منتدى العمق

فريد الأنصاري… الرجل الذي علّمني أن للروح أسفارًا

فريد الأنصاري… الرجل الذي علّمني أن للروح أسفارًا

ما كنت أظن، وأنا أحمل حقيبتي الصغيرة مغادرًا بلدتي تنجداد نحو مكناسة الزيتون، أنني مقبل على سفر آخر غير ذلك الذي تقطعه الحافلات بين المدن، ولا أن وراء أسوار الجامعة رجلًا سيأخذ بيدي إلى عوالم لم أكن أعرف إليها سبيلًا، ويفتح في روحي نوافذ لم أكن أعلم أنها موصدة، ويتركني بعد رحيله أبحث عنه في الكلمات، وأقتفي أثره بين السطور، وأستعيد صوته كلما أظلمت عليّ بعض دروب الحياة.

كنت يومئذ فتى يافعًا، أحمل من الأحلام أكثر مما تحتمل حقيبتي، ومن الأسئلة أكثر مما تسعفني به أجوبة الكتب. جئت إلى مكناس أطلب العلم، وأبحث عن شيء آخر لم أكن أحسن تسميته. ولربما كانت تلك حال كل من يسافر في مقتبل العمر؛ يظن أنه يغادر مكانًا إلى مكان، وما يدري أنه إنما يغادر حالًا من نفسه إلى حال، وأن بعض الأسفار لا تقاس بما نقطع فيها من المسافات، وإنما بما ينكشف لنا خلالها من الحقائق، وما يتغير فينا من الأفكار والمشاعر.

وكان أول عهدي بفريد الأنصاري، رحمه الله، في الجامعة.

أذكر ذلك اليوم كأنما هو قطعة من الأمس لم تنل منها الأيام. كنت أعبر ساحة من ساحات كلية الآداب بمكناس، حين استوقفني مشهد مجموعة من الطلبة قد التفوا حول أستاذ، يسألونه ويناقشونه، وهو يصغي إليهم ويجيبهم في هدوء ووقار. اقتربت قليلًا، وألقيت السمع، فإذا بكلمات تخرج من فمه على غير ما ألفته من الكلام؛ كلمات لا تقف عند حدود العقول، وإنما تتجاوزها إلى القلوب، وكأن صاحبها لا يريد أن يعلم مستمعيه شيئًا فحسب، بل يريد أن يوقظ فيهم شيئًا.

سألت أحد الطلبة:

– من هذا الأستاذ؟

قال:

– هذا فريد الأنصاري، أستاذنا في الدراسات الإسلامية.

فريد الأنصاري!

لا أدري لم استقر الاسم في نفسي يومئذ على ذلك النحو العجيب، ولا كيف أمكن لتلك اللحظات القليلة أن تترك في داخلي أثرًا لم تستطع السنون محوه. غير أني أدركت فيما بعد أن بعض الناس لا يحتاجون إلى طول صحبة حتى يدخلوا قلوبنا؛ يكفي أن نلقاهم مرة واحدة، وأن نجد في كلماتهم ما كنا نفتقده في أنفسنا، حتى نشعر أن بيننا وبينهم معرفة قديمة، وأننا إنما التقينا بهم لنستأنف حديثًا بدأ قبل اللقاء!

كان الرجل بسيط الهيئة، جميل السمت، تعلو وجهه أمارات الجد، وتطل من عينيه نظرات نافذة، لا تخلو من لطف وحنان. لم يكن في مظهره ما يوحي بأنه حريص على أن يكون مختلفًا عن غيره، ولكنك ما إن تسمعه حتى تدرك أن وراء تلك البساطة عالمًا فسيحًا من العلم والتجربة والذوق، وأن الرجل قد جمع من خصال العالم والأديب والمربي ما قل أن يجتمع في إنسان واحد.

ومنذ ذلك اليوم بدأت حكايتي معه.

لم أكن من طلبته الذين يجلسون بين يديه في قاعات الدرس وحدها، وإنما كنت تلميذًا له في مدرسته الأوسع؛ مدرسة الكتاب والكلمة والمجلس والقدوة. كنت أبحث عن مؤلفاته، وأقتني ما استطعت منها، وأعود بها إلى غرفتي الصغيرة بحي الزيتون، فأقرأ حتى يتأخر الليل، ثم أعيد القراءة، وأقلب الأفكار في عقلي، وأستعيد العبارات في نفسي، كأنما أخشى أن يفوتني من معانيها شيء.

وما أكثر ما فاتني منها يومئذ!

فقد كنت أقرأ له في البداية قراءة الطالب المتشوق إلى المعرفة، ثم صرت أقرأ قراءة الباحث عن نفسه، ثم وجدتني بعد حين أقرأ قراءة من عثر على ضالته، فأخذ يضمها إلى صدره خشية أن تضيع منه مرة أخرى.

كانت كتبه تصنع في داخلي شيئًا لا أحسن وصفه. كلما فرغت من كتاب شعرت أنني لم أفرغ منه حقًا، وأن صفحاته وإن انتهت، فإن أسئلته لم تنته، وأن ما قرأته لم يعد حبيس الورق، بل صار جزءًا من تفكيري، ومن نظرتي إلى الإنسان والحياة والكون.

قرأت له في الفقه والأصول والمقاصد، وفي الدعوة والتربية والتزكية، وقرأت له في الأدب والشعر والرواية. وكان أعجب ما استوقفني في كتاباته تلك القدرة على الجمع بين عمق الفكرة وجمال العبارة، وبين صرامة العالم ورقة الأديب، وبين حرارة الوجدان ودقة البرهان.

كنت أقول في نفسي: أي رجل هذا الذي يستطيع أن يتحدث في أصول الفقه بلسان المحققين، ثم ينتقل إلى مناجاة الروح بلسان العاشقين، ثم يعود إلى معالجة قضايا الأمة بعقل المصلحين، دون أن يفقد في جميع ذلك وحدة شخصيته وصدق رسالته؟

ولعل الذي شدني إليه أكثر من غيره هو ذلك الحس الجمالي الذي كان يسري في كتاباته سريان الماء في الأغصان. فلم يكن الجمال عنده زخرفًا يضاف إلى الدين، ولا حلية تتزين بها العبارة، وإنما كان سبيلًا إلى إدراك أسرار التعبد، ومفتاحًا لفهم صلة الإنسان بخالقه، ومظهرًا من مظاهر التوحيد في النفس والكون والحياة.

كنت أقرأ له في “جمالية الدين” و”قناديل الصلاة”، فأجدني أمام عالم لا ينظر إلى العبادات من جهة أحكامها الظاهرة وحدها، وإنما ينفذ إلى أسرارها وما تتركه من آثار في الوجدان. فالوضوء عنده ليس مجرد غسل للأعضاء، والصلاة ليست حركات يؤديها الجسد، وإنما هما سفر للروح، واغتسال من أدران الحياة، وعودة إلى منابع الصفاء.

ولست أدري اليوم إلى أي حد أسهمت تلك القراءات المبكرة في توجيه اهتمامي إلى قضايا الجمال في التصور الإسلامي، ولكنني أعلم يقينًا أنها كانت من الروافد التي أيقظت في نفسي هذا الشغف، وفتحت لي أبوابًا من النظر لم أكن قد طرقتها من قبل.

ولذلك لم تكن علاقتي بفريد الأنصاري علاقة طالب بأستاذ فحسب، وإنما كانت، في جانب كبير منها، علاقة روح بكلمات وجدت فيها ما يروي ظمأها، وعقل بأفكار أيقظت فيه شهوة السؤال، وقلب بإنسان أحب فيه صدق التوجه قبل سعة العلم.

ثم جاءت مجالسه القرآنية، فكان لها في نفسي شأن آخر.

ما زلت أذكر تلك الأمسيات التي كنت أقصد فيها المسجد حيث يلقي دروسه، وأجلس بين جموع الناس أترقب قدومه. كان المسجد يمتلئ بالوافدين من مختلف الأعمار والمشارب، يجمعهم شوق إلى سماع الرجل، وإلى التزود من كلماته التي كانت تنزل على القلوب كما ينزل الغيث على الأرض الظمأى.

وكان إذا دخل المسجد، دخل في بساطة عجيبة، لا يسبقه تكلف ولا تحيط به مظاهر التعظيم، ثم يجلس فيبدأ حديثه، فإذا نحن أمام رجل آخر، كأنما أطلقت الكلمات من روحه طاقات كانت كامنة فيها، فتدفقت المعاني على لسانه صافية رقراقة.

لم يكن يتحدث عن القرآن حديث من يقف خارجه ليصفه، وإنما حديث من يعيش في ظلاله، ويتنفس من أنواره، ويستشعر أنه مخاطب بكلماته قبل أن يخاطب بها الناس.

كان يريد أن يردنا إلى القرآن، لا لنكثر من الحديث عنه فحسب، وإنما لنحيا به، ونزن به أفكارنا وأعمالنا، ونستمد منه معايير الإصلاح، ونبني على هديه الإنسان والعمران.

وما زالت ترن في أذني كلماته التي ختم بها أحد دروسه: “لا تحرير للأمة اليوم في معركة هذا العصر إلا بالقرآن”.

وكم كانت تلك الكلمات القليلة تختصر مشروعًا كبيرًا حمله الرجل في قلبه، وأنفق في سبيله علمه وعمره، حتى غدا القرآن محور تفكيره، ومصدر رؤيته، ومفتاح مشروعه الإصلاحي.

ولقد كان من جميل ما رأيته فيه أنه، على سعة علمه وعلو منزلته، لم يكن يستنكف عن قول “لا أدري”. أذكر أنه سئل مرة عن مسألة في أحد مجالسه، فأجاب بلسانه الدارج: “ما عرفتش، خاصني نمشي نراجع”.

وما أعظمها من كلمة حين تصدر عن عالم يعلم أن العلم أمانة، وأن الاعتراف بالجهل فيما لا يعلم المرء ضرب من العلم، وأن التواضع للحقيقة أشرف من التظاهر بامتلاكها!

ولم يكن تواضعه مقصورًا على مجالس العلم، بل كان خلقًا ظاهرًا في معاملته للناس، وفي قربه من طلبته ومحبيه. سمعت من أخبار بساطته وكرمه وحسن عشرته ما جعلني أدرك أن الرجل لم يكن يعلم الناس فضائل الأخلاق بلسانه وحده، وإنما كان يجسدها في حياته.

كان بيته مفتوحًا لطلبته وزواره، وكانت سيارته المتواضعة التي ألفها وألفته حديثًا طريفًا بين محبيه، حتى إنني سمعت أنها كانت تتعطل أحيانًا، فيستعين ببعض طلبته لدفعها حتى يشتغل محركها، فيفعلون ذلك وهم يضحكون، ويفعل هو مثلهم، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون طرفة من طرائف الصحبة الجميلة.

ولعمري إن العالم الذي يستطيع أن يضحك مع طلبته، وأن يجلس بينهم بلا تكلف، وأن يجعلهم يحبونه قبل أن يهابوه، قد بلغ من التربية مبلغًا لا تدركه كثرة المحاضرات ولا وفرة المؤلفات.

لكن أجمل ما بقي في ذاكرتي من علاقتي به موقف صغير في ظاهره، عظيم في أثره، ما زلت أستعيده كلما أمسكت بالقلم لأكتب.

كان ذلك عقب أحد دروسه القرآنية. انتظرت حتى فرغ من السلام على الناس، ثم تقدمت إليه، فعرفْته بنفسي، وحدثته عن حبي للقراءة والكتابة.

نظر إلي وسألني:

– هل تكتب؟

قلت:

– نعم.

قال:

– هل جربت كتابة رواية؟

قلت:

– لا.

فوضع يده على كتفي، وقال في بساطة وطمأنينة:

– توكل على الله واكتب رواية!

يا الله!

ما أقصر تلك العبارة، وما أطول السفر الذي فتحت لي بابه!

غادرت المسجد يومئذ وأنا أحمل كلماته في داخلي، وأتساءل: أيمكن أن أكتب رواية حقًا؟ ومن أين أبدأ؟ وماذا عساي أقول؟ وكيف أستطيع أن أحول ما يضطرب في نفسي من الأفكار والمشاعر إلى شخصيات وأحداث وكلمات؟

لم يكن يعلم، رحمه الله، أن تلك العبارة ستظل تلاحقني، وأن يده التي وضعها على كتفي لحظات ستبقى في ذاكرتي كأنها عهد ألزمت به نفسي، وأنني سأعود بعد أعوام لأكتب رواية يكون هو بطلها، وأجعل من سيرته سفرًا من أسفار الروح!

ولعل من أعجب ما في هذه الحكاية أن الرجل الذي دعاني إلى كتابة رواية لم يحدد لي موضوعها، ولم يقترح علي شخصياتها، ولم يرسم لي طريقها، وإنما ترك لي أن أكتشف ذلك بنفسي. ثم شاء الله أن يكون هو موضوعها، وأن تتحول علاقتي به إلى مادة للكتابة، وأن أجدني بعد رحيله أبحث في سيرته عن جواب لسؤال قديم: كيف استطاع هذا الرجل أن يجمع كل تلك الأنوار في قلب واحد؟

وما كنت حين شرعت في كتابة “أسفار الروح” أزعم أنني سأحيط بسيرته، أو أستقصي دقائق حياته، أو أبلغ من أسرار شخصيته ما لم يبلغه غيري، وإنما أردت أن أكتب شيئًا من أثره في نفسي، وأن أستعيد بعض اللحظات التي صنعت علاقتي به، وأن أمزج بين ما شهدته وما سمعته وما قرأته وما تخيلته، في عمل روائي يفتح للذاكرة أبوابها، ويمنح الشوق لسانًا يتكلم به.

فكم من حقيقة يعجز التقرير عن إظهار جمالها، وتستطيع الرواية أن تكشف من أسرارها ما لا تكشفه العبارة المباشرة!

وكم من رجل نعرف أخباره، ولا نعرف أثره في النفوس، حتى يجيء الأدب فيضيء لنا جانبًا من تلك العوالم الخفية!

غير أن الأيام لم تمهلنا طويلًا.

كان المرض قد أخذ من جسده مأخذًا شديدًا، وكنت أراه في بعض مجالسه وقد بدا عليه التعب، ومع ذلك لا يزال حريصًا على لقاء الناس، وتعليمهم، وبث الأمل في قلوبهم.

أذكر أنني حضرت له درسًا دخل فيه المسجد متثاقل الخطى، يعينه بعض الشباب على الوصول إلى كرسيه. وما إن رأيته على تلك الحال حتى انقبض قلبي، وشعرت أن شيئًا عزيزًا علينا يتألم أمام أعيننا، وأننا نقف عاجزين لا نملك إلا الدعاء.

كان جسده يضعف، ولكن صوته لم يفقد صدقه، وكانت أنفاسه تتعب، ولكن همته لم تفقد وجهتها.

ولقد كنت أعجب من رجل يشتد عليه المرض، ثم لا يجد في نفسه ما يشغله عن الكتابة والتأليف والتربية، كأنما كان يسابق الزمن ليودع في الأرض ما استطاع من البذور، قبل أن يحين موعد الرحيل.

ثم جاء يوم الجمعة، السادس من نونبر سنة 2009.

جاءنا الخبر الذي لم نكن نريد سماعه.

مات فريد الأنصاري!

لا أذكر اليوم ممن سمعت الخبر أول مرة، ولكني أذكر جيدًا ما أحدثه في نفسي. شعرت كأن نافذة كبيرة كانت مفتوحة على السماء قد أغلقت فجأة، وكأن مكناس التي عرفتها منذ قدومي إليها قد فقدت شيئًا من ضيائها.

كنت أعلم أنه مريض، وأن المرض قد أنهكه، ولكن المعرفة شيء، وتلقي خبر الفراق شيء آخر. فنحن كثيرًا ما نعرف أن من نحبهم راحلون، ثم نعيش كأنهم باقون إلى الأبد، حتى إذا جاء موعد الرحيل أدركنا أن قلوبنا لم تكن مستعدة له.

وفي يوم الأحد، الثامن من نونبر، كنت بين الجموع التي شيعته إلى مثواه الأخير بمقبرة سيدي بوعياد بحي الزيتون.

يا له من مشهد!

وجوه كثيرة، وعيون دامعة، وقلوب واجفة، وناس جاءوا من كل صوب ليودعوا رجلًا جمعهم على محبته، على اختلاف أعمارهم ومشاربهم ومنازلهم.

كنت أنظر إلى الجموع وأتساءل: أي سر أودعه الله في هذا الرجل حتى ملك كل هذه القلوب؟ وأي أثر تتركه الكلمة الصادقة في الناس حتى يجتمعوا بعد رحيل صاحبها كما كانوا يجتمعون في حياته؟

هناك، أمام قبره، أدركت أن بعض الرجال لا يرحلون حين يوارون التراب، وإنما تبدأ لهم حياة أخرى في ذاكرة الناس، وفيما تركوه من علم، وفيما غرسوه من خير.

لكنني أدركت أيضًا أن هذا المعنى، على جماله، لا يخفف دائمًا من ألم الفقد.

فقد كنت أريده بيننا، نسمع صوته، ونرى وجهه، ونختلف إليه في مجالسه، ونستزيد من علمه، ونسأله عما أشكل علينا. كنت أريد أن أحدثه عن الرواية التي دعاني إلى كتابتها، وأن أضع بين يديه بعض صفحاتها، وأن أسمع منه كلمة تشجيع أخرى.

ولكنه رحل قبل ذلك كله.

ومضت السنون.

تغيرت أشياء كثيرة في حياتي، وكبرت الأحلام، وتبدلت الهموم، وتفرقت بنا السبل، وبقي فريد الأنصاري حاضرًا في داخلي حضورًا عجيبًا.

كنت كلما عدت إلى كتبه شعرت أنني أعود إلى تلك الأيام الأولى في الجامعة، إلى ساحة الكلية، وإلى المسجد، وإلى غرفتي الصغيرة بحي الزيتون، وإلى ذلك الشاب الذي كان يحمل من الأسئلة أكثر مما يحمل من الأجوبة.

وكنت كلما قرأت له نصًا في الجمال، أو التربية، أو القرآن، أو الأدب، وجدتني أكتشف فيه شيئًا جديدًا لم أنتبه إليه من قبل. ولعل ذلك من علامات الكتابة الحية؛ أنها لا تمنحك كل أسرارها في القراءة الأولى، وإنما تكشف لك منها على قدر ما تنضج تجربتك، ويتسع فهمك، وتتعمق بصيرتك.

ثم وجدتني بعد سنوات أنخرط في جهود ترمي إلى خدمة تراثه العلمي والتعريف به، وأقترب أكثر من أسرته ومحبيه وتلامذته، وأستمع إلى شهادات من عرفوه وصحبوه، فتنكشف لي جوانب أخرى من شخصيته، وأزداد يقينًا أن الرجل كان أوسع من الصورة التي رسمتها له في بدايات معرفتي به.

وما أعجب أن نظل نتعرف إلى من نحب بعد رحيلهم!

كأن الموت يطوي صفحة من حياتهم، ثم يفتح لنا صفحات أخرى لم نكن نعلم بوجودها، وكأن الذين عاشوا للمعاني الكبيرة يتركون وراءهم من الأسرار ما يحتاج إلى أعمار أخرى لاستكشافه.

واليوم، وقد مضت سبعة عشر عامًا على رحيله، أعود إلى ذكراه فلا أجدني أكتب عن عالم من علماء المغرب فحسب، ولا عن أستاذ عرفته في الجامعة، ولا عن أديب قرأت كتبه وأعجبت بأسلوبه، وإنما أكتب عن رجل كان له نصيب من تشكيل وجداني، وتوجيه اهتماماتي، وإيقاظ حس الجمال في نفسي، وتشجيعي على اقتحام عالم الكتابة.

أكتب عنه وأنا أعلم أن الوفاء ليس أن نكثر من مدح الراحلين، ولا أن نجعلهم فوق النقد والمراجعة، وإنما أن نحفظ لهم ما كان لهم من فضل، وأن ننصف ما تركوه من علم، وأن نواصل التفكير في الأسئلة التي أثاروها، وأن نأخذ من تجاربهم ما يعيننا على خدمة الحق والخير والجمال.

ولست أزعم أنني وافقته في كل رأي، أو أنني بلغت من فهم مشروعه ما يجيز لي الحديث باسمه، وإنما حسبي أنني عرفته، وأحببته، وتعلمت منه، ووجدت في صحبته وكتاباته ما كان له أثر في مسيرتي.

وإن من أعظم ما تعلمته منه أن العلم إذا لم يثمر تواضعًا ورحمة وتزكية، فقد يفقد شيئًا من مقصوده، وأن الجمال ليس ترفًا في حياة المؤمن، وإنما هو من المعاني التي بها تستقيم نظرته إلى الكون والإنسان والحياة، وأن الكلمة الصادقة قد تعيش بعد صاحبها زمنًا طويلًا، وتفتح من أبواب الخير ما لم يكن يخطر له على بال.

وأنا اليوم كلما أمسكت بالقلم تذكرت ذلك اللقاء القصير عقب الدرس القرآني، وتذكرت يده على كتفي، وصوته يقول:

“توكل على الله واكتب رواية!”

فأبتسم، وأقول في نفسي:

ها أنا ذا يا سيدي ما زلت أكتب!

كتبت عنك، وكتبت بعدك، وما زلت أتعلم كيف أكتب، وكيف أجعل من الحرف سبيلًا إلى المعنى، ومن المعنى بابًا إلى الجمال، ومن الجمال طريقًا إلى الحق.

وما زلت كلما مررت بساحة من ساحات الجامعة، أو دخلت مسجدًا من مساجد مكناس التي شهدت مجالسك، أو فتحت كتابًا من كتبك، أشعر أن شيئًا من تلك الأيام يعود إلي، وأن الشاب الذي كنته لا يزال هناك، واقفًا بين الطلبة، يسأل أحدهم في شغف:

– من هذا الأستاذ؟

فيجيبه:

– هذا فريد الأنصاري!

فريد الأنصاري…

رحمك الله يا أبا أيوب.

لقد غادرتنا، ولكنك تركت في قلوبنا من الكلمات ما لم يغادر، وفي عقولنا من الأسئلة ما لم يخمد، وفي أرواحنا من الأشواق ما لم ينطفئ.

وما أحسب أنني كنت أعرف، يوم رأيتك أول مرة في الجامعة، أن لقاءً عابرًا سيصير حكاية عمر، وأن كلمة صغيرة ستصير رواية، وأن رجلًا واحدًا سيمنحني من أسباب المحبة والوفاء ما يجعلني أعود إلى ذكراه كلما عادت ذكرى رحيله.

ولعل أجمل ما في هذه الحكاية كلها أنني سافرت إلى مكناس أطلب العلم، فوجدت فيها أستاذًا علمني، من حيث أدري ولا أدري، أن للعلم روحًا، وللروح جمالًا، وللجمال أسفارًا لا تنتهي.

رحم الله فريد الأنصاري، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وجمعنا به في مستقر رحمته ودار رضوانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *