القرآني هنا في الاستعارة و الكناية اللتين تختزلان معاني الستر، والوقاية المعنوية و المادية المتبادلة. لكنني ألاحظ أن حميد الله قد نقلها بحرفية جافة: (…Elles sont un vêtement pour vous)، مما جعل التعبير يبدو  غريباً وغير مستساغ في اللسانيات الفرنسية والإنجليزية. فتصور معي الفرق لو قلت لامرأتك “أنت حذائي وأنا حذاءك”! هكذا مجردا دون تفسير و قولك “أنتِ نعلي يحملني و أحتمي به وأنا نعلكِ يحملك و تحتمين به!

وعليه فتضمين التفسير في الآية المترجمة كفيلة برفع الإشكال والإلتباس لدى القارئ.

بينما حاول جاك بيرك في هذه الآية مقاربتها أدبيا لكن بأسلوب نخبوي معقد.

أما عزوزي، فقد انطلق من ذات البعد الأخلاقي والروحي للكتاب الذي نؤمن به، فدمج الترجمة بالتفسير ليوضح للمتلقي الغربي أن “اللباس” هنا ليس قماشاً مادياً، بل هو غطاء روحي ونفسي متبادل، يعبر عن التكافؤ والاندماج الكامل بين الزوجين و هذا التأويل لا يحول أيضا دون التصور المادي للعلاقة الحميمية بين الزوجين فكلاهما يستمتع و يلتحم بالآخر. هذا التأويل الحركي يمثل في تقديري التخلص الصحيح من جمود اللفظ باستيعابه للمقصد الإنساني والأخلاقي العام للقرآن.

أظن أن عمل عزوزي الموسوعي الضخم ( و هو ما قد يجعله حبيس الرفوف في الجامعات والمكتبات والهيئات البحثية لأن الناس لا يتداولون المراجع الضخمة وإنما يفضلون كتب الجيب و المؤلفات المختصرة) يأتي في إطار المناخ المعرفي النقدي لفهم القرآن الكريم الذي أسسه حديثا المفكر المغربي محمد عابد الجابري في مشروعه “فهم القرآن الحكيم”. ورغم تحفظي على الخلفيات الأيديولوجية السابقة للجابري رحمه الله (سواء القومية العربية أو اليسارية)، إلا أن نتاج الجابري التفسيري الأخير يثبت لي محاولة عودته الجادة والعميقة إلى “الأثرية” والمنبع التراثي الأصيل الذي نحرص عليه جميعا. فقد لاحظتُ اعتماده المكثف على أمهات التفاسير، وعلى رأسها تفسير شيخ المفسرين الإمام الطبري ببُعده الأثري واللغوي، وتفسير الزمخشري (الكشاف) ببعده البياني المتكلم المتأثر بالفكر المعتزلي.

و على أية حال أقول : إن اعتماد الجابري على الطبري و الزمخشري، وسير الأستاذ عزوزي و غيره من الأساتذة والفقهاء والمفسرين على خطى الاستمداد من التراث بوعي معاصر، يعكس في نظري ظاهرة صحية جداً في الفكر الإسلامي؛ وهي انفتاح العقل المسلم على فضاءات المعرفة الأخرى وتعدديته. فالاعتراف باجتهادات المعتزلة البيانية إلى جانب أثرية الطبري و العلوم الإنسانية المعاصرة يثبت أن الفكر الإسلامي لم يكن يوماً أحادي الرؤية، بل أراه قادراً دائماً على استيعاب المدارس المختلفة لتوليد قراءات ديناميكية جديدة تخاطب العقل الإنساني في كل عصر دون الإخلال بقدسية النص القرآني المحفوظ بحفظ الله تعالى.

و إن هي إلا محاولة مني للفهم والعلم عند الله .

وصدق الله العظيم إذ يقول:” إنا نحن نزلنا الذكر و إنّا له لحافظون”. الآية 9 سورة الحجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *