شرطة الأخلاق: من منح البعض حق توزيع شهادات الفضيلة؟

شرطة بلا زيّ ولا مقر ولا قانون تراقب الأحياء والفضاءات العامة وما سواها من الأماكن. أفرادها متطوعون عيّنوا أنفسهم، وسلاحها نظرة تُحاسب وكلمة تُدين. تُباشر مهمتها بثقة من تلقى تفويضاً سماوياً، وتبقى الجهة التي منحته إياها مجهولة.
للإنسان قناعاته، وله أن يدافع عنها ويعلن رأيه في سلوك يخالفها. الخلل يقع لحظة تنقلب القناعة وصاية، ويتحول صاحبها إلى مراقب يحاكم الناس ويطالبهم بالامتثال لتصوره الخاص عن الأخلاق. يستعير العنوان اسم الجهاز الرسمي الذي عرفته بعض الدول، والمقصود في هذه السطور وصاية يمارسها أفراد بلا صفة ولا تكليف.
يرى هؤلاء في قناعاتهم معياراً مطلقاً يخولهم تصنيف الناس والحكم على سلوكهم. فرضها على المحيطين واجب عندهم، والاختلاف معها انحراف يستحق التقويم أو الإدانة. مع مرور الوقت تتحول المراقبة إلى عادة، ويستقر البحث عن أخطاء الآخرين في صلب علاقة الفرد بمحيطه.
تغرس التنشئة على الامتثال خوفاً من الاختلاف وتقديساً للعرف، وتترك في الرأس قناعة بأن حماية المجتمع تمر عبر نموذج أخلاقي واحد. في بيئات عدة تختلط القيم الإنسانية بالعادات والتصورات الموروثة اختلاط الماء بالطين في مجرى واحد، وتنقلب خيارات اجتماعية خاصة أحكاماً أخلاقية عامة. الثقافة الأبوية تمنح الوصاية تربة جاهزة: يرى الأب والأخ والجار في موقعهم تفويضاً بتوجيه الآخرين ومراقبتهم.
في تفاصيل اليوم تتخذ الوصاية وجوهاً مألوفة: جار يحصي من يصوم ومن يفطر، وقريب يعلق على لباس بنت العائلة، وعابر يسأل عن رفيقة صديقه، وزميل يحاسب على قراءة وكتاب. الفعل الذي يحاكمونه يمس صاحبه وحده، والأذى الوحيد في المشهد يصدر عن المحاكِم.
ثمن هذا الانشغال باهظ على جماعة تحتاج إلى طاقتها في معارك أخرى. من يحصي على الناس لباسهم وصيامهم وصحبتهم يوفر على الفساد والظلم والاحتكار عيناً ساهرة، ويمنح أصحاب النفوذ راحة مجانية. الاستبداد يرتاح إلى مجتمع مشغول بغرف نومه عن قاعة محاكمه.
المفارقة صارخة بين الخطاب الأخلاقي وممارسة أصحابه. يدافع المرء عن الفضيلة بالإهانة والتشهير، ويدعو إلى احترام القيم بانتهاك كرامة المخالفين. يتسامح مع أخطائه، ويواجه أخطاء الآخرين بقسوة شديدة، وينشغل بتفاصيل حياتهم الخاصة، ويغفل الصدق والعدل والرحمة والتواضع في علاقاته اليومية. أي قيمة أخلاقية لخطاب يدافع عن الفضيلة بأساليب تناقض جوهرها؟
منحت المنصات الرقمية هذه الشرطة منبراً وجمهوراً. يكفي مقطع مجتزأ أو موقف عابر لينعقد المجلس، وتتحول الهفوة إلى حكم على صاحبها بأسره. تتسابق الجماعات إلى إعلان نقائها، وتصدر أحكامها قبل التثبت، وتؤجل الإنصاف إلى وقت لا يأتي.
في التراث الديني نفسه ما يضيق على هذا السلوك. جاء النهي عن التجسس صريحاً في قوله تعالى «ولا تجسسوا» (الحجرات: 12)، ونفى القرآن عن النبي صفة المسيطر على الناس (الغاشية: 22)، وروى مسلم في صحيحه أن من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. وإذا لم يملك صاحب الرسالة صفة المسيطر على الناس، فمن أعطاها لهؤلاء ؟ الوصي يخالف بممارسته الأصل الذي يتكئ عليه.
مع ذلك، الإنصاف يفرض التمييز بين النقد الأخلاقي والوصاية. للإنسان أن يناقش السلوكيات وينتقدها ويقدم حججه، وللمسؤولية الاجتماعية أن تواجه الأفعال التي تلحق الضرر بالآخرين. هذا الحق يختلف عن ادعاء السلطة على اختيارات الناس وضمائرهم. منح الفيلسوف جون ستيوارت مِل حرية الفرد مكانة أساسية، ورأى أن تدخل المجتمع في خيارات الفرد لا يجد مبرراً إلا في منع الضرر عن الآخرين. السؤال الذي يفصل بين الحالتين بسيط: هل أصاب الفعل غير صاحبه بضرر؟ إن حدث ذلك، فللمجتمع أن يتدخل. وإن اقتصر الفعل على اختيار شخصي يخالف الذوق أو العرف، فالوصاية عدوان على حرية قائمة.
سيعترض الوصي بأن الفعل الخاص يمس المجتمع في نسيجه القيمي، وبأن التساهل مع الفرد اليوم يهدم قيم الجماعة غداً. الاعتراض يستحق الجواب، لأن فيه شيئاً من الحق: للجماعة قيم تتوارثها ولها أن تدافع عنها. غير أن الدفاع عن القيم يمر بالإقناع والتربية والقدوة، ويفقد شرعيته إذا مر بالتفتيش والتشهير. والضرر المعتبر هو الذي يصيب إنساناً بعينه في جسده أو ماله أو سمعته أو حريته. انزعاج الذوق العام من لباس أو عقيدة أو صحبة يصنع غضباً ولا يصنع ضحية. ولو جاز اعتماد الانزعاج معياراً، لوجد الاستبداد حجته الجاهزة في أي ذوق عام يضيق بمخالف.
ثمرة هذه الوصاية معروفة: نفاق يزدهر، واختيارات تختبئ خوف الإدانة، وثقة متبادلة تضعف، وحوار يضيق. وإذا تحولت العلاقات الإنسانية إلى مراقبة ومحاكمة، فقدت الأخلاق وظيفتها التربوية والإنسانية، وانقلبت أداة للضبط والإقصاء.
تستعيد الأخلاق معناها الإنساني بمساءلة الذات أولاً. الحوار يسبق الإدانة، واحترام الاختيار يسبق طلب الامتثال. تحتاج الأخلاق إلى النقد والحجة والقدوة، وتحتاج معها إلى التواضع والرحمة واحترام الكرامة الإنسانية.
للإنسان باب داخلي يفتحه صاحبه بإرادته. من اقتحمه بالتفتيش والمحاكمة كسر القفل، وأفسد ما أراد حراسته. الضمير يستقيم بالإقناع والقدوة والرحمة، ويحتاج إلى من يطرق ويصبر.
اترك تعليقاً