وجهة نظر

المؤتمر الثامن للتجمع الوطني للأحرار.. السياق والرهانات

المؤتمر الثامن للتجمع الوطني للأحرار.. السياق والرهانات

ليست المؤتمرات الحزبية مجرد مناسبات دورية لتجديد الهياكل وانتخاب القيادات، ولا محطات شكلية لتأكيد الاستمرارية التنظيمية، بل هي، في لحظات التحول السياسي العميق والمستمر، مناسبات لإعادة تعريف الهوية وتحديد الموقع داخل الخريطة السياسية، وتجديد التعاقد بين الحزب والمجتمع. ومن هذه الزاوية، يكتسب المؤتمر الوطني الثامن لحزب التجمع الوطني للأحرار، المزمع تنظيمة نهاية يناير المقبل، أهمية تتجاوز طبيعته التنظيمية، بالنظر إلى السياق السياسي الذي ينعقد فيه، والتحولات التي عرفها الحزب خلال السنوات الأخيرة، والأسئلة التي تطرحها المرحلة المقبلة حول مستقبل الحزب، بل حول مستقبل العمل الحزبي برمته.

فالمؤتمر الثامن للحزب يأتي في أعقاب مرحلة سياسية اتسمت بتولي الحزب قيادة الحكومة، وما رافق ذلك من مسؤوليات وتحديات وتراكمات، لينتقل اليوم إلى موقع المعارضة، في ظل تحولات أعادت رسم ملامح المشهد السياسي الوطني. ولذلك، فإن التحدي المطروح أمام التجمع الوطني للأحرار لا يتعلق فقط بكيفية تدبير انتقاله من الأغلبية إلى المعارضة، وإنما بكيفية تحويل هذا الانتقال إلى فرصة لإعادة بناء مشروع سياسي واضح، قوامه تكريس خيار حزب الوسط، باعتباره اختياراً فكرياً وممارسة سياسية تستندان إلى الاعتدال والواقعية والقدرة على التوفيق بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

إن الرهان، في جوهره، هو الانتقال من حزب ارتبط خلال مرحلة معينة بمنطق تدبير السلطة التنفيذية إلى حزب يمتلك هوية سياسية مستقلة عن المواقع الحكومية، وقادراً على التأثير في النقاش العمومي وصناعة البدائل، والمساهمة في تأطير المجتمع، سواء كان في موقع المسؤولية أو في موقع المعارضة.

وإذا كانت هذه المحطة التنظيمية العادية تأتي في إطار استكمال مخرجات المؤتمر الاستثنائي الذي انعقد في فبراير الماضي، والتي شكلت جسرا تنظيميا انشغل أساسا بضمان الاستمرارية المؤسساتية وتدبير الانتقال القيادي، فإن هذا المؤتمر، وإن كان عاديا من الناحية القانونية، فهو يحظى بأهمية كبرى لما يمكن أن يتيحه من فرص لإعادة التفكير في الاختيارات السياسية والفكرية والتنظيمية، ورسم معالم المرحلة المقبلة، خاصة وأن السياق العام الذي ينعقد فيه هذا المؤتمر يعرف تحولات بنيوية كبرى تفرض على الجميع أقصى درجات اليقظة السياسية والتنظيمية.

تكمن أول هذه التحولات بالموقع السياسي للحزب. فالتجمع الوطني للأحرار انتقل من قيادة الحكومة إلى المعارضة، بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي حل فيها ثانياً، وهو انتقال لا يمكن اختزاله في مجرد تغيير للموقع داخل المؤسسات، بل يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الخط السياسي الذي ينبغي أن يتبناه الحزب، وحدود علاقته بتجربته الحكومية السابقة، وكيفية تحويل هذه التجربة إلى رصيد سياسي ومعرفي يساعده على ممارسة المعارضة.

ذلك أن الانتقال إلى المعارضة يضع الحزب أمام اختبار مختلف؛ إذ لم يعد مطالباً بالدفاع عن الاختيارات الحكومية وتفسير القرارات، وإنما أصبح مطالباً بإعادة بناء موقعه انطلاقاً من قدرته على المراقبة والاقتراح وتقديم البدائل. وهنا تكمن أهمية الفصل بين الحزب باعتباره مؤسسة سياسية لها مشروعها ومرجعيتها، والحزب باعتباره طرفاً في تجربة حكومية انتهت مرحلتها. فاستمرارية الحزب لا ينبغي أن تكون رهينة استمرارية وجوده في السلطة، كما أن هويته السياسية لا ينبغي أن تختزل في حصيلته الحكومية.

أما التحول الثاني، فيتعلق بالبنية التنظيمية للحزب. فالتغييرات التي عرفتها القيادة الوطنية خلال المؤتمر الاستثنائي الأخير، والنزيف التنظيمي الذي مس الامتدادات الجهوية والمحلية للحزب خلال الحملة الانتخابية، تفتح المجال أمام إعادة ترتيب الأداة الحزبية، ليس فقط من حيث توزيع المسؤوليات، وإنما من حيث طبيعة العلاقة بين القيادة والقواعد، وبين المركز والمجالات الترابية. فالحزب الذي يتطلع إلى تكريس موقعه كقوة سياسية يحتاج إلى تنظيم قادر على إنتاج النخب، واستيعاب الكفاءات، وتوسيع فضاءات المشاركة، وضمان حضور مستمر في المجتمع.

والتحول الثالث يتعلق بالحياة السياسية الوطنية، خاصة مع بروز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها مجالاً لإنتاج الأفكار والاختيارات والتصورات المجتمعية. فقد أفرزت السنوات الأخيرة نقاشاً واسعاً حول العلاقة بين السياسة والتقنوقراطية، وحول حدود الاعتماد على الكفاءة التقنية في تدبير الشأن العام، ومدى قدرتها على تعويض الوساطة السياسية والاختيار الديمقراطي.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من أهمية الخبرة التقنية أو الكفاءة التدبيرية، فهما عنصران أساسيان في تحديث الإدارة وتحسين أداء المؤسسات، وإنما يتعلق الأمر بإعادة التمييز بين مجالين متكاملين: مجال تحديد الاختيارات والأولويات، وهو مجال السياسة بامتياز، ومجال ترجمة تلك الاختيارات إلى برامج وإجراءات، وهو مجال الخبرة والتدبير.

فالتقنوقراطية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع أن تحل محل السياسة، لأن القرارات العمومية ليست مجرد مسائل تقنية قابلة للحسم بالحسابات والمؤشرات، وإنما تتضمن اختيارات تتعلق بتوزيع الموارد والأولويات والحقوق والمصالح الاجتماعية. ومن ثم، فإن إحياء السياسة يقتضي إعادة الاعتبار للأحزاب باعتبارها فضاءات لإنتاج الأفكار والتنافس حول البرامج، لا مجرد آليات لتزكية المنتخبين أو توفير الأطر لتدبير المؤسسات.

أما التحول الرابع، والأكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، فيرتبط بالقضية الوطنية. فقد دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة بعد التطورات التي عرفها مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026، حيث تعذر اعتماد مشروعي القرار المتعلقين بمستقبل المينورسو، وانتهت ولاية البعثة الأممية في 31 أكتوبر، في تطور يفتح الباب أمام إعادة التفكير في آليات التعاطي الدولي مع الملف.

إن هذه المستجدات لا تعني انتهاء النزاع أو حسم جميع جوانبه السياسية والقانونية، بل تضع المنطقة أمام مرحلة انتقالية تقتضي قدراً كبيراً من اليقظة السياسية والدبلوماسية، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عنها من تحولات في التوازنات الإقليمية وفي ترتيبات حفظ الأمن والاستقرار. كما أنها تطرح أسئلة جديدة حول مستقبل المسار السياسي، وإمكانيات تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، وما قد يستتبعه ذلك من ترتيبات مؤسساتية ودستورية وترابية.

وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يظل دور الأحزاب السياسية مقتصراً على التعبير عن الإجماع الوطني حول القضية الأولى للمغاربة، بل يتعين أن يمتد إلى المساهمة في النقاش حول متطلبات المرحلة المقبلة، واستشراف التحولات التي قد تفرضها التسوية السياسية على بنية المؤسسات وعلى نموذج الحكامة الترابية. فإمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة في تنزيل الحكم الذاتي تقتضي تعبئة وطنية واسعة، وانخراطاً سياسياً وفكرياً يتناسب مع حجم التحولات المنتظرة.

وإذا كانت التحولات السابقة تحدد الإطار العام الذي ينعقد فيه المؤتمر الثامن للحزب، فإن الرهانات المطروحة أمامه هي التي ستحدد طبيعة مخرجاته ومدى قدرته على بناء موقعه السياسي الخاص. وهنا يمكن التمييز بين خمسة رهانات متداخلة، يشكل تكاملها شرطاً أساسياً لتكريس “الخيار التجمعي”.

أولاً: الرهان التنظيمي وإعادة بناء الأداة الحزبية.

لا يمكن الحديث عن مشروع سياسي متكامل قادر عن تكريس خيار الديمقراطية الاجتماعية دون توفر أداة تنظيمية قادرة على ترجمة هذا المشروع إلى ممارسة يومية. فالتنظيم ليس مجرد هياكل وأجهزة ومكاتب، بل هو شبكة من العلاقات السياسية والفكرية والمجتمعية التي تمنح الحزب قدرته على التأثير والاستمرار.

ولذلك، فإن المؤتمر مطالب بفتح ورش إعادة بناء التنظيم على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية، بما يضمن الانتقال من منطق الحضور العددي إلى منطق الفعالية السياسية. ويقتضي ذلك تجديد النخب، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإعادة الاعتبار للتكوين السياسي، وتعزيز استقلالية المبادرة داخل الهياكل المجالية.

فالحزب الذي يريد أن يكون خيارا بديلا للمستقبل لا يمكنه أن يكتفي بتجميع المصالح والطاقات الانتخابية، وإنما يحتاج إلى إنتاج نخب سياسية تمتلك القدرة على التفكير والاقتراح والتأطير، وتكون قادرة على تمثيل اختياراته في مختلف الفضاءات المجتمعية.

ثانياً: الرهان الانتخابي والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

لا يمكن فصل مستقبل الحزب عن قدرته على الحفاظ على امتداده الانتخابي وتطويره، خصوصاً في أفق استحقاقات سنة 2027. غير أن الاستعداد الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى غاية مستقلة عن المشروع السياسي، لأن الانتخابات ليست سوى إحدى وسائل التمثيل الديمقراطي، وليست بديلاً عن العمل الحزبي.

إن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الحضور الانتخابي إلى رصيد من الثقة السياسية، من خلال مراجعة طرق التواصل مع المواطنين، والإنصات إلى انتظاراتهم، وإعادة بناء العلاقة مع الفئات الاجتماعية التي ربما شعرت خلال المرحلة السابقة بوجود مسافة بينها وبين الحزب.

كما أن المرحلة تقتضي مراجعة معايير اختيار المرشحين، والانتقال من منطق الحسابات الانتخابية الضيقة إلى منطق الكفاءة والمصداقية والقدرة على التمثيل. فالحزب الذي يطمح إلى تكريس موقعه كخيار سياسي أصيل يحتاج إلى نخب منتخبة تعكس قيم الاعتدال والمسؤولية، وتكون قادرة على الدفاع عن اختياراته في المؤسسات وفي المجتمع.

ثالثاً: الرهان السياسي وبناء موقع متميز داخل المعارضة.

لعل هذا الرهان يمثل أحد أهم الاختبارات التي سيواجهها الحزب في المرحلة المقبلة. فالمشهد المعارض في المغرب يتسم بتعدد المرجعيات والخطابات، وهو ما يتيح للتجمع الوطني للأحرار فرصة تحديد موقع خاص، لا يكرر التجارب القائمة، ولا يستنسخ أنماطاً تقليدية في ممارسة المعارضة.

ففي مقابل خطاب يمكن وصفه بالشعبوي لدى حزب العدالة والتنمية، يقوم في بعض تجلياته على استثمار التوترات الاجتماعية وتبسيط الإشكالات السياسية المعقدة، وفي مقابل خطاب راديكالي لدى بعض مكونات تحالف اليسار، يقوم على مرجعية نقدية أكثر تصادمية مع الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية القائمة، يستطيع التجمع الوطني للأحرار أن يعمل على بناء نموذج معارض يستند إلى الواقعية والاعتدال والاقتراح.

ولا يعني ذلك أن المعارضة الوسطية ينبغي أن تكون معارضة مخففة أو مترددة، بل إن قوتها تكمن في قدرتها على ممارسة النقد دون السقوط في المزايدة، وعلى الاختلاف دون تحويل الخلاف إلى خصومة، وعلى تقديم البدائل دون الانفصال عن واقع المؤسسات والإمكانات الاقتصادية والاجتماعية.

إن “التجمع” لا يحتاج إلى معارضة تبرر مواقفه السابقة أو تنشغل بالدفاع عن تجربته الحكومية بقدر ما يحتاج إلى معارضة تستخلص دروس تلك التجربة، وتوظفها في بناء تصورات جديدة. فالمطلوب هو الانتقال من منطق الدفاع عن الماضي إلى منطق المساهمة في تشكيل المستقبل.

رابعاً: الرهان الإيديولوجي واستعادة المبادرة في القضايا المجتمعية والقيمية.

من أبرز الإشكالات التي تواجه الأحزاب السياسية اليوم تراجع قدرتها على تأطير النقاشات المجتمعية الكبرى، وترك المجال أحياناً أمام خطابات متعارضة تختزل القضايا المعقدة في مواقف حادة وثنائيات متقابلة.

وهنا تبرز أهمية المرجعية الوسطية باعتبارها إطاراً يسمح بالتعامل مع التحولات المجتمعية دون انغلاق أو قطيعة مع الثوابت الثقافية والقيمية للمجتمع. فالوسط ليس فراغاً إيديولوجياً، وليس محاولة لتجنب الاختلاف، وإنما هو موقف فكري يقوم على الاعتدال، والانفتاح، والقدرة على بناء التوافقات، مع الاحتفاظ بوضوح الاختيارات.

ومن ثم، فإن التجمع الوطني للأحرار مطالب بالانخراط في القضايا المجتمعية والقيمية، وعدم تركها رهينة للمزايدات أو الاستقطابات الإيديولوجية. ويشمل ذلك قضايا الأسرة، والتعليم، والحريات، والمساواة، والشغل، والعدالة الاجتماعية، والتحولات الثقافية، فضلاً عن الأسئلة المرتبطة بمستقبل الشباب ومكانة المرأة في المجتمع.

كما أن تكريس الهوية الوسطية يقتضي تجديد المرجعية الفكرية للحزب، وإعادة الاعتبار لمفهوم الديمقراطية الاجتماعية، بما يجمع بين تشجيع المبادرة الاقتصادية والاستثمار، وبين دور الدولة في ضمان الإنصاف وتكافؤ الفرص والحماية الاجتماعية. فالسوق وحده لا ينتج العدالة، كما أن تدخل الدولة وحده لا ينتج الثروة؛ والتحدي هو بناء توازن مسؤول بين المبادرة والإنصاف، وبين الحرية الاقتصادية والتضامن الاجتماعي.

خامساً: الرهان المعنوي وإعادة بناء الثقة والصورة الحزبية.

لا يمكن إغفال أن الحزب يدخل هذه المرحلة محملاً بتحديات تتعلق بصورته لدى الرأي العام، خصوصاً بعد ارتباط اسمه، في جزء من النقاش العمومي، بشعارات الفساد وتضارب المصالح. وهي مسألة لا يمكن تجاوزها بمجرد تغيير تنظيمي أو تجديد الهياكل أو إطلاق حملات تواصلية جديدة.

فالصورة المعنوية للحزب ليست مجرد انعكاس لما يقوله عنه خصومه، كما أنها ليست مجرد نتاج لقدرته على تدبير التواصل مع وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. إنها حصيلة تراكمية للممارسات والمواقف والقرارات، ولدرجة الانسجام بين الخطاب السياسي والسلوك الفعلي للمنتسبين إليه.

ومن هنا، فإن استعادة الثقة تقتضي اعتماد مقاربة تتجاوز الدفاع التلقائي عن الحزب، نحو ترسيخ ثقافة النقد الذاتي والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتعامل الجدي مع كل ما يثيره الرأي العام من تساؤلات حول تضارب المصالح أو تدبير الشأن العام.

كما أن الحزب مطالب بإعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي في الممارسة السياسية، لأن المصداقية ليست قيمة إضافية يمكن الاستغناء عنها، بل هي أحد الشروط الأساسية لاستمرار الأحزاب وتجدد شرعيتها المجتمعية.

إن ترميم الصورة لا يتحقق بتغيير الشعارات، وإنما بتغيير الممارسة حيثما اقتضى الأمر ذلك، وبإظهار استعداد حقيقي للقطع مع كل السلوكيات التي تضعف ثقة المواطنين في العمل الحزبي. فالمواطن لا ينتظر من الأحزاب أن تكون بمنأى عن الأخطاء، وإنما ينتظر منها أن تمتلك الشجاعة للاعتراف بها وتصحيحها.

في المحصلة، يمكن القول أن المؤتمر الوطني الثامن للتجمع الوطني للأحرار ينعقد في لحظة تتيح للحزب فرصة إعادة تعريف موقعه ودوره في الحياة السياسية المغربية. فالانتقال من الحكومة إلى المعارضة، والتحولات التنظيمية، والحاجة إلى إحياء السياسة، والتطورات المرتبطة بالقضية الوطنية، كلها عوامل تجعل من هذه المحطة أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي عادي.

لكن تكريس “الخيار التجمعي” يظل رهيناً بمدى قدرة الحزب على تحويل هذا الاختيار من شعار سياسي إلى مرجعية ناظمة للممارسة والخطاب والقرارات. فالوسط لا يعني الوقوف في منتصف المسافة بين اليمين واليسار، ولا التكيف مع مختلف المواقع بحسب موازين القوى، بل يعني امتلاك رؤية متكاملة للمجتمع والدولة والاقتصاد، قوامها الاعتدال دون تردد، والواقعية دون انتهازية، والبراغماتية دون التخلي عن المبادئ.

إن الحزب الوسطي هو الذي يستطيع الجمع بين متطلبات الدولة الحديثة ومقتضيات الديمقراطية، وبين تشجيع الاستثمار وحماية التماسك الاجتماعي، وبين الدفاع عن الثوابت الوطنية والانفتاح على التحولات المجتمعية. وهو أيضاً الحزب الذي يجعل من الاختلاف وسيلة للإنتاج السياسي، لا مناسبة لتعميق الانقسام.

ولعل التحدي الأكبر أمام المؤتمر الثامن هو أن ينجح في الانتقال بالتجمع الوطني للأحرار من حزب ارتبطت صورته خلال مرحلة معينة بقيادة الحكومة، إلى حزب يمتلك هوية سياسية مستقلة، وحضوراً مجتمعياً متجدداً، وقدرة على إنتاج الأفكار والمواقف والبدائل.

فالمواقع الحكومية تتغير بتغير نتائج الانتخابات، وموازين القوى تتبدل بتبدل السياقات السياسية، لكن الأحزاب التي تمتلك مرجعية واضحة ومشروعاً مجتمعياً متماسكاً هي وحدها القادرة على الحفاظ على موقعها في الحياة السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *