ائتلاف مدني يطالب بتصنيف “Grand Terril” بجرادة تراثا وطنيا

دعت مجموعة من جمعيات المجتمع المدني بمدينة جرادة إلى تقييد الجبل الاصطناعي الكبير المعروف باسم “Grand Terril” في عداد التراث الوطني، باعتباره أحد أبرز الشواهد المرتبطة بتاريخ النشاط المنجمي بالمدينة، وما يحمله من دلالات تاريخية واجتماعية وثقافية متصلة بذاكرة أجيال من العمال الذين اشتغلوا في استخراج الفحم الحجري.
ووجهت الجمعيات، إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، طلبا يرمي إلى حماية هذه المعلمة الصناعية بموجب القوانين الوطنية المنظمة للتراث، والعمل على تثمينها وإعادة توظيفها ضمن تصور للسياحة الثقافية بالمدينة، بالنظر إلى ما تمثله من جزء من هويتها العمرانية والتاريخية.
واعتبرت الهيئات الموقعة على المراسلة التي تتوفر عليها جريدة “العمق المغربي”، أن الجبل الاصطناعي، الذي نشأ بفعل تراكم مخلفات استخراج الفحم الحجري منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم يعد مجرد تجمع للمواد الناتجة عن النشاط المنجمي، بل تحول مع مرور الزمن إلى معلمة مرتبطة بذاكرة جرادة العمالية والنضالية والإنسانية، في ظل الدور الذي اضطلعت به المناجم في تشكيل تاريخ المدينة وتحولاتها الاجتماعية والاقتصادية.
ومن جانبها، توضح المذكرة التقنية المرفقة بالمراسلة أن التلال الركامية الصناعية، المعروفة محليا باسم “التريلات”، تعد من المظاهر التي أسهمت في تشكيل الهوية العمرانية والثقافية لمدينة جرادة، باعتبارها نتاجا لتراكم مخلفات العمل المنجمي المرتبطة باستخراج الفحم الحجري، وما خلفته عقود من النشاط التعديني.
وحسب المعطيات الواردة في المذكرة، تضم المدينة جبلين صناعيين رئيسيين يرتبطان بتاريخها المنجمي؛ أولهما الجبل الاصطناعي الكبير “Grand Terril” الذي يقع بوسط المدينة في اتجاه حاسي بلال، بالقرب من منتزه ترفيهي، ويعد الأكبر من حيث الحجم والامتداد.
وتشير الوثيقة إلى أن هذا الجبل يحتوي على حوالي 18 مليون طن من المواد المختلفة، ويأخذ شكلا مستطيلا يميل إلى شبه منحرف، إذ يبلغ طول قاعدته نحو 450 مترا، وعرضها 412 مترا، فيما يصل ارتفاعه إلى 70 مترا. كما تفيد بأنه يمكن رؤيته من مسافة عدة كيلومترات، بالنظر إلى حجمه وموقعه داخل المجال الحضري للمدينة.
ولا تنظر المذكرة إلى هذه المعلمة من زاوية تكوينها الصناعي فحسب، بل تربط قيمتها أيضا بالذاكرة الجماعية لجرادة، باعتبارها شاهدا على الجهود التي بذلها عمال قدموا من مناطق مختلفة من المغرب للاشتغال في استخراج الفحم، والمساهمة في توفير الطاقة والموارد التي ارتبطت بمسار الاقتصاد الوطني.
وترى الجمعيات أن استحضار هذا البعد التاريخي يكتسي أهمية خاصة في ظل التحولات التي عرفتها المدينة، التي انتقلت، وفق ما ورد في الوثيقة، من منطقة ذات طابع ريفي إلى مدينة ارتبط تطورها بالنشاط المنجمي وبالطبقة العاملة.
وإلى جانب الجبل الاصطناعي الكبير، تتوقف المذكرة التقنية عند وجود جبل ركامي ثانٍ بالقرب من البئر رقم 2، مشيرة إلى أنه أصغر حجما من الأول، ولا يتجاوز ارتفاعه 10 أمتار، غير أنه يشكل بدوره جزءا من المشهد العمراني للمدينة، ويحمل ذاكرة مرتبطة بالنشاط المنجمي الذي طبع تاريخ جرادة.
وتندرج الإشارة إلى هذين المعلمين ضمن تصور أوسع يدعو إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع التلال الركامية، من خلال تجاوز حصرها في كونها مخلفات صناعية ناتجة عن الاستغلال المنجمي، والنظر إليها باعتبارها مكونات من التراث الصناعي الذي يوثق مرحلة مهمة من تاريخ المدينة.
وفي هذا الإطار، تقترح المذكرة إعادة تهيئة الجبال الركامية وتحويلها إلى نقاط جذب ثقافية وسياحية، بما يسمح بتثمين الذاكرة المنجمية لجرادة وربطها بآفاق التنمية المحلية. وترى الوثيقة أن هذه المعالم يمكن أن تضفي قيمة مضافة على المدينة، من خلال توظيفها في إبراز تاريخها الصناعي والعمالي، والمساهمة في تنشيط الاقتصاد المحلي.
كما شددت الجمعيات، في مراسلتها إلى الوزير، على أن وجود الجبل الاصطناعي الكبير داخل مجال حضري يعرف نموا عمرانيا متزايدا يجعل من حمايته مسألة ذات أهمية، داعية إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لضمان الحفاظ عليه، وتفادي ضياع معلمة ترى أنها تشكل جزءا من الذاكرة التاريخية للمنطقة.
وأشارت الهيئات المدنية إلى أنها أرفقت طلبها ببطاقة تقنية وصور ورسومات توضيحية خاصة بالمعلمة، مع إبداء استعدادها لتقديم مزيد من الشروحات والمعطيات بشأنها، ومواكبة الجهود الرامية إلى تأهيل التراث الثقافي الوطني.
اترك تعليقاً