وجهة نظر

بوصلة الوعي والسيادة الوطنية: بين ثوابت الانتماء، فقه الأولويات، وسقوط الخلط المنهجي

رقيق ميلود

من أرض مراكش الحمراء الغالية، حاضرة التاريخ والشموخ التي تتنفس عبق الأمجاد وتستلهم دروس البصيرة من عمق التاريخ المغربي العريق، نطل اليوم على مشهد وطني متفرد ونحن نخلد ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة، تلك الملحمة العبقرية لم تكن مجرد حدث عابر لاسترجاع أراضٍ مستلبة من براثن الاستعمار، بل كانت إعلانا تاريخيا لميلاد هندسة مغربية فريدة من نوعها في صنع التاريخ السلمي، وصون السيادة الوطنية بحكمة وتبصر، وتدبير الأزمات الكبرى بروح التضامن والتلاحم بين العرش العلوي المجيد والشعب الأبي.

إننا نحتشد اليوم لنقارب قضيتنا الوطنية الأولى – الصحراء المغربية – لا فقط من زاوية الدفاع المستميت أو رد الفعل الظرفي، بل من منظور التحليل الاستراتيجي الشامل لمسارنا الوطني، وتكاملنا المؤسساتي، وأفقنا الإقليمي والدولي الذي يخطه بحكمة متبصرة قائد البلاد، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

وفي هذا السياق، تبرز بحدة ملحة أسئلة الجبهة الداخلية، ودور المجتمع المدني، وضرورة ضبط بوصلة النضال المدني والوطني بما يخدم المصلحة العليا للمملكة، بعيداً عن كل أشكال التشتت أو الخلط المنهجي.

أولا: مبادرة الحكم الذاتي.. الهندسة الملكية التي غيرت قواعد اللعبة الجيوسياسية

لقد أحدثت الرؤية الملكية السامية، منذ طرح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، “انقلابا مفاهيميا واستراتيجيا” غير مسبوق في الدبلوماسية العالمية، إذ لم يعد هذا المقترح الجاد ذو المصداقية مجرد ورقة تفاوضية عابرة في كواليس الأمم المتحدة، بل تحول بالتدريج إلى فلتر وجودي ومعيار أخلاقي وسياسي حاسم يختبر صدقية ونزاهة أي شراكة استراتيجية أو دبلوماسية مع المغرب.

لقد استطاع جلالة الملك بحنكته المعهودة أن ينقل الصراع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية من خانة الاستنزاف الدبلوماسي والمراوغات العقيمة، إلى خانة “فرض الأمر الواقع التنموي والسيادي الجبّار”.

وبفضل هذه المقاربة الرائدة، أصبحت سيادة المغرب على صحرائه قاعدة صلبة لا تقبل المساومة، والحل الأوحد والأكثر واقعية ومصداقية لدى المنتظم الدولي ومجلس الأمن، مما عزز مكانة المملكة كقوة إقليمية وازنة ومستقرة تصنع الاستقرار ولا تتلقاه.

ثانيا: ثالوث الحزم والسيادة.. التكامل العضوي لمؤسسات الدولة

إننا نقف اليوم أمام مشهد وطني متكامل الأركان، يتجسد في تقاطع تاريخي وغير مسبوق لثلاث محطات كبرى تشكل درعا منيعا للسيادة المغربية:

1. القرارات الأممية الحازمة: التي واصلت تكريس عزلة الأطروحات الانفصالية المتهاوية، مؤكدة سمو وصدارة المبادرة المغربية للحكم الذاتي كإطار أُحادي واقعي للحل.

2. بلاغ الديوان الملكي: بوصلة اليقظة والسيادة، الذي يعكس الثبات الملكي الراسخ في حماية المصالح العليا للوطن والتصدي الحازم لأي مناورات تستهدف استقرار البلاد.

3. اللقاء التاريخي لمجلسي البرلمان (النواب والمستشارين): حين التأم ممثلو الأمة في صف واحد، مشكلين حصنا منيعا حول الثوابت المقدسة والعرش العلوي المجيد، ومؤكدين للجميع أن الجبهة الداخلية المغربية هي صخرة صلبة تحطمت وتحطمت عليها كل المناورات الدنيئة.

ثالثا: المجتمع المدني وبوصلة السيادة.. نقد الخلط المنهجي وفقه الأولويات

وإذا كانت مؤسسات الدولة تقف في خط الدفاع الأول عن المصالح العليا للوطن، فإن الرهان الأكبر يقع على عاتق الفاعلين في حقل المجتمع المدني والعمل النضالي والتطوعي،وهنا يبرز بإلحاح شديد مبدأ أساسي لا يمكن الحياد عنه: ” إن السيادة ومصالح المملكة هما الأساسان اللذان يجب أن تبنى عليهما كافة برامج ومسارات العمل النضالي المدني”.

ومع الأسف الشديد، نلاحظ أحيانا أن هناك فئة معينة تسقط في فخ الخلط المنهجي والارتباك القيمي؛ إذ تخلط بين أمور الوطن الجوهرية وبين قضايا الأوطان الأخرى، وتبدو غير آبهة بأن الوطن الأم له أدواره الكبرى، ويستحق منا نضالا يوما تلو الآخر، وتفانيا لا ينقطع للذود عن استقراره ووحدته.

إن الانشغال المفرط بقضايا خارجية على حساب الأولوية المطلقة للتراب الوطني والسيادة والعمق الاستراتيجي للمملكة يعكس قصورا في الوعي المدني والوطني.

وحين نتحدث عن هذا الأمر، فإننا نستحضر بوضوح تام “قضية فلسطين”؛ تلك القضية التي هي قضية كل المغاربة قاطبة، قيادة وشعبا وحكومة ومجتمعا مدنيا، ولا أحد يخالف الرأي في مركزيتها وعدالتها، لكن، من باب الموضوعية والواقعية، فإن أغلبية الفلسطينيين أنفسهم يرون أن قضيتهم الوطنية وتقرير مصيرهم وسيادتهم على أرضهم هي ذات أهمية كبرى وأسبقية مطلقة قبل أي قضية أخرى من قضايا الأمم أو الشعوب الأخرى.

فالفلسطينيون يدركون أن البيت الداخلي أولا، وأن الدفاع عن الوطن الأم هو المنطلق الأساسي لأي تضامن حقيقي،ومن هذا المنطلق، يجب على كل فاعل مدني مغربي أن يستوعب أن الدفاع عن وحدة المغرب الترابية، ومصالحه العليا، وحصانته الداخلية، هو الفرض الأعين والأولوية المطلقة التي تسبق كل اعتبار، لأن المغرب القوي والمستقر هو السند الأصدق والأقوى لكل قضايا الحق والعدل في العالم.

رابعا: رسالة صدق وأخوة.. إلى الشعب الجزائري الشقيق في وجه التضليل الممنهج

إذا كنا اليوم ندافع بكل صرامة وثبات عن مصالحنا الكبرى ووحدتنا الترابية ضد أي تطاول، فإن التحليل الرزين يفرض علينا أن نقرأ الواقع بعين الحكمة والتبصر فيما يتعلق بمحيطنا الإقليمي، وخصوصاً تجاه إخواننا في الشعب الجزائري الشقيق بعيدا عن حسابات يفرضها نظام الثكنات.

تخدير العقول والبروباغندا الموجهة: إننا نتابع ببالغ الأسف كيف يستمر “نظام الثكنات” في الجزائر في افتعال الأزمات المفتعلة، وتصدير العداوات، واختلاق “فزاعات” وخصومات وهمية، مستخدما إعلاما مأجورا وموجها لمحاولة تخدير عقول الشعب الجزائري الشقيق، وحجب الحقيقة الساطعة عنه، وتوجيه أنظاره نحو الخارج للتغطية على الفشل التنموي والداخلي المريع، بل وتحريك خيوط التحريض من وراء الكواليس لإدامة التوتر واستنزاف المنطقة.

رسالة محبة وتقدير لا غبار عليها: ليعلم الشعب الجزائري الشقيق، بكل صدق وأمانة، أن المملكة المغربية – قيادة وشعبا ومؤسسات – لا تكن له إلا كل الحب والتقدير والمحبة الخالصة، استنادا إلى أواصر التاريخ المشترك، والدين الحنيف، والدم والدموع التي امتزجت في معارك التحرير وعليه فإن إن ما يربط الشعبين الشقيقين أعمق بكثير من أن تشوهه أصوات النشاز أو مقالات الصحافة الموجهة (إعلام الثكنات العسكرية)

احترام السيادة وعدم التدخل: إن المغرب، بعبقريته التاريخية وأصالته، يؤمن مبدئيا بأنه لا يحق لأحد أن ينافس الشعب الجزائري في تقرير خياراته أو التدخل في شؤونه؛ فالمغرب كان ولا يزال يحترم بدقة متناهية قواعد حسن الجوار، ومبدأ عدم التدخل في شؤون الجيران، ولا يؤمن أبدا بسياسة تصدير الأزمات، فنحن نريد لشقائنا في الجزائر كل الخير والاستقرار والرخاء، بعيدا عن أوهام التوسع وأطماع الجنرالات التي لن تجلب للبلاد سوى الدمار والمستنقعات.

بعهد الوفاء ومجد الوطن نمضي

وهنا نختم لنؤكد أن المغرب يقوى بمؤسساته، ويزداد مناعة بتلاحم شعبه الأبي، ويسير بخطى واثقة نحو المستقبل تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

فلنحيي في أنفسنا روح المسيرة الخضراء المظفرة، ولنظل درعا متينا لحماية وطننا، واعين بحقائق التاريخ وفقه الأولويات، مادّين أيدينا دائما للسلام والخير، ورافضين أي مساس بسيادتنا ومصالحنا الكبرى.

وعاشت المملكة المغربية حرة، منيعة، أبية، بروابطها المقدسة، وشعبها العظيم، وعرشها المجيد.

الله الوطن الملك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *