منتدى العمق

350 ألف متطوع… ووجه أبي في ذاكرة الوطن

رشيد حبيل

كان ذلك يوم السادس عشر من أكتوبر سنة 1975… حين أطلّ الملك الراحل الحسن الثاني على شعبه في خطاب تاريخي، معلناً عزمه تنظيم مسيرة خضراء سلمية نحو الصحراء. يومها خرجت الكلمات من حدود الخطاب، وعبرت الأثير كأنها رسالة من قلب البلاد إلى قلب كل مغربي… رسالة أيقظت في البيوت حكايات الأرض، واستنهضت في النفوس معاني الوفاء، وجعلت آلاف الرجال والنساء يستشعرون أن موعداً كبيراً يقترب.

ثم جاء الخامس من نوفمبر…

من مدينة أكادير، خاطب الحسن الثاني شعبه بنبرة القائد الذي يهيئ أمته لعبور تاريخي، وقال:

«شعبي العزيز، غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء، غدا إن شاء الله ستطؤون أرضا من أراضيكم، وستلمسون رملا من رمالكم، وستقبلون أرضا من وطنكم العزيز».

غداً… ستنطلق المسيرة!

يا لها من كلمة تختصر المسافة بين القرار والتنفيذ، ويا لها من لحظة كان فيها الغد أقرب إلى موعد مقدس منه إلى يوم عادي في حساب الزمن. تخيلوا البيوت وهي تنصت، والآباء وهم يتبادلون النظرات، والأمهات وهن يخبئن قلقهن خلف الدعاء، والشباب وهم يستعدون لرحلة تتجاوز حدود السفر… تخيلوا وطناً بأكمله كأنه يحبس أنفاسه في انتظار إشارة الانطلاق.

وفي خطابه نفسه استحضر الملك الآية الكريمة: «فإذا عزمت فتوكل على الله»، ثم قال:

«لقد عزمنا وعزمنا جميعا ككل مرة في التاريخ، قررنا أن نعزم عزمنا وقررنا أن نسير بمسيرة سلمية خضراء… معتمدين قبل كل شيء على إرادتنا وإيماننا».

كانت الإرادة كلمة السر… وكان الإيمان وقود المسير… وكانت الراية المغربية عنوان الطريق.

وفي ذلك الزخم التاريخي، كان أبي واحداً من الرجال الذين استجابوا للنداء.

خرج أبي…

يا لها من صورة تستحق أن تتوقف عندها الذاكرة طويلاً! رجل يغادر بيته، يترك خلفه تفاصيل يومه وألفة المكان، ويشد الرحال نحو أرض بعيدة، وفي صدره شعور يتجاوز حدود الفرد والأسرة. لم يكن يعرف أن خطاه ستتحول بعد سنوات إلى حكاية أرويها، وأن رحلته ستصبح بالنسبة إليّ نافذة أطل منها على واحدة من أكثر لحظات التاريخ المغربي رسوخاً.

كان أبي يمضي نحو الصحراء… وكانت الصحراء تقترب منه.

ذهب أبي إلى هناك… وذهبت معه.

نعم، ذهبت معه بكل ما تختزنه الذاكرة من خيال، وبكل ما يختزنه القلب من اعتزاز؛ سرت في أثره، وتتبعت خطاه بين رمال المخيلة، وسمعت في داخلي صدى النداء الملكي يتردد من جديد. تخيلت الطريق وهو يمتد أمامه، والرايات وهي تتعالى فوق الرؤوس، والجموع وهي تتقدم في انتظام، كأن المغرب كله قد اختصر مسافاته في تلك اللحظة، وجمع نبضه في وجهة واحدة.

أبي لم يكن متفرجاً على التاريخ… لقد كان واحداً من الذين ذهبوا ليكونوا في قلبه.

وفي السادس من نوفمبر 1975، انطلقت المسيرة الخضراء بمشاركة 350 ألف متطوع ومتطوعة… ثلاثمائة وخمسون ألفاً من مختلف جهات المملكة، اجتمعوا في مشهد استثنائي، حملوا المصاحف والأعلام الوطنية، وتهيؤوا لعبور المسافة نحو الصحراء.

ثلاثمائة وخمسون ألف قلب يخفق… ثلاثمائة وخمسون ألف إرادة تتقدم… ثلاثمائة وخمسون ألف حكاية شخصية التقت في حكاية وطنية واحدة.

تأملوا المشهد جيداً…

من الشمال جاءت الخطوات، ومن الشرق امتدت العزائم، ومن الغرب والوسط والقرى والبوادي انطلقت الوجوه التي لم تجمعها لغة واحدة أو مهنة واحدة أو ظروف اجتماعية متشابهة؛ جمعتها راية واحدة، وذاكرة مشتركة، وإحساس عميق بأن الوطن يستدعي أبناءه.

كانت طرفاية تنتظر…

هناك، على تخوم الرمال، احتشد المتطوعون، وتلاحقت الصفوف، وتعالت الهتافات، وارتفعت الأعلام المغربية كأنها غابة من الرايات تشق الأفق. كان المشهد مهيباً؛ أقدام تضرب الأرض بإيقاع متتابع، ووجوه تتطلع إلى البعيد، وصدور تضيق بها العاطفة، وأيدٍ تحمل المصاحف والأعلام، بينما تتقدم الحشود في صورة تختلط فيها حرارة الشمس بحرارة الوجدان.

ومن طرفاية إلى اتجاه العيون… امتد الطريق، واتسعت الحكاية.

يا طرفاية… كم من قلب احتضنتِ في ذلك اليوم؟ وكم من قدم تركت فوق رمالك أثراً لا تراه العين، لكنه بقي في ذاكرة التاريخ؟!

ويا عيون الصحراء… كم من شوق حملته إليك تلك الحشود، وكم من حكاية عبرت المسافات حتى بلغت تخومك؟!

هناك، وسط ذلك الامتداد الرملي، أتخيل أبي…

أراه بين الرجال، وخلفه قوافل المتطوعين، وأمامه أفق الصحراء المفتوح. أتصوره يرفع رأسه، يتأمل الرايات، ويستشعر رهبة المكان وعظمة اللحظة. ربما كانت الرمال تتسلل إلى حذائه، وربما كان التعب يثقل خطاه، لكن شيئاً في داخله كان يدفعه إلى مواصلة الطريق؛ ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان ينسى مشقة المسافة عندما يتعلق الأمر بما يؤمن به.

وأتساءل اليوم: ماذا رأى أبي عندما وطئت قدماه أرضاً من أرض الصحراء؟ كيف استقبلت عيناه ذلك الأفق؟ أي صورة احتفظ بها في ذاكرته؟ وأي شعور استقر في قلبه وهو يرى مئات الآلاف من أبناء وطنه يسيرون إلى جانبه؟

كم أتمنى لو أستطيع أن أستعير عينيه للحظات… أن أرى الرمال كما رآها، وأن أسمع الهتافات كما سمعها، وأن أعيش معه تلك اللحظة التي تحولت فيها الخطوة الفردية إلى جزء من مشهد تاريخي عظيم.

وفي التاسع من نوفمبر 1975، وبعد أن أعلنت المسيرة تحقيق أهدافها الميدانية في سياق التحرك السياسي والدبلوماسي، وجّه الحسن الثاني المتطوعين إلى العودة نحو نقطة الانطلاق.

عاد الرجال والنساء… وعادت القوافل.

لكن ما حدث في تلك الأيام بقي أكبر من حدود الأيام نفسها؛ فقد ترك في الذاكرة المغربية صورة شعب استجاب لنداء، وصورة رجال ونساء جعلوا من حضورهم شهادة على قوة التعبئة والإرادة الجماعية.

وعاد أبي…

عاد من الصحراء، وعادت معه حكاية ظلت تنتظر أن تجد طريقها إلى كلماتي. ولعلني اليوم، وأنا أكتب عنه، أدرك أن بعض الرحلات تنتهي عند نقطة العودة، بينما تبدأ رحلات أخرى داخل ذاكرة الأبناء.

لقد ذهب أبي إلى الصحراء، وذهبت معه أنا أيضاً… لا لأنني أبحث عن وصف رحلة عابرة، وإنما لأنني أشعر أن في خطواته شيئاً من جذوري، وفي حكايته جزءاً من انتمائي، وفي ذاكرته مساحة من تاريخ وطني.

أبي… أنت حملت قدميك إلى الصحراء، وأنا حملت قلبك إليها.

وإذا كان التاريخ قد احتفظ بأرقام المسيرة ومحطاتها، فإنني أحتفظ بصورة أخرى؛ صورة رجل من أبناء هذا الوطن غادر بيته، واستجاب لنداء بلاده، وترك في ذاكرة أسرته أثراً لا تقدر السنوات على محوه.

يا أبي، حين أقرأ عن المسيرة الخضراء، لا أرى ثلاثمائة وخمسين ألف متطوع ومتطوعة فقط… أرى وجوهاً، وأسمع أصواتاً، وأستحضر حكايات، وأبحث بينها عن وجهك. وحين أسمع اسم طرفاية، أتخيل خطاك فوق رمالها، وحين تذكر العيون، أشعر أن بيني وبينها طريقاً قديماً رسمته قدماك.

لقد كنت هناك…

وهذه وحدها حكاية تستحق أن تُروى.

سلام على أولئك الذين لبّوا النداء، وعلى الذين حملوا الرايات والمصاحف، وعلى الذين تركوا خلفهم بيوتاً تنتظر عودتهم، وعلى كل أم ودّعت ابنها بالدعاء، وكل أب حمل في صدره عزة الانتماء.

وسلام عليك يا أبي…

فقد ذهبتَ إلى الصحراء رجلاً يحمل راية وطنه، وعدتَ منها شاهداً على لحظة من تاريخ بلاده… أما أنا، فقد ورثت منك طريقاً لا تقطعه الأقدام، وإنما تقطعه الذاكرة كلما اشتاقت إلى الوطن.

وما زلت كلما استعدت ذلك النداء، أسمع صوته في أعماقي:

«غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء…».

فأرى أبي يمضي من جديد… وأمضي معه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *