بروكسيل ذاك الزمن الجميل /7

خرجتُ مِن البيتِ ذاك الصباح باكِراً، ولم أكن الوحيد فالشارع يعجّ بالقاصدين مقرات عملهم قد أكون بينهم متأخِّراً، عن انسجامي بعادات مثل الشعب العامِل على خدمة وطنه مُفتخراً، مادام الأمر متعلق بمضاعفة إنتاج الناتج القوي يتطلَّب ما لم أكن له مِن قبل ناظِراً، أقارن ما تركتُه من حيث أتيتُ والماثل حولي والكل فيه متحرك بانتظام مثالي سائِراً، صوبَ هدفٍ يشغِلُه عن كَسَلٍ وَجَدَ في بعض البلاد مُستقَراً، فَحوَّلها لِمِلْكِيَةِ قِلَّةٍ بَرعَت فيما جَعَلَ الفساد خلال مرحلة حُكمها منتَشِراً، يكفِي تتبُّع أي كان “هُنا” لِتَلَقِّي درساً يغني عن قراءة عشرات المؤلمات حول كيفية بناء دولة لها نِعْمَ المستقبل ناصِراً، على كل تَخَلُّفٍ صُنَّاعُهُ أصناف بشر سكتوا على الناهبين لمقومات شعب ليظلَّ مقامهم عامِراً، بما لذَّ وطاب وَسَطَ فضاء مِن المادين أيديهم لالتقاط رغيف جاف نتيجة الرضوخِ قَهْراً، لاتخاذ مثل التعامل المشين والظلم الأسود مَصيراً، والناس خُلِقُوا للتعمير المشروط بانضباط التوصُّل بحقوقهم كاملة كالواقع “هنا” في المملكة البلجيكية دليله حاضراً. الفرق شاسع والبون ساطع بين الراغبين في العيش الكريم والطموح السليم وذاك المفرِط في الانتظار بين مسالك المطالبة بالحق المشروع حائِراً، تجاه ليل طال وتعنت على الأكثرية مال من لدن المُتوَلِّي مدبِّراً، لشأن خاص على حساب العائد للعام محاصيل زرع كانت او عائدات أثمن المعادن بعرق المغلوبين على أمرهم استُخرِجت أو المُشيدة من أفخم العمارات وأكثرها سِحراً.

انتهيتُ في تجوالي الطويل إلي الشارع الذي ارتَبَطَ أساساً بتغيير مجرَى حياتي، حيث بدأتُ فيه مرحلة تكويني النظري في مجال الصحافة المكتوبة، على أساس علمي مقروناً بالتطبيق على بساط الواقع خطوة خطوة، ويتعلق الأمر بشارع “بِرْسِيلْ” ومعه الممر الحامل نفس الاسم، الذي شكَّل محور هيكلة معمارية جديدة، بإعطائه طابع الحداثة الرّافٍع مِن مقامِ العاصمة بروكسيل إلى مظاهِرِ العصر، إلْحاقاً بالتقدُّم والتَطوُّرِ الشاملان مجالات العمران، بصفة مازجةٍ الجديد بأصالة أمكنة لها بصمات شهيرة في إثراء التاريخ الحضاري للمملكة البلجيكية، بما يضيف على الحَسَنِ الأحْسَن، المواكب لجيل يريد إتمام ما تركته الأجيال السابقة من انجازات، لتأكيد استمرارية خدمة هذه المدينة المحبوبة من طرف الأوربيين لسبب سنأتي على ذكره بالتتابع إن شاء العلي القدير، فبالإضافة إلي تجديد المبنى الضخم للصندوق العام للإضخار والتقاعد ( DGER)، هناك عمليات شتى لضمان توسيع وتنسيق ما بين المباني الخاصة وباقي الأملاك العمومية، منها البناية التي مكنتني من التخطيط لنفسي في تلك المدينة وللمستقبل المنشود، لأكون ما أنا عليه حتى الآن محترفاً الصحافة، مُلزماً بإتباع تقنياتها عبر التحولات التكنولوجية، التي جعلت منها ألان عميدة الاعتمادات الحاكمة على تقدُّم الأمم، وتقريب بعضها لبعض وكأن الدنيا دولة واحدة، تظم الملايير البشرية الناطقة بالآف اللغات، تلتقي جلها على مخَلَّفات المعلومة، مهما كانت تخصّ الحياة في أدق أسرارها، أو محاولة استكشاف معالم الآتي، بتعاون ما تحقَّق وما يتحقَّق ساعة حاضرة بأخرى لا زالت في طيِّ الغيب، المقصود بالبناية مفر ” وكالة وتوزيع الصحافة”(AGENCE ET MESSAGERIES DE LA PRESSE / AMP ) العائد تاريخ تأسيسها الى السنة 1885 الميلادية من طرف “لويس برتراند”. وأقف مقابل واجهتها الرئيسية لأقرأ إعلانا عن احتياج الوكالة لموظفين جدد، دون أدنى تفكير وجدتُ نفسي أمام المكلفة باستقبالي حينما أُشْعِرَت بالأمر من طرف أحد حراس مدخل مكتب الإدارة، تطلب مني الإجابة على بعض الأسئلة تتعلق بجنسيتي ومستواي الدراسي واللغات التي اتقتها نُطقاُ وكتابة، بعدها مدتني بكتاب مفتوحاً على صفحة معية راغبة أن أقرأ وبصوت عالي ما جاء مكتوبا فيها ُ، ثم أوقفتني مقدمة لي قلماً وورقة حتى أكتب مسودة طلب العمل ضمن موظفي الوكالة، وأخيرا ضغطت على زر الجرس وما هي إلا ثواني حتى جاء شخص وأمرته بإحضار الآنسة “ماري”، وبإطلالتها عرفتها بشخصي راغبة مصاحبتي لمقر عملي كزميل لها، في جناح المكتبة الفرنسية، واطلاعي على تقنيات المهام التي سأتكلف بانجازها، ابتداءً من الغد انطلاقا من الثامنة صباحا، نهضتُ لأسير خلف “ماري” معلمتي في تلك البداية السعيدة بالنسبة لي، لأقفَ خلال ساعة كاملة على كيفية أداء العمل ذي الوجه الأكمل، والخطوات الواجب عليَّ قطعها قائماً بواجبي، وأنها حسب كلامها سترافقني في الموضوع لمدة اسبوع كامل، بعدها سأتدبَّر المسؤولية بمفردي. ترى هل سأنجح؟.(يتبع)
اترك تعليقاً