سياسة

دعا للتمييز بين السيادة الملكية وسيادة الشعب.. المدني: انتخابات 2026 كشفت انقسامات مجتمعية عميقة

دعا للتمييز بين السيادة الملكية وسيادة الشعب.. المدني: انتخابات 2026 كشفت انقسامات مجتمعية عميقة

اعتبر محمد المدني، أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط، أن الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في شتنبر 2026 جرت في سياق سياسي يتسم بـ”الصراع السياسي المحدود”، القائم على التوافق والتفاوض الضمني بين فاعلين سياسيين تتقاطع مصالحهم رغم اختلاف مواقعهم وتوجهاتهم، مبرزاً أن قراءة نتائج هذه الانتخابات لا ينبغي أن تقتصر على الأرقام والمؤشرات الرسمية، بل تستدعي وضعها في سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي، واستحضار طبيعة التنافس السياسي وأشكال التعبئة الانتخابية والتحولات التي مست سلوك الأحزاب والناخبين.

وأوضح المدني، خلال مشاركته في ندوة وطنية احتضنتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، بمشاركة نخبة من الفاعلين السياسيين والباحثين الأكاديميين، حول موضوع “ما بعد انتخابات 2026″، أن الاستحقاق الانتخابي الأخير كشف عن استمرار انقسامات تاريخية داخل المجتمع المغربي، إلى جانب بروز انقسامات حديثة مرتبطة بقضايا المرأة والتطبيع، معتبراً أن هذه التصدعات المجتمعية باتت تؤثر في المشهد الحزبي وفي اختيارات الناخبين.

كما توقف عند ما وصفه بمفهوم “حزب الحاشية”، في إشارة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن هذا المفهوم يتيح إعادة التفكير في العلاقة بين الملكية والنسق الحزبي والانتخابات، ويعيد إلى الواجهة إشكالية التوفيق بين السيادة الملكية وسيادة الشعب.

الصراع السياسي المحدود.. من المواجهة المفتوحة إلى التوافق والتفاوض

اعتبر المدني أن الانتخابات الأخيرة لا يمكن تصنيفها ضمن الانتخابات التأسيسية، على غرار انتخابات 1963، ولا ضمن الانتخابات التي أعقبت حركات احتجاجية كبرى، مثل انتخابات 2011 التي جاءت بعد احتجاجات حركة 20 فبراير، كما أنها لم تجر في سياق استثنائي كالذي ميز انتخابات 2021 المرتبطة بحالة الطوارئ الصحية.

وبناء على ذلك، وضع المدني انتخابات شتنبر 2026 ضمن دورة انتخابية عادية بدأت بشكل دوري منذ سنة 1993، في إطار سياق سياسي وصفه بالسلطوي أو الهجين، والذي يتميز بوجود صراع سياسي محدود الكثافة، يقوم على استراتيجيات التوافق والتفاوض الضمني بين فاعلين سياسيين تجمعهم مصالح مشتركة رغم تنافسهم.

وأوضح أن المغرب انتقل تدريجياً من مرحلة الصراع السياسي الشامل، الذي كان فيه انتصار طرف سياسي يعني بالضرورة هزيمة مطلقة للأطراف الأخرى، إلى مرحلة الصراع المحدود الذي لا يقوم على منطق اللعبة الصفرية، وإنما على محصلة غير صفرية تسمح بتعايش المصالح المتعارضة والحفاظ على روابط استراتيجية بين الخصوم.

وأضاف أن الهدف في هذا النوع من الصراع لم يعد يتمثل في القضاء على الطرف الآخر، وإنما في التأثير فيه ودفعه إلى التفاوض والقبول بالتسويات، مشيراً إلى أن الصراع السياسي المفتوح طبع مراحل من تاريخ المغرب منذ الاستقلال وحتى أواخر سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يبدأ الانتقال التدريجي نحو نمط أكثر محدودية من التنافس السياسي.

وربط المتحدث بين هذا التحول وطبيعة الانتخابات التي عرفها المغرب، موضحاً أن استحقاقات 1963 و1970 جرت في سياق صراع سياسي مفتوح، وهو ما يمكن أن يساعد على تفسير نسب المشاركة المرتفعة التي سجلتها، بينما جرت الانتخابات اللاحقة في سياق سياسي مختلف، تحكمه قواعد الصراع المحدود.

وشدد، في المقابل، على أن إجراء الانتخابات ضمن سياق الصراع السياسي المحدود لا يعني خلوها من الرهانات أو الاختراقات أو المفاجآت، محذراً من اختزال تحليل الاستحقاقات الانتخابية في نتائجها النهائية، والتعامل معها باعتبارها مساراً خطياً لم يكن من الممكن أن ينتهي إلا إلى تشكيل الحكومة القائمة.

التعبئة الانتخابية.. انتقال الأساليب التقليدية إلى أشكال أكثر استتاراً

إلى ذلك، دعا المدني إلى عدم حصر تحليل التحولات الانتخابية في أشكال التعبئة الرقمية التي برزت خلال الاستحقاقات الأخيرة، مشيراً إلى أن الحملات الانتخابية شهدت توسعاً في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والمؤثرين والحسابات الآلية، إلى جانب توظيف السرديات والخطابات الرقمية الموجهة لخدمة مصالح أحزاب سياسية معينة.

وأوضح أن هذه الأساليب الجديدة لم تلغِ أشكال التعبئة التقليدية، وإنما ساهمت في تغيير طبيعتها وطرق تدبيرها، مستحضراً على وجه الخصوص أساليب الحشد الميداني التي تعتمد على نقل الناخبين والمواطنين بواسطة الشاحنات والحافلات إلى مراكز التصويت.

واعتبر أن هذا النمط من التعبئة عرف تحولاً ملحوظاً مقارنة بالمراحل الانتخابية السابقة، موضحاً أن ما كان يتم بشكل ظاهر ومباشر أصبح يُدار اليوم بأساليب أكثر استتاراً وحداثة.

واستحضر في هذا السياق ما يعرف بمسيرة “ولد زروال” خلال انتخابات 2016، معتبراً أنها شكلت أحد آخر نماذج التعبئة التقليدية التي اعتمدت بشكل واضح على نقل الناخبين بواسطة الحافلات والشاحنات لتسهيل مشاركتهم في العملية الانتخابية.

وبحسب المدني، فإن فهم التحولات التي عرفتها الحملات الانتخابية يقتضي الانتباه إلى هذا التداخل بين الأساليب الرقمية والميدانية، وعدم التعامل مع الانتقال إلى الفضاء الرقمي باعتباره قطيعة كاملة مع أدوات التعبئة السابقة، بل باعتباره تحولاً في وسائل الحشد والتأثير وتدبير المشاركة الانتخابية.

انقسامات تاريخية وحديثة تعيد تشكيل السلوك الانتخابي

وتوقف أستاذ القانون العام عند ما وصفه بالانقسامات المجتمعية الكبرى، معتبراً أن انتخابات شتنبر 2026 كشفت عن تصدعات وانقسامات داخل المجتمع المغربي، لم تقتصر آثارها على الحقل الحزبي، بل امتدت إلى سلوك الأحزاب السياسية واختيارات الناخبين.

وأوضح أن هذه الانقسامات تنقسم إلى صنفين رئيسيين؛ أولهما تاريخي يعود إلى مراحل سابقة من تشكل الدولة والمجتمع، لكنه لا يزال حاضراً في الحياة السياسية، وثانيهما حديث نسبياً، برز بفعل قضايا وتحولات مجتمعية جديدة.

وفي ما يتعلق بالانقسامات التاريخية، أشار المدني إلى الانقسام المرتبط بمرحلة الاستعمار ومسار بناء الدولة الوطنية، والذي تجسد في التمايز بين أحزاب الحركة الوطنية والأحزاب المنحدرة منها من جهة، والأحزاب الإدارية من جهة أخرى.

واعتبر أن هذا التمايز ظل مؤثراً في المشهد الانتخابي المغربي منذ الاستحقاقات التأسيسية، وإن اتخذ أشكالاً مختلفة مع تطور الحياة السياسية والحزبية.

كما استحضر الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، الذي تعود جذوره إلى بروز الحركة الشيوعية بالمغرب، ثم ظهور الاتحاد الوطني للقوات الشعبية واليسار الجديد، مؤكداً أن هذا التمايز ظل بدوره أحد المداخل الأساسية لفهم الخريطة السياسية والانتخابية بالمملكة.

أما بخصوص الانقسامات الحديثة، فقد توقف عند الجدل الذي برز سنة 2000 بشأن مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، والذي كشف، بحسبه، عن وجود معسكرين متقابلين؛ أولهما حداثي دافع عن الخطة باعتبارها سياسة عمومية ضرورية لتنفيذ الالتزامات الدولية للمغرب في مجال مكافحة التمييز ضد المرأة، ولاسيما اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وثانيهما تيار إسلامي اعتبر أن مضامين الخطة تشكل تهديداً للمجتمع والأسرة.

وأكد أن هذا الانقسام لم ينته بانتهاء الجدل الذي رافق الخطة، وإنما استمر حضوره بأشكال مختلفة داخل الساحة السياسية والانتخابية.

وأضاف أن الانقسام المرتبط باتفاقية التطبيع يمثل بدوره أحد التصدعات المجتمعية الحديثة التي برز تأثيرها بشكل أوضح خلال الانتخابات الأخيرة، موضحاً أن هذه القضية لم يكن لها، وفق تقديره، تأثير انتخابي يذكر خلال انتخابات 2021، لكنها أصبحت أكثر حضوراً في استحقاقات 2026.

وأشار إلى أن هذا الانقسام يعكس وجود موقف رسمي مؤيد للتطبيع انطلاقاً من اعتبارات جيوستراتيجية، ونخب تدافع عن هذا التوجه، مقابل منظمات وأحزاب سياسية تعارضه، معتبراً أن هذا التباين ظهر بوضوح خلال الحملة الانتخابية وانعكس على النتائج وسلوك الناخبين.

الأصالة والمعاصرة وحزب الحاشية.. قنوات متشابكة بين الملكية والانتخابات

من جهة ثانية، تناول المدني مفهوم “حزب الحاشية” (Court Party)، مستحضراً جذوره في التاريخ السياسي الإنجليزي، حيث ارتبط بتنظيمات سياسية كانت تدافع عن الملكية واختصاصاتها، في مواجهة التنظيمات التي كانت تطالب بتوسيع سلطات البرلمان والجهات.

وأوضح أن هذا النموذج من الأحزاب يستند أساساً إلى شخصيات تستمد جزءاً من قوتها السياسية من قربها من الملك، مشيراً إلى أن هذا المفهوم يسمح بتتبع تطور أشكال العلاقة بين السلطة الملكية والتنظيمات الحزبية، وكيفية تحولها تبعاً للظروف والتحولات السياسية.

وفي هذا السياق، ربط المدني مفهوم “حزب الحاشية” بحزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن استحضار هذا المفهوم يتيح تجاوز التحليلات القائمة على الفصل الثنائي بين الدولة والأحزاب، أو بين الملكية والتنظيمات الحزبية، أو بين الملكية والانتخابات.

وأوضح أن الأمر لا يتعلق، وفق هذا المنظور، بعلاقات منفصلة، وإنما بوجود قنوات وممرات للتواصل والتأثير والتشابك بين المؤسسة الملكية والنسق الحزبي من جهة، وبين المؤسسة الملكية والعملية الانتخابية من جهة أخرى.

وخلص المدني إلى أن الإشكال الذي يطرحه مفهوم حزب الحاشية، سواء في التجربة البريطانية أو المغربية، يتمثل في كيفية التوفيق بين مبدأ سيادة الشعب والسيادة الملكية، مستحضراً في هذا الصدد طرح المفكر السياسي كارل شميت بشأن ما سماه “التوافق المتماثل” (Le compromis bilatéral).

وأوضح أن هذا التصور يحيل إلى محاولة الجمع بين سيادة ملكية كاملة وسيادة شعبية كاملة داخل النظام السياسي نفسه، معتبراً أن النقاشات التي رافقت تشكيل الحكومة، وما ارتبط بها من نقاش حول التعيين والتنصيب، تعكس محاولات لإيجاد صيغة للتوفيق بين هذين المبدأين.

وأكد أن هذه الصيغة تظل، بحسب قراءته، حلاً مؤقتاً لمعضلة سياسية ودستورية تتعلق بتحديد مصدر السلطة وحدودها، بين الاحتكام إلى السلطة الملكية من جهة، والاحتكام إلى سيادة الشعب من جهة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *