سياسة

بنسعيد يقر بتأخر مستحقات “دوزيم” ويكشف خطة توحيد الإشهار والأجور بالإعلام العمومي

الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة

أقر محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والرياضة المكلف أيضا بقطاع التواصل، بوجود صعوبات مالية تواجه القناة الثانية “دوزيم”، أدت إلى تأخر أداء مستحقات عدد من المقاولات المتعاملة معها، مؤكدا أن النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه القناة تاريخيا، والقائم أساسا على المداخيل الإشهارية، لم يعد قادرا على الاستجابة لمتطلباتها المالية، في وقت كشف فيه عن توجه لإحداث وكالة إشهارية موحدة ومراجعة الأنظمة الأساسية للعاملين بالقطب السمعي البصري العمومي.

وأوضح بنسعيد، خلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية لقطاع التواصل برسم السنة المالية 2027، اليوم الأربعاء 4 نونبر 2026، أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، أن القناة الثانية تواجه إكراهات مالية تؤثر على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المقاولات التي تشتغل معها، مشيرا إلى أن بعض هذه المقاولات لا تتوصل بمستحقاتها في الآجال المحددة.

وأكد المسؤول الحكومي أن هذه الوضعية تفرض معالجة شاملة للإشكالات المالية والتدبيرية التي تواجه القناة، عوض الاقتصار على حلول ظرفية، مشددا على ضرورة مراجعة نموذج تمويلها بما يضمن استمرارية نشاطها وقدرتها على أداء التزاماتها تجاه شركائها وموردي الخدمات والإنتاج.

واستحضر بنسعيد التحولات التي عرفها النموذج الاقتصادي للقناة الثانية، موضحا أنها كانت تعتمد في مراحل سابقة على المداخيل الإشهارية لتغطية الجزء الأكبر من احتياجاتها المالية، غير أن هذا النموذج لم يعد يستجيب للتحولات التي يعرفها القطاع السمعي البصري، ولا يسمح وحده بتوفير الموارد الضرورية لتمويل أنشطتها.

وأشار إلى أن استمرار الاعتماد على الإشهار، في ظل محدودية الموارد والحاجيات المتزايدة للإنتاج والتسيير، يطرح إشكالات تتجاوز المؤسسة نفسها، وتمتد إلى المقاولات التي تتعامل معها وتعتمد على مستحقاتها لتغطية نفقاتها وضمان استمرارية أنشطتها.

وشدد الوزير على أن إصلاح الوضعية لا يمكن اختزاله في توفير دعم مالي إضافي، وإنما يتطلب مراجعة شاملة لطريقة تدبير المؤسسات السمعية البصرية العمومية، وتحديد مصادر تمويلها والتزاماتها، وإرساء نموذج اقتصادي قادر على التوفيق بين متطلبات الخدمة العمومية والموارد المالية المتاحة.

وتأتي تصريحات بنسعيد في وقت كشفت فيه المعطيات الواردة في تقرير المؤسسات والمقاولات العمومية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن شركة “صورياد دوزيم” سجلت خسارة صافية بلغت 356 مليون درهم خلال سنة 2025، مقابل 360 مليون درهم سنة 2024.

ووفق التقرير ذاته، بلغ رقم معاملات الشركة 375 مليون درهم سنة 2025، بانخفاض قدره 10 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، فيما بلغت المداخيل الإشهارية 357 مليون درهم، وسجلت نتيجة الاستغلال عجزا بقيمة 303 ملايين درهم، في مؤشر على استمرار الاختلالات الهيكلية التي تواجه النموذج الاقتصادي والمالي للمؤسسة.

وفي ما يتعلق بمشروع إعادة هيكلة القطب السمعي البصري العمومي، أوضح بنسعيد أن المرحلة المقبلة ستتجه نحو تطوير التدبير المشترك للمؤسسات المعنية، مع مراعاة خصوصية كل مؤسسة ومهامها وطبيعة مواردها المالية، مشيرا إلى أن توحيد التدبير لا يعني بالضرورة اعتماد نموذج تمويلي واحد لجميع المؤسسات، بالنظر إلى الاختلافات القائمة بينها، خصوصا في ما يتعلق بمصادر التمويل ونسبة الاعتماد على الإشهار والدعم العمومي.

وأكد أن الوزارة تعمل، بتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية وباقي المتدخلين، على بلورة تصور يحدد الإمكانات المالية الضرورية لمواكبة إعادة الهيكلة، بما يسمح بتجاوز الإشكالات القائمة وضمان استدامة المؤسسات السمعية البصرية العمومية.

وفي هذا الإطار، كشف العرض الرسمي للميزانية الفرعية لسنة 2027 عن برمجة إحداث وكالة إشهارية موحدة تابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، في إطار توجه نحو توحيد تدبير الموارد الإشهارية وتعزيز الانسجام بين المؤسسات التابعة للقطب العمومي.

كما تضمن البرنامج إطلاق دراسة تروم الملاءمة التدريجية للأنظمة الأساسية للموظفين والاتفاقيات الجماعية وهياكل الأجور، وهي من الملفات المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع وتوحيد آليات تدبير موارده البشرية.

وتطرق بنسعيد، في هذا السياق، إلى أهمية الحفاظ على المكتسبات المهنية والاجتماعية للعاملين بمؤسسات الإعلام العمومي، مؤكدا ضرورة إدراج ملف الموارد البشرية ضمن التصور الشامل للإصلاح، بما يراعي خصوصيات المؤسسات المعنية والوضعيات المهنية لمستخدميها.

وبموازاة ذلك، يرتقب أن يشمل الورش اعتماد دفاتر تحملات جديدة لتنظيم التزامات مؤسسات القطب السمعي البصري العمومي، إلى جانب إبرام عقد برنامج بين الدولة والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، يحدد الالتزامات المتبادلة والأهداف المنتظرة من إعادة الهيكلة.

وشدد الوزير على ضرورة تحديد الموارد المالية التي ستخصصها الدولة لهذا القطب، ومدى قدرتها على تمويل التزاماته المتعلقة بالإنتاج والتسيير والاستثمار، معتبرا أن الإصلاح المؤسساتي يتطلب توفير الإمكانات الضرورية لتنفيذه.

وفي معرض حديثه عن تحديات الإنتاج التلفزيوني، توقف بنسعيد عند الفارق بين كلفة اقتناء الأعمال الأجنبية وإنتاج أعمال مغربية، موضحا أن شراء بعض المسلسلات الأجنبية قد يكون أقل كلفة بالنسبة إلى القنوات، في حين يتطلب الإنتاج الدرامي الوطني تعبئة موارد مالية أكبر.

وأكد أن تشجيع الإنتاج المغربي يظل خيارا مهما بالنظر إلى مساهمته في تشغيل الفنانين والتقنيين وتحريك النشاط الاقتصادي المرتبط بالصناعة السمعية البصرية، غير أن تحقيق هذا الهدف يستدعي توفير التمويل الكافي وضمان قدرة المؤسسات على الالتزام بتكاليف الإنتاج.

واعتبر المسؤول الحكومي أن الطموح إلى تطوير الإنتاج الوطني ينبغي أن يواكبه نقاش حول الإمكانات المالية المتاحة، وطبيعة الالتزامات التي يمكن للمؤسسات العمومية تحملها، بما يضمن التوازن بين جودة البرامج واستدامة النشاط الاقتصادي للمقاولات العاملة في القطاع.

وفي سياق المقارنة مع تجارب دولية، أشار بنسعيد إلى وجود نماذج مختلفة لتمويل الإعلام العمومي في عدد من البلدان الأوروبية، مؤكدا أن الاستفادة منها تقتضي مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والمؤسساتية للمغرب، وعدم اعتماد تصورات تمويلية يصعب تطبيقها في ظل الإمكانات المتاحة.

وأكد أن إعادة هيكلة القطب السمعي البصري العمومي يجب أن تتجاوز الجوانب القانونية والتنظيمية لتشمل المعالجة المالية والاجتماعية والتدبيرية، بما يسمح بتحسين الحكامة وتطوير الإنتاج والوفاء بالالتزامات تجاه المقاولات والعاملين.

وتندرج هذه التوجهات ضمن ورش إصلاح القطب السمعي البصري العمومي الذي يشمل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة والقناة الثانية، بهدف تطوير نموذج التدبير والتمويل وتعزيز التنسيق بين مؤسساته، في ظل التحديات المالية والتحولات التي يعرفها سوق الإشهار والإنتاج الإعلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *