منتدى العمق

طاميم وأخواتها

طاميم وأخواتها

على سبيل العادة والعرف تشكلت مبادرات وفعاليات، تُكسب القيم حضورها العملي، وتؤسس للعلاقات الاجتماعية أخلاقيات تؤطرها وتعززها، وتحسم الخلافات والمنازعات، وتواجه بعض أشكال القبح اليومي، دون الحاجة لطرق أبواب المحاكم.

وفي ذاكرة المغرب بأسواقه وأزقته، وفضاءاته التي تحفل بالمشترك من أوجه النشاط الإنساني، صور عديدة وأمثلة فريدة، لتصرفات وسلوكيات تنهل من منابع الشريعة والموروث الثقافي. تصرفات أملتها الأزمات والكوارث، والتقلبات التي تفجر المكنون الإنساني.

في كتيب طريف عن العادات والأعراف بالمغرب، يستنطق الفنان المرحوم أحمد الطيب لعلج ذاكرة فاس العتيقة، لا ليحاور الأسوار والأبواب والمزارات، وإنما ليثير كوامن الفعل الإنساني المفعم بالقيم، ويرصد مظاهر فلسفة حياة يومية تحتفي بالنبل والمروءة.

لم تكن أسواق فاس مجرد فضاء لبيع وشراء المنتجات، وتدوير قصص الربح والخسارة؛ بل مثّلت أيضا حيزا دافئا للتعبير عن القيم، وإبداع أشكال من التضامن والتآزر، توشك أن تفقد بريقها أمام الزحف المؤسسي والقانوني.

اشتهرت أسواق فاس بعملية (طاميم)، وهي لفظة مغربية تعني الاكتتاب. فحين يتعرض تاجر لخسارة فادحة، أو يتعرض للإفلاس بسب تراكم الديون، يسارع تجار السوق قاطبة لنجدته، فيجمعون له المال اللازم بواسطة (طاميم)، إما بفرض مبالغ معينة، أو ترك الباب مفتوحا لتتحرك الهمم على قدر الإمكانيات، وفي سرية تامة بحيث لا يعلم المعني بالأمر شيئا عنها.

أما مبادرة (الكشكول) فتختلف عن طاميم بكونها علنية وبدون أي تحفظ. والكشكول عبارة عن وعاء يوضع فوق كفة الميزان، ويطوف به متطوعون في السوق مرددين عبارات تحرك نوازع الخير، دون الإفصاح عن اسم المتضرر أو ظروفه.

يتميز الكشكول بكونه يتسع لأشياء مختلفة الحجم. واكتسب حضوره بُعدا اجتماعيا مؤثرا حتى راجت بين الناس عبارة” فلان مسكين شد الكشكول” كناية عن ضيق الحال.

وحين يصبح العرض أكبر من الطلب، وتتراكم البضائع في المتاجر دون أن تجد مشترين، تنشط همم التجار لمساندة المتضرر عن طريق (الحبورة)، وهي لفظة عامية تعني بقايا السلع المعروضة، حيث يقومون بتوزيعها على دكاكين السوق، إما بشرائها وادخارها، أو بتسديد ثمنها بعد بيعها على المدى الطويل. فكان التخلص من الحبورة تضامنا فريدا يُعفي المتضرر من بيع سلعته بثمن زهيد.

وفي النوائب والكوارث اتخذت العلاقات بين التجار، وفي كثير من الأحيان، صورة يد ممدودة ومسعفة، تُنجد من ضاق به الحال وأشرف على الإفلاس. وكان من أبرز مظاهرها حرص تجار تطوان على تسليف بعضهم البعض مبالغ مالية، بعد الحرب الإسبانية التي انتهت بتوقيع اتفاقية واد راس عام1860، مساندة منهم لمن تهدده الإفلاس، وقرر الهجرة في اتجاه المدن والقرى المجاورة. وكان لهذه المعاملة صداها الواسع، مما حذا بالتجار اليهود إلى اعتماد التسليف من نظرائهم المسلمين لاستعادة النشاط التجاري بالمدينة، بعد هجرة كبار التجار اليهود إلى أمريكا الجنوبية.

غير بعيد عن الأسواق والمتاجر ودكاكين “الصنايعية”، شكّلت الأزقة ودروب المدينة العتيقة مسرحا لقيم التآزر، بصور لا تقل طرافة وجمالية. فكان الجار الجديد، خاصة في “ديور الكرا” يُستقبل بحفاوة، ويتفرغ مَن حَوله في تحضير طعامه ليوم كامل، كي يتفرغ لترتيب أثاثه. ثم يبدأ برنامج التعارف الذي يوثق الأواصر بمقتضى المكانة التي خصتها الشريعة للجار. وبحكم المساكنة والمعايشة، كان تتبع أحواله وأخباره من لوازم الجيرة التي تفرح لفرحه وتتألم لشقائه، حتى تردد بين المغاربة المثل القائل:” جاري يا مرايا، إيلا ماشاف وجهي يشوف كَفايا (قفاي)”.

“سلفونا طاجينكم” نموذج آخر للقيم العملية التي لم يشغلها عبء التنظير في مشاربها الفلسفية، بقدر ما اهتمت بالتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وكسر ألواح الجليد التي تشلّ الحركة والفعل. آنذاك كان في وسع الأسرة التي يطرق باب بيتها ضيف في يوم تقشفها، وهو اليوم الذي تقرر فيه ألا تجهز طعاما، وأن “تقضي بما يتيسر”، كانت لا تجد حرجا في طلب النجدة من الجار الذي أعد طعاما لائقا. وعملا بمبدأ “اليوم علينا وغدا عليكم” تدور الطواجين سخية وعفوية، تُمليها قيم متأصلة تقدس الواجب.

وعلى غرار الطاجين كان التماس الخبز من الجار حدثا عاديا ومتكررا، بل اعتبروا شراء الخبز من السوق أمرا لا يليق إلا بالغرباء عن المدينة أو زوارها الأجانب، حتى شاع بينهم المثل القائل:” خبز السوق ما ينفع غير البراني”.

أنضجت المسؤولية إزاء الجار تصرفات ومواقف تحز في النفس، عند مقارنتها بالنزاعات الصغيرة التي تشهدها مخافر الشرطة كل يوم. ففي هذا الزمن القاسي يبدو انتقال الجار إلى حي أو مدينة أخرى عاديا ولا يثير غرابة، بينما شكّل حتى وقت قريب حدثا يسعى الجميع لمعرفة أسبابه وحيثياته. ومن طريف ما يحكيه العلج في هذا الشأن أن أحدهم اضطر لرهن بيته مقابل سلف ثم عجز عن رده؛ فتم الاتفاق على أن ينقل رحيله ليلا وفي سرية وتكتم شديد، على أن يُحضر المالك الجديد أثاثه هو كذلك بغير ضجيج أو عجيج. لكن الحي الذي استفاق على وجه ساكن جديد، سرعان ما يبدأ بالبحث عن السبب، ثم تبدأ مهمة جمع الإسهامات والعطايا لسداد الدين، وإرجاع جارهم القديم إلى بيته.

ولا يزال للهدايا في الأوساط الشعبية وظيفتها التكافلية، فهي دَين وسلف، ونوع من الدعم الذي يجب أن يُكافأ بمثله أو بأفضل منه. وفي ذلك جرت أمثال منها: ” تحتاجني ونحتاجك”، و” اللي كلَ دجاج الناس يسمن دجاجه”، و”اعمل الخير ف أهله و فغير أهله، حتى يجيب الله اللي يستاهله”. وتبادلها في السراء والضراء يصحبه كلام لبق ومختار بعناية، خصوصا حين يكون القصد منها تحمل قسط من الأعباء المادية، أو سلفا بعيد المدى، وبلا منّ أو فائدة.

إن طاميم وأخواتها ليست سوى تعبير عن مستوى الوعي الحضاري الذي تعكسه أعرافنا وتقاليدنا، وعن الحس التضامني الفريد الذي عبّر عنه المغاربة بطواعية وتلقائية، ومن خلال مبادرات تنم عن إبداع وتحضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *