الداخلية تشدد الرقابة على المقاولين وتلاحق تعثر المشاريع استعدادا للمونديال

باشرت السلطات الترابية، بتوجيهات من وزارة الداخلية، مراجعة شاملة لآجال إنجاز وتسليم عدد من المشاريع الكبرى، في سياق توجه يروم وضع حد للتأخر المسجل في تنفيذ الأوراش العمومية، والتصدي للاختلالات المرتبطة بتدبير الصفقات ودفاتر التحملات، وما يترتب عنها من استنزاف للموارد المالية وهدر للزمن التنموي.
وأفادت مصادر عليمة لجريدة “العمق المغربي” بأن مصالح وزارة الداخلية أعطت توجيهات إلى المسؤولين الترابيين، من أجل تشديد المراقبة على الشركات المكلفة بإنجاز المشاريع، والتدقيق في المبررات المقدمة بشأن طلبات تمديد آجال التنفيذ، خصوصا في الحالات التي تتكرر فيها التأخيرات دون تسجيل تقدم ملموس في الأشغال، رغم استنفاد المدد التعاقدية المحددة.
وأضافت المصادر ذاتها أن هذه التحركات تأتي بعد تسجيل اختلالات في تدبير عدد من الصفقات العمومية، خاصة المشاريع الطرقية، التي عرفت ارتفاعا في كلفتها المالية بنسب وصلت إلى 80 في المائة في بعض الحالات، نتيجة التمديدات المتتالية وإعادة تقييم الأسعار، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مدى احترام الالتزامات التعاقدية من طرف المقاولات المكلفة بالتنفيذ.
وسجلت المعطيات المتوفرة أن بعض المقاولات أصبحت تلجأ إلى طلب تمديد آجال الإنجاز، مستندة إلى مبررات مرتبطة بارتفاع أسعار المواد الأولية وتكاليف الأشغال، في وقت تثار فيه شبهات حول تعمد إطالة مدة بعض الأوراش للاستفادة من مراجعة الأثمان وإعادة تقييم الكلفة المالية للصفقات، وهي ممارسات تستدعي، بحسب المصادر ذاتها، إخضاع الملفات المعنية لتدقيق إداري وتقني ومالي.
وفي هذا السياق، شددت التوجيهات الجديدة على ضرورة التمييز بين التأخيرات الناتجة عن ظروف موضوعية خارجة عن إرادة المقاولات، وتلك المرتبطة بضعف الإمكانيات التقنية والمالية أو سوء تدبير الأوراش، مع عدم التساهل مع الشركات التي تستنفد الآجال التعاقدية دون تقديم مبررات مقنعة أو تحقيق نسب تقدم تتناسب مع المدد الزمنية المحددة في دفاتر التحملات.
ولم تقتصر هذه الإجراءات على تشديد المراقبة الإدارية، بل امتدت إلى حث الشركات المكلفة بإنجاز المشاريع على تسريع وتيرة الأشغال، والاستعانة بالمناولة عند الاقتضاء، بما يسمح بتعبئة موارد بشرية وتقنية إضافية وتدارك التأخر المسجل، دون الإخلال بشروط الجودة والسلامة والمواصفات التقنية المنصوص عليها في الصفقات العمومية.
كما جرى التأكيد على ضرورة اضطلاع الجماعات الترابية بأدوارها في التتبع اليومي للأوراش، وعدم الاكتفاء بالتقارير الدورية أو الاجتماعات الشكلية، من خلال الوقوف الميداني على مستوى تقدم الأشغال، ومقارنة نسب الإنجاز الفعلية بالبرامج الزمنية المصادق عليها، مع توثيق الاختلالات وتحديد المسؤوليات الإدارية والتقنية المترتبة عنها.
وفي المقابل، دخل ملف المقاولات المتعثرة مرحلة أكثر صرامة، بعدما شملت التوجيهات ضرورة تسريع المساطر القانونية والإدارية المرتبطة بفسخ العقود المبرمة مع الشركات التي ثبت عجزها عن تنفيذ التزاماتها، أو التي ظلت أوراشها متوقفة لفترات طويلة دون مبررات مقبولة، مع العمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة إطلاق المشاريع المتعثرة عبر صفقات أو آليات قانونية بديلة.
وتتجه السلطات الترابية، وفق المعطيات ذاتها، إلى التعامل مع الزمن التعاقدي باعتباره عنصرا أساسيا في تقييم أداء المقاولات، بعدما أظهرت بعض التجارب أن التأخر في إنجاز المشاريع لا يؤدي فقط إلى تعطيل استفادة المواطنين من البنيات التحتية، بل يتسبب أيضا في ارتفاع النفقات العمومية، ويؤثر على برمجة الاستثمارات والمشاريع المرتبطة بها.
ومن بين الملفات التي تحظى باهتمام المصالح المختصة، مسألة ضبط طلبات مراجعة الأثمان، والتأكد من استنادها إلى معطيات قانونية وتقنية دقيقة، بعيدا عن استعمال ارتفاع أسعار المواد الأولية مبررا عاما لتغطية التأخر في الإنجاز أو تبرير الزيادات المالية غير المرتبطة بالتغيرات الفعلية في كلفة الأشغال.
وفي السياق نفسه، تبرز الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين الجماعات الترابية والعمالات والأقاليم والمصالح التقنية، من أجل تجاوز الإشكالات التي تعترض تنفيذ المشاريع، سواء تعلق الأمر بتأخر تسليم العقارات، أو صعوبات تحويل الشبكات، أو غياب التنسيق بين المتدخلين، بما يسمح بتحديد المسؤوليات وعدم تحميل المقاولات وحدها تبعات اختلالات قد تكون مرتبطة بأطراف أخرى.
وبالنسبة إلى جهة الدار البيضاء-سطات، فإن الرهان يبدو أكثر تعقيدا بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والعمراني للعاصمة الاقتصادية، وحجم الضغط الذي تعرفه شبكتها الطرقية، فضلا عن تعدد المشاريع التي تتطلب تنسيقا بين مختلف المتدخلين، وهو ما يجعل معالجة التأخر في إنجاز الأوراش ضرورة لتفادي تراكم الاختلالات وتأثيرها على المشاريع المستقبلية.
وتطرح هذه المراجعة الصارمة في المقابل أسئلة بشأن مدى نجاعة آليات المراقبة السابقة، وكيفية السماح باستمرار بعض الأوراش خارج آجالها التعاقدية، فضلا عن مسؤولية الجهات صاحبة المشاريع في تتبع التنفيذ وتفعيل الجزاءات القانونية في الوقت المناسب، بدل انتظار تفاقم التعثر وارتفاع الكلفة المالية قبل التدخل.
وتخلص التوجهات الجديدة إلى أن مرحلة التساهل مع التأخيرات غير المبررة في تنفيذ المشاريع العمومية مرشحة للتراجع، مقابل إرساء مقاربة أكثر صرامة في مراقبة المقاولات وربط المسؤولية بالنتائج، بما يضمن حماية المال العام وتسريع وتيرة الاستثمار العمومي، وتحويل الاستعدادات لمونديال 2030 إلى فرصة لتدارك اختلالات التدبير وتعزيز جودة البنيات التحتية.
اترك تعليقاً