وجهة نظر

عمال النظافة بين الإقصاء الإجتماعي وغياب الحماية القانونية والمهنية

محمد بادرة

لا توجد فئة في الحياة اليومية نراها كثيرا ولا نفكر فيها إلا قليلا مثل فئة عمال النظافة أولئك الذين يغادرون بيوتهم باكرا وينهضون قبل الجميع ولا يعودون اليها إلا بعد أن تغفو المدن.. يعملون في صمت ومعاناة حماية للصحة العامة واستدامة نظافة المدينة مخاطرين بحياتهم في جمع النفايات وفي كل الظروف المناخية الصعبة حتى تبقى الشوارع صالحة للعيش بينما يمر الناس بقربهم دون أن يبادلوا حضورهم نظرة تقدير واعتبار ولعل المفارقة المؤلمة أن المهنة التي تحفظ الصحة العامة وتمنع انتشار الأمراض هي الأكثر تعرضا للإحتقار والوصم الإجتماعي تمييزا لهم عن باقي فئات وطبقات المجتمع واستصغارا لمكانتهم الاجتماعية إضافة إلى حرمانهم من الحقوق الإقتصادية والرعاية الصحية العادلة هذه المفارقة هي ما يعبر عنها الكثيرون بعبارة (ظلامة عمال النظافة) التي تتجاوز الأجور المتدنية لتصل الى بنية كاملة من التهميش والاقصاء.

من الناحية القانونية يتعرض عمال النظافة لأبشع أنواع الإستغلال في ظل غياب عقود عمل عادلة وتأمين صحي كامل ووسائل الحماية والأمان المهني ضد الأمراض والحوادث ويبدو المشهد أكثر إيلاما وظلما عند الشركات الخاصة ووسطاء التشغيل التي تحرمهم من نيل حقوقهم الكاملة المقررة قانونا، فمدونة الشغل المغربية (القانون رقم 99/65) يحدد أشكال عقود العمل وساعات العمل والراحة والإلتزام باحترام الحد الأدنى القانوني للأجر والزامية الإنخراط في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي والإستفادة من التأمين الإجباري عن المرض ) (AMOوالتعويض عن فقدان الشغل بالإضافة إلى البنود الإلزامية التي تفرضها الدولة في دفاتر التحملات الخاصة بصفقات التفاوض أو التدبير المفوض وشركات المناولة لكن واقعيا عمال النظافة غالبا ما يعملون بصفة عمال –هكذا-ودون عقود محددة (عقود غير محددة المدة أو قد تكون يومية أو شهرية أو..) خصوصا مع شركات المناولة أو التدبير المفوض فيحرم عمال النظافة من سنوات الأقدمية عند انتهاء صفقة شركة مناولة وإبرام صفقة مع شركة جديدة فيضطر البعض منهم لتوقيع استقالات أو عقود جديدة تمحو تاريخهم المهني بعيدا عن الحماية القانونية والإجتماعية الكاملة وأثناء العمل قد يحرمون من معدات السلامة كالقفازات الصحية وأحدية العمل الخاصة بالمهنة والكمامات والستر الواقية.. وهذا الإهمال لا يشكل مخالفة قانونية فحسب بل يعرضهم لتهديدات صحية مباشرة منها الإصابات الجسدية والإلتهابات التنفسية والتسممات البيئية ناهيك عن التعرض لمخاطر النفايات الطبية التي ترمى أحيانا دون فرزها.

ومن المفارقات التي يعيشها هذا القطاع المهمش اجتماعيا وقانونيا ومهنيا ان الدولة صادقت على عدد من الإتفاقيات الدولية التي تتعلق بالسلامة المهنية والعمل اللائق لكن الإلتزام الفعلي بها ما يزال محدودا وهو ما يشكل خللا مؤسسيا واضحا لا يتعلق بالقانون وحدة بل بمنظومة التنفيذ والرقابة..

أما الظلم الإجتماعي في حق هذه الفئة فلا تقل وطأة من الظلم القانوني فالمجتمع ما يزال ينظر الى عمال النظافة باعتبارهم في قاع الهرم المهني والإجتماعي رغم أنهم جنود الخط الدفاعي الأول عن الصحة العامة وجمال المدن وهذه مفارقة مؤلمة تعبر عن حجم المعاناة والتهميش والإجحاف الإجتماعي والإقتصادي الذي يتعرض له عمال النظافة رغم الأهمية القصوى لدورهم وهذه النظرة الدونية تولد شعورا بالنقص لذى العامل نفسه وتنعكس على طريقة التعامل العام معه وصولا إلى امتناع بعض الناس عن تقديم أبسط صور الإحترام لعامل النظافة فنادرا ما نجد مبادرات ترفع من شأنهم أو حملات مجتمعية تبرز أهمية ما يقومون به أما المؤسسات فآخر من يفكر فيهم هم عمال النظافة.. بل قد يواجه بعضهم سخرية وإهانة أو استعلاء في الشارع العام.. ومن ذلك التعالي اللفظي (بحال موالين الزبل.. في تشبيه لما هو كريه)- إلقاء الأزبال والنفايات بشكل متعمد في الشارع العام وأمام عمال النظافة في صورة فيها استخفاف بشخصه ومهنته– رفض مصافحتهم اثناء العمل أوالجلوس والحديث معهم.. بل منهم من يضع غطاء أو كمامة أثناء المرور بجوارهم وكأنهم نفايات كريهة– لا يستدعون إلى المناسبات الرسمية ولا يجلسون في الصفوف الأمامية بحجة المظهر والزي والمهنة- التقليل من شأن المهنة واعتبارها مهنة المنبوّذين اجتماعيا والمعذبين في الارض بدل النظر اليها كخدمة صحية وبيئية حيوية.. هذه الصور والمواقف تكشف الظلم الإجتماعي وغياب التضامن الإنساني مما يخلق جرحا نفسيا ويغدي ثقافة طبقية تتعارض جدريا مع قيم العدالة والمساواة التي ينشدها الدين والقانون.

وعلى المستوى الإقتصادي يعيش كثير من عمال النظافة في دائرة الفقر يتلقون أجورا متدنية بل أحيانا أقل من الحد الأدنى القانوني للأجر وأحيانا يتأخر صرف مستحقاتهم لأسابيع وشهور ويعملون بدوام كامل ليلا ونهارا قرّا وحرّا وقد لا يعوضون عن الساعات الإضافية خلال الأعياد والعطل الدينية والوطنية ويبقون دون خط الفقر لأن الأجور الشائعة في هذا القطاع تبقى جامدة ولا تواكب تقلبات تكاليف المعيشة ولا تتضمن هذه المهنة الحماية من الأخطار البيئية والصحية ولا تنصف العامل في التعويض عن العمل الليلي والمستمر وإن أصيب أحدهم أثناء العمل فإن التعويضات إما تكون معقدة إجرائيا أو غير متاحة أصلا في حالة العمال غير المسجلين ضمن قاعدة بيانات الضمان الاجتماعي. ان إعادة الإعتبار لهذه الفئة ليست مسألة تعاطف بل هي مسالة عدالة إجتماعية وسياسة عامة فمن غير المعقول أن يطلب من عامل النظافة أن يحمي صحة مدينة كاملة بينما لا لا يستطيع أن يحمى هو نفسه بالقوانين التي تكفل له حياة كريمة.. والطريق إلى رفع الظلم والتهميش والإقصاء يبدأ بتطبيق القانون بصرامة وتعديل العقود المؤقتة وتوفير معدات السلامة ورفع الأجور بما يتناسب مع خطورة العمل وإدماجهم في الضمان الإجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *