ذكرى المسيرة الخضراء بين التعبئة الوطنية ومواصلة المسار التنموي

يكتسي الاحتفال بالذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، يوم 6 نونبر 2026، خصوصية سياسية وتاريخية واستراتيجية استثنائية، بالنظر إلى السياق الذي تأتي فيه هذه الذكرى، والذي يختلف عن سياقات الاحتفالات السابقة.
حيث لا ترتبط هذه الخصوصية فقط باستحضار حدث تاريخي مؤسس في الذاكرة الوطنية المغربية، وإنما كذلك بارتباط هذه الذكرى بتحولات ملف الصحراء المغربية، وبمستجدات الدبلوماسية المغربية، وبالانتقال من مرحلة الدفاع عن الوحدة الترابية إلى مرحلة تعزيز المكتسبات وترسيخها. وهكذا تكتسي ذكرى المسيرة الخضراء لسنة 2026 خصوصية استثنائية، باعتبارها تأتي في سياق إعادة تشكيل الرمزية الوطنية المرتبطة بالقضية الصحراوية، عقب التحولات الدبلوماسية التي شهدها الملف، وإقرار عيد الوحدة، بما يعكس انتقالاً من مرحلة استحضار ملحمة الاسترجاع إلى مرحلة ترسيخ الوحدة الترابية وتدبير رهانات التسوية السياسية، في إطار تداخل الذاكرة التاريخية مع الدينامية الدبلوماسية والمؤسساتية الراهنة.
أولاً: خصوصية الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء
يمكن تحليل هذه الخصوصية من خلال مجموعة من المستويات المتداخلة دبلوماسية وسياسية. حيث تأتي ذكرى المسيرة الخضراء لسنة 2026 بعد مرور سنة على اعتماد مجلس الأمن القرار 2797، الذي جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف.وهذا يمنح الذكرى بعداً جديداً يتمثل في استحضار المسيرة الخضراء باعتبارها نموذجاً للتعبئة الوطنية في خدمة القضية الترابية،و ربط الرمزية التاريخية للمسيرة الخضراء بالرهانات الراهنة المتعلقة بالتفاوض والتسوية السياسية.غير أن خصوصية هذه السنة تزداد تعقيداً بالنظر إلى التطورات الأخيرة في مجلس الأمن بشأن مستقبل بعثة المينورسو، وما رافقها من خلافات دولية والتي انتهت ببلاغ ملكي ينهي مهام المينورسو بالاقاليم الجنوبية بعد عدم إخفاق مجلس الامن في التوافق على تجديد مدة عمل هذه البعثة. ولذلك فإن الاحتفال لا يأتي في سياق انتصار دبلوماسي مكتمل، بل في سياق مكاسب مهمة تقابلها تحديات مرتبطة بتنزيلها. كما أن من أبرز عناصر التميز أن ذكرى المسيرة الخضراء تأتي هذه السنة بعد الاحتفال لأول مرة بعيد الوحدة، الذي أقره الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر من كل سنة. وهنا يمكن رصد تحول في الذاكرة الوطنية المغربية التي انتقلت من استحضار فعل تاريخي لاسترجاع الأقاليم الصحراوية إلى استحضار التطورات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالوحدة الترابية. وبذلك يمكن اعتبار عيد الوحدة امتداداً رمزياً للمسيرة الخضراء، وليس بديلاً عنها؛ إذ أصبح الاحتفالان يقدمان سردية وطنية متكاملة تجمع بين الذاكرة التاريخية والمكتسبات السياسية المعاصرة. كما تكتسي هذه الذكرى أيضاً أهمية بالنظر إلى إعادة تنظيم التواصل الملكي، حيث تقرر حصر الخطاب الملكي السنوي في مناسبتين رسميتين: عيد العرش وافتتاح البرلمان، مع احتفاظ الملك بحق مخاطبة الشعب في أي وقت يراه مناسباً.وهذا يعني أن الاحتفال بالمسيرة الخضراء لم يعد بالضرورة مرتبطاً بخطاب ملكي سنوي، بل يمكن أن يستمد دلالته من القرارات الملكية والمبادرات الدبلوماسية والمؤسساتية التي تحيط به. وهكذا يمكن النظر إلى هذه السنة باعتبارها مرحلة انتقالية في الذاكرة الوطنية المغربية: من استحضار المسيرة الخضراء كحدث تاريخي، إلى جعل الوحدة الترابية موضوعاً مستمراً في الوعي الوطني، و ترسيخ عيد الوحدة باعتباره مناسبة جديدة لتجديد الارتباط بالقضية الوطنية، خاصة ربط الأجيال الجديدة بمسار تاريخي لم ينته بمجرد تنظيم المسيرة سنة 1975.وهنا تبرز أهمية الاحتفال في بناء ذاكرة جمعية لا تقتصر على استعادة الماضي، بل تستحضر أيضاً التحولات الراهنة والرهانات المستقبلية.
ثانيا: ذكرى المسيرة وإعادة التعبئة الوطنية
يمكن اعتبار احتفالات المسيرة الخضراء لهذه السنة مؤشراً على انتقال المغرب من ثقافة التعبئة الوطنية المرتبطة باسترجاع الأرض، إلى ثقافة ترسيخ الوحدة الوطنية المرتبطة بتثبيت المكتسبات وتحويلها إلى واقع سياسي ومؤسساتي.
1. من التعبئة الوطنية إلى تثبيت المكتسبات
شكلت المسيرة الخضراء سنة 1975 نموذجاً استثنائياً للتعبئة الوطنية، حيث تم توظيف الرمزية الدينية والوطنية والملكية في تعبئة جماعية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية. أما في سنة 2026، فإن السياق مختلف من حيث طبيعة الرهانات: حيث لم تعد القضية الترابية تقتصر على استحضار حدث الاسترجاع التاريخي، بل أصبح التركيز متزايداً على تثبيت المكتسبات الدبلوماسية والسياسية. كما باتت التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية جزءاً أساسياً من تجسيد الوحدة الترابية. في حين أصبح التحدي يتمثل في تحويل الاعترافات والمواقف الدولية إلى نتائج سياسية ومؤسساتية مستدامة.وهكذا، يمكن القول إن التعبئة الوطنية لم تختف، بل أصبحت تتخذ أشكالاً جديدة تتجاوز التعبئة الجماهيرية إلى التعبئة الدبلوماسية والمؤسساتية والتنموية.
2. من الذاكرة التاريخية إلى بناء ذاكرة وطنية متجددة
إن إقرار عيد الوحدة يوم 31 أكتوبر، وربطه بالتحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، يضفي على احتفالات المسيرة الخضراء بعداً جديداً.فبلاغ الديوان الملكي لسنة 2025 ربط إقرار عيد الوحدة بالتحول التاريخي الذي عرفته القضية الوطنية وبالتطورات التي حملها القرار 2797 لمجلس الأمن. وبالتالي، فمن الناحية السوسيولوجية، يمكن تفسير ذلك بأنه انتقال من ذاكرة تستحضر فعل التعبئة الجماعية في الماضي إلى ذاكرة تستهدف ترسيخ الوحدة الوطنية باعتبارها قيمة مستمرة وممارسة مؤسساتية.وهذا يطرح مسألة أساسية: كيف يمكن نقل رمزية المسيرة الخضراء من الأجيال التي عايشتها إلى الأجيال الجديدة التي لم تعش سياقها التاريخي، ولكنها مطالبة باستيعاب دلالاتها الوطنية والسياسية؟
3. من الرمزية إلى الاختبار المؤسساتي والتنموي
لا يكفي الاحتفال بالمسيرة الخضراء أو عيد الوحدة لإثبات تحقق الانتقال إلى مرحلة جديدة. فهذا الانتقال يظل رهيناً بمدى القدرة على تجسيد الوحدة الترابية في تعزيز الحكامة المؤسساتية بالأقاليم الجنوبية، و تحسين الخدمات العمومية والصحة والتعليم والتشغيل، و توسيع المشاركة السياسية للمواطنين، و ترسيخ العدالة المجالية والتنمية المستدامة. وكذا تعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للأقاليم الجنوبية. وبالتالي، فإن نجاح هذا التحول لا يقاس فقط بحجم الاحتفالات أو قوة الخطاب السياسي، بل بمدى انعكاس المكتسبات على الحياة اليومية للمواطنين.
وهكذا يمكن النظر إلى تشكيل حكومة تجمع بين حزب الأصالة والمعاصرة ومكونات الكتلة الوطنية باعتباره أحد تجليات إعادة بناء التعبئة الوطنية في سياق التحولات الجديدة التي تعرفها المملكة المغربية، خصوصاً إذا وضعنا هذا الاختيار في ارتباطه بمستجدات القضية الوطنية، وبإقرار عيد الوحدة، وبالانتقال من مرحلة استرجاع الأرض إلى مرحلة تثبيت المكتسبات.
ثالثا: تشكيل حكومة المنصوري كآلية لإعادة تشكيل التعبئة الوطنية
يمكن قراءة الجمع بين حزب الأصالة والمعاصرة ومكونات الكتلة الوطنية، التي تستحضر تاريخياً أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، باعتباره محاولة لإعادة تجميع رصيد سياسي ووطني متنوع داخل إطار حكومي واحد. وتتجلى أهمية هذا الاختيار في ثلاثة مستويات:
– المستوى التاريخي: من خلال استحضار رصيد الحركة الوطنية وأدوارها في الدفاع عن الاستقلال والوحدة الترابية.
– المستوى السياسي: عبر تجاوز التنافس الحزبي التقليدي نحو صيغة تقوم على تجميع قوى سياسية مختلفة حول رهانات مشتركة.
– المستوى المؤسساتي: من خلال جعل الحكومة فضاءً لتنسيق الجهود السياسية والتنموية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
ومن هذا المنظور، فإن تشكيل الحكومة قد يعكس توجهاً نحو إعادة توظيف التعددية الحزبية في خدمة أولويات وطنية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.
– استحضار الكتلة الوطنية وإعادة توظيف رصيدها التاريخي
إن مشاركة حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة تكتسي دلالة سياسية خاصة. فالأحزاب الثلاثة الأولى ترتبط بدرجات متفاوتة بتاريخ الحركة الوطنية والكتلة الديمقراطية، بينما يمثل حزب الأصالة والمعاصرة تجربة حزبية أحدث نشأة.وهنا يمكن طرح فرضية مفادها أن هذه الحكومة تسعى إلى الجمع بين شرعية تاريخية متجذرة وشرعية سياسية انتخابية متجددة، بما يتيح تجميع رصيد وطني متنوع في مواجهة التحديات الجديدة. وهكذا يمكن اعتبار هذه الحكومة إطاراً لتعبئة سياسية ومؤسساتية حول أربعة تحديات رئيسية:
| طبيعة التحدي | دلالة التعبئة الحكومية |
|---|---|
| القضية الوطنية | تعزيز التماسك السياسي الداخلي لمواكبة التحولات الدبلوماسية |
| التحديات الاقتصادية | تجميع القوى السياسية حول الإصلاح الاقتصادي وتعزيز القدرات الإنتاجية |
| التحديات الاجتماعية | مواجهة الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية |
| أزمة الثقة السياسية | إعادة بناء الثقة في المؤسسات والأحزاب واستعادة المشاركة السياسية |
وهنا تبرز أهمية أن الحكومة لم تكتف بتجميع الأغلبية العددية، وإنما أعلنت توجهها نحو حكومة منسجمة وقوية تستجيب للانتظارات الاجتماعية وتواكب التحديات الداخلية والخارجية. حيث يمكن تفسير تشكيل هذه الحكومة من زاويتين:
– القراءة الوطنية: باعتبارها محاولة لتجميع قوى سياسية ذات رصيد تاريخي وحزبي مختلف حول مرحلة وطنية جديدة.
– القراءة السياسية: باعتبارها إعادة تشكيل للأغلبية الحكومية وإعادة توزيع للأدوار داخل الحقل الحزبي، في أعقاب التحول الذي أفرزته الانتخابات التشريعية.
والقراءة الأكثر توازناً هي الجمع بينهما؛ إذ يمكن أن تكون للحكومة وظيفة وطنية استراتيجية، وفي الوقت نفسه وظيفة سياسية مرتبطة بإعادة تنظيم المشهد الحزبي. وهكذا يمكن النظر إلى تشكيل حكومة تجمع بين حزب الأصالة والمعاصرة ومكونات الكتلة الوطنية باعتباره أحد تجليات إعادة تشكيل التعبئة الوطنية في المغرب، في سياق الانتقال من مرحلة استرجاع الأرض إلى مرحلة تثبيت المكتسبات المرتبطة بالوحدة الترابية. فاستحضار الرصيد التاريخي للحركة الوطنية، إلى جانب إدماج قوى سياسية حديثة النشأة، يعكس سعياً إلى تجميع شرعيات سياسية وتاريخية متنوعة حول رهانات وطنية جديدة، تتجاوز القضية الترابية إلى تعزيز البناء الديمقراطي والحكامة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أن هذه التعبئة تظل رهينة بقدرة الحكومة على تحويل الانسجام السياسي المعلن إلى إنجازات ملموسة، وعلى إعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
وبالتالي، فمن الضروري ألا يؤدي هذا الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء إلى اعتبار مرحلة التعبئة الوطنية قد انتهت نهائياً؛ فالقضية الترابية ما تزال مرتبطة بمسار أممي وبمفاوضات لم تصل إلى تسوية نهائية.كما أن التطورات التي شهدها مجلس الأمن في نهاية أكتوبر 2026، بما فيها الخلاف حول تجديد ولاية المينورسو، تؤكد أن تثبيت المكتسبات لا يزال يواجه تحديات دولية وسياسية. لذا ينبغي ألا يتم اختزال احتفالات المسيرة الخضراء لسنة 2026 في مجرد استعادة لحدث تاريخي مؤسس للذاكرة الوطنية المغربية، بل يمكن قراءتها باعتبارها مؤشراً على تحول تدريجي في طبيعة الثقافة السياسية والرمزية للدولة. فبعدما شكلت المسيرة الخضراء نموذجاً للتعبئة الوطنية الجماعية من أجل استرجاع الأرض، أصبح الرهان الراهن يتمثل في ترسيخ الوحدة الترابية وتثبيت المكتسبات الدبلوماسية والسياسية وتحويلها إلى واقع مؤسساتي وتنموي. ويعكس هذا التحول انتقالاً من مركزية الفعل التعبوي إلى مركزية البناء المؤسساتي، دون أن يعني ذلك نهاية التعبئة الوطنية، وإنما إعادة توظيفها في خدمة مرحلة جديدة من تدبير القضية الوطنية، تتداخل فيها الذاكرة التاريخية مع رهانات الشرعية السياسية والحكامة والتنمية المجالية.فالمسيرة الخضراء لم تعد فقط ذاكرة لاسترجاع الأرض، بل أصبحت مرجعية رمزية لتبرير وتوجيه مشروع ترسيخ الوحدة الترابية.
اترك تعليقاً