نواب يشتكون تعقيدات البناء بالقرى: “الناس بغات غير تستر”.. وقانون الدار البيضاء لا يصلح لزاكورة

دعا نواب من الأغلبية والمعارضة، وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، إلى مراجعة وتبسيط مساطر البناء والتعمير في العالم القروي، مع اعتماد مقاربة تشريعية وإدارية تراعي خصوصيات المناطق الجبلية والواحية والدواوير غير المشمولة بوثائق التعمير، محذرين من أن تعقيد الإجراءات الحالية يحرم مواطنين من بناء مساكن تأويهم، بل ويعرقل حتى إصلاح منازلهم البسيطة استعدادا لفصل الشتاء.
وخلال مناقشة الميزانية الفرعية لوزارة الداخلية برسم سنة 2027، مساء الخميس، بلجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، نبهت مريم وحساة، البرلمانية عن فريق التقدم والاشتراكية، إلى أن بعض المساطر الإدارية، التي قد تبدو بسيطة من الناحية القانونية، تتحول إلى عوائق حقيقية أمام المواطنين في المناطق القروية والجبلية، خصوصا ذوي الإمكانيات المحدودة الذين يجدون صعوبة في توفير تكاليف بناء مساكنهم أو ترميمها.
وأوضحت وحساة أن البرنامج الحكومي تضمن التوجه نحو إعداد قانون خاص بالبناء في العالم القروي، غير أن الإشكالات القائمة تستدعي، في انتظار ذلك، اعتماد قدر أكبر من المرونة، خاصة فيما يتعلق بالرخص الجزئية والاستثناءات بالمناطق غير المشمولة بوثائق التعمير.
واستحضرت البرلمانية أوضاع أسر لا تستطيع ماديا سوى بناء طابق واحد لإيوائها، قائلة بالدارجة: “الناس راكم عارفين كتكون الوضعية ديالهم ضعيفة، يلاه كيتقاتل أنه يبني ديك الطبقة باش يمشي يسكن فيها”، داعية إلى مراعاة هذه الظروف الاجتماعية وعدم إخضاع المواطنين لمساطر لا تتناسب مع إمكانياتهم وحاجياتهم السكنية.
ولم تقتصر ملاحظات وحساة على تعقيدات الحصول على رخص البناء، بل امتدت إلى منع سكان القرى والجبال من القيام بإصلاحات بسيطة لمنازلهم التقليدية المبنية بالتراب والحجارة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، حين يضطرون إلى تجديد الطبقات الترابية والأغطية الواقية من الأمطار لتفادي تسرب المياه إلى داخل مساكنهم.
وقالت في هذا السياق: “حاليا كيتمنعوا، تيقولوا له خصك تمشي دير رخصة البناء، في حين هو راه ساكن غير في التابوت، غا الحجر والميكا باش أنه غير ما تكونش عندو القطرة في فصل الشتاء”، معتبرة أن مطالبة هؤلاء السكان برخص البناء من أجل إصلاحات وقائية بسيطة تعكس الحاجة إلى مرونة أكبر في تطبيق المساطر، بالنظر إلى طبيعة مساكنهم والظروف المناخية والاجتماعية التي يعيشون فيها.
من جهته، دعا الحسين أوعلال، البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، إلى اعتماد قانون خاص بالبناء في العالم القروي، بدل إخضاع الدواوير والمناطق الواحية للمساطر نفسها المطبقة في الحواضر الكبرى، مستحضرا الصعوبات التي يواجهها سكان جهة درعة تافيلالت في الحصول على تراخيص البناء، رغم أن عددا منهم لا يتوفرون على مساكن إلى حدود اليوم.
وتساءل أوعلال عن جدوى تطبيق القواعد نفسها على مناطق تختلف جذريا من حيث طبيعتها العمرانية والاجتماعية، قائلا: “علاش ما نديروش جوج قوانين، قانون ديال الحواضر بحال الدار البيضاء والرباط وطنجة، وقانون خاص بالمناطق ديالنا بحال زاكورة والرشيدية؟”.
وشدد البرلماني على ضرورة مراجعة المساطر الإدارية المعقدة، خصوصا في الدواوير غير المغطاة بوثائق التعمير، داعيا إلى تقليص المدة الفاصلة بين إيداع الملفات من طرف المهندسين المعماريين وبرمجتها للدراسة، إلى جانب الرفع من عدد الملفات المعروضة على اللجان المختصة، بما يسرع البت في طلبات المواطنين.
كما طالب بالإسراع في إعداد وثائق التعمير الخاصة بالدواوير المجمعة التي تعرف ضغطا عمرانيا متزايدا، حتى تتمكن من تجاوز الإشكالات القانونية والتقنية التي تحول دون حصول سكانها على رخص البناء.
وفي ما يتعلق بالأراضي السلالية، التي تشكل أحد أبرز الإكراهات أمام البناء في عدد من مناطق الجنوب الشرقي، دعا أوعلال وزير الداخلية إلى التدخل لتبسيط المساطر المرتبطة بالحصول على الوثائق الإدارية اللازمة لاستغلال هذه الأراضي واستكمال ملفات طلبات الترخيص بالبناء.
واقترح في هذا الصدد توجيه الولاة والعمال إلى عقد اجتماعات مجالس الوصاية الإقليمية بشكل أسبوعي، عوض ترك طلبات المواطنين معلقة لشهرين أو ثلاثة أشهر قبل البت فيها، موضحا أن طول فترات الانتظار يزيد من تعقيد وضعيات الأسر الراغبة في تسوية ملفاتها.
وقال أوعلال: “الناس كيحطو الملف ديالهم فالعمالة، وكيتسناو شهرين وثلاثة أشهر باش يتعقد مجلس الوصاية ويعطيهم الموافقة ولا ما يعطيهمش”، داعيا إلى تسريع انعقاد هذه المجالس حتى لا تتحول الإجراءات المرتبطة بالأراضي السلالية إلى عائق إضافي أمام الحق في السكن والبناء.
كما دعا إلى تحيين لوائح ذوي الحقوق في الأراضي السلالية كل سنتين بدل خمس سنوات، لمواكبة التغييرات التي تطرأ على وضعيات المعنيين، وتعزيز الشفافية والثقة في تحديد المستفيدين.
من جانبه، دعا محمد قاشا، البرلماني عن الفريق النيابي للتقدم والاشتراكية، وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، إلى تسريع إخراج قانون خاص بالجبل والمناطق الواحية، يستحضر الخصوصيات المجالية والعقارية والاجتماعية لهذه المناطق، ويضع حلولا واقعية للصعوبات التي تواجه السكان في الحصول على تراخيص البناء وتسوية وضعياتهم العقارية.
وأوضح قاشا، أن مساطر الحصول على تراخيص البناء في الوسط القروي أصبحت تشكل، في عدد من الحالات، عائقا حقيقيا أمام حق المواطنين في السكن والاستقرار، كما تؤثر سلبا على جاذبية المجال القروي، معتبرا أن هذه الإشكالات تستدعي مقاربة تشريعية تراعي خصوصيات المناطق الجبلية والواحية، بدل إخضاعها لمساطر لا تستحضر طبيعة المجال والإكراهات التي تواجه ساكنته، ملتمسا من وزير الداخلية العمل على إخراج قانون خاص بهذه المناطق إلى حيز الوجود.
وفي السياق ذاته، أثار قاشا إشكالية الوضعية العقارية بعدد من أقاليم المملكة، ومن بينها إقليم تنغير، حيث تندرج نسبة مهمة من الأراضي ضمن أراضي الجماعات السلالية، وهو ما يجعل الساكنة تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على الملكية العقارية، رغم استغلال هذه الأراضي وتوارثها عبر أجيال متعاقبة ولمئات السنين.
وقال إن “من غير المعقول أن تستمر ساكنة في استغلال أراض توارثتها عن أجدادها لعقود وقرون، دون أن تتمكن من تسوية وضعيتها القانونية والعقارية”، مشيرا إلى أن استمرار هذه الوضعية يحرم المواطنين من فرص الاستفادة من عدد من برامج الدولة، سواء المتعلقة بالدعم المخصص للسكن أو ببرامج تشجيع الاستثمار.
وطالب المتحدث وزير الداخلية بدراسة إمكانية معالجة إشكالية الأراضي الواقعة داخل نطاق التحديد الإداري، وإيجاد الصيغ القانونية والمؤسساتية الكفيلة بإخراج العقارات المستوفية للشروط القانونية من هذا النطاق، وتمكين ذوي الحقوق والساكنة المعنية من تسوية وضعياتهم العقارية، بما يتيح لهم تملك الأراضي وتحفيظها والاستفادة منها بشكل قانوني.
اترك تعليقاً