اللّغة ومعايير ضبط الأحلام

هل ينبغي للمتكلّم أن يكون فصيحاً؟
ربّما يبدو السؤال مستهجناً، أو بدهيّة إجابته: بنعم.
ما نريد إبرازه هنا هو دور اللغة؛ التي تعاظمت الآراء على اعتبارها كذلك، ربّما وجدنا في بعض تساؤلاتنا مدخلا لحديثنا، هذه التساؤلات لا تنطلق من فكرة صاحب المعيار في تحديد ما يعدّ فصيحا من غيره، بل في أصل الحاجة إلى وجود هذا المعيار.
أصل الحاجة هذا؛ قد يجد طريقاً غير الإهتمام باللغة، نعتقد أنّ الحاجة إلى إثبات تفوٌّق ما؛ قادت إلى ” تأطير حدود النطق ” إلى الحد الذي يسلب أناساً مكانَةً ما؛ في حين يمنحها لغيرهم، هذه الحاجة لم تكن وليدة إحساس التفوّق في نظرنا؛ الذي أراد واضعوه إثبات تميّزهم عن غيرهم، وفقاً للحقّ الطبيعي للإنسان في حماية هذا التميّز ضد النيل منه، أو دخول الغرباء عنه إليه وتمتّعهم بمزاياه.
لقد كانت حاجة ” تأطير” كهذا؛ يبلغ فيها ” مالك المعايير ” رتبةً لا يمكنه بلوغها بالعمل، نعم أراد هؤلاء ” عديمو الإنتاج ” أن يستولو على ” مساحة الأهميّة ” التي سبقهم إليها أولئك ” المنتجون ” بغض النظر عن طبيعة هذا الانتاج، المنتجون لم يسبقوا هؤلاء فقط، بل أضافوا حظراً عليهم بأن لا يلحقوا بهم؛ على اعتبار أنّ اللحاق يعني كلفةً لا يمكن ” للقاعدين ” هؤلاء دفعها، لم يعد المطلوب منهم فعل ما يفعل ” المنتجون ” فهو لم يعد ذو معنى، بل بات لزاماً عليهم كي ” يحوزوا ” ما يتمنّون أن يزيدوا فوق انتاج المنتجين، وهو ما يستحيل لهم.
وفقاً لنظريّتنا: فإنّ الإغراق الذي ترونه في معظم ميادين الثقافة المعروفة ووسائل نقلها وانتشارها لم يكن حقيقيّا في زمانه، فإذا قلنا أنّ أناسا عاشوا قبل ألاف السنين وقاسوا ما قاسوه من ألمِ الصحراءِ، بردِها، حرِّها، قلّة المؤونة، غلبة القهر، بدائيّة وسائل العيش… الخ. لا منازل، لا ماء، لا كهرباء، لا سيارات، لا تلفاز، لا هواتف، لا دولة ولا سلطة، لا وظيفة، لا مدارس، لا كتابة بالمعنى الذي هي عليه اليوم ولا أوراق وأقلام، لا خصوصيّة…. كان كلّ شيء مكشوفا للآخرين، بمعنى: انعدام فروقاتٍ تذكر بين أغلب الناس، فهل كان هؤلاء يجهلون مشقّة سبل عيشهم، تأمين قوتهم، وحمايتهم من الغزو، و ينشغلون بأي بالفرق بين العبارتين ” ذينيك و أولئك ” أو أيّهما أصّح ” ذانك و ذينك ” مثلاً.
إذا افترضنا صحّة اشتراك كلّ الناس في اللغة الفصحى التي نعرفها اليوم؛ فكيف إذا كان التميّز بين بلاد وأخرى في النطق؟
حتماً لم تكن كلّها تتحدّث بذات الطريقة؛ وإلا لما تمايز أهل بلد عن غيرها، والمعروف أنّ لغّة الناس اليوم هي تطوّرٌ صنَعَهُ امتداد السنين في أصول كلّ منها لا في أصل واحد.
يدفعنا هذا إلى الحديث عن بعض مأثورات الأدب، سنخصّ هنا معلقات الشعر الجاهليّة وما في صفّها من قصائد مديح السلاطين والحكام.
نحن نعتقد أن ابتعاد زمان تدوين هذه القطع عن زمان إنشائها؛ يتيح مجالاً للتساؤل حول صحّة وجودها منسوبة لأصحابها؟
كما يتيح لنا التساؤل حول صيغتها المعروفة حين مقارنتها بصيغتها الأصليّة، فيما لو افترضنا أنّها قيلت في ذلك الزمان حقّا؟
ألا يبدو صوغها في تعقيد كهذا متناغماً مع فكرتنا عن ” تأطير معايير الفصحى ” في إطار سعي الساعي لتثبيت مرتبة سامية، سيّما مع عدم اهتمام الناس في معظمهم إثبات بساطة هذه القطع؛ من خلال الإنشغال بصياغة مثيلاتها وترك عيشهم.
يمكننا تركيز تساؤلاتنا حول أهميّة لغة هذه القطع الأدبيّة في ظل بيئة يُفترض أنّها تتحدّث بلغتها وفقا لطبيعتها، إذا ما الذي يميّز كلماتها ومحامل معانيها طالما كانت مستهلَكةً في سوق العامّة؛ وفقا لافتراض أنّ الفصحى كانت لغة الجميع.
لقد امتدّت ” شهوة الحضور بالرتبة ” هذه الى عصرنا الحاضر، فإذا أردنا أن نضرب مثالاً وجدنا ضالتنا فيما نشاهده على شاشة التلفاز من مسلسلاتٍ تعرض قصّةً تاريخيّةً؛ وهي تلتزم إشاعة ضبط معايير ” التأطير اللفظي ” على كلّ أفراد القصّة، بل وحتى أصحاب تلك الأدوار الهامشيّة، فهل كان هؤلاء قديما يتحدّثون بذات النغمةِ والمصفوفةِ؛ في وقتٍ تكرّسُ فيه القصّة التفاوت الكبير بينهم من حيث المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي بل وحتى الشكلي، الأمر لا يقتصر على التزامهم جميعاً هذه المعايير بل ما يظهر في أعمال شاشات التلفاز وغيرها؛ كالمسرح مثلاً: أنّ هؤلاء يلتزمون صرامة هذه القيود اللسانيّة حتى في أشدّ حالات الغضب، الدهشة، الفرحة والمفاجاة، وفي كل الأوقات والأماكن، وهو أمر تُنكره الطبيعة.
لا يدعنا هذا نختتم حديثنا قبل النظر من جهة أخرى؛ تُستعمل فيها اللغة الفصحى في وقتنا هذا من أجل إثارة السخرية في مشاهد الكوميديا على امتداد أنواعها وأهدافها، وهي توصل رسالتها ” بالصعقة الإرتداديّة ” بين المهيب وفقاً للراسخ من العقيدة في الأذهان؛ برغم ما قُلناه، وبين ما يريد صاحب الرسالة إيصاله، بطريقةٍ يتهرّبُ فيها من مجابهة الخوف الحاضر، قد يكون من سلطة، مجتمع، أصدقاء وأحبّة… الخ..
هذا وغيره؛ يسمح لنا بتسليط الضوء على حقيقة الشخصيّات والأحداث التاريخيّة، وفكرة البطولات ذاتها، فضلاً عن تفاصيلها، ومعها قصص الجاذبيّة، الجمال، البطولة، الكرم، الشجاعة، القوّة، الزهد، الإلتفاف حول شخص ما، الرضا بحكم ما.. الخ.
بعد هذه الشكوك كلّها نجيب باختصارٍ على سؤالنا: هل ينبغي للمتكلّم أن يكون فصيحاً؟
لا ينبغي للمتكلّم أن يكون فصيحاً، يجب عليه أن يكون قد أنتج فعلاً ما قال، بمعنى أنّه قادر على أن يتحدّث عن إنجاز حقّقه فعلاً، الإنجاز هنا يعني أنّه تجاوز ما صنَعَهُ غيره لا أن يتوقّف عنده، دون الإستعانة في تقييم هذا المنجز ومعه مُنجز الغير بمجاراة قصص الخيال.
اترك تعليقاً