سياسة

روائح مخلفات الأبقار تخنق سكان أنفا.. فعاليات مدنية تلوح بمقاضاة المسؤولين عن ميناء البيضاء

روائح مخلفات الأبقار تخنق سكان أنفا.. فعاليات مدنية تلوح بمقاضاة المسؤولين عن ميناء البيضاء

تتجه فعاليات مدنية ومهتمة بالشأن المحلي بمدينة الدار البيضاء، وخاصة بدائرة أنفا، نحو التصعيد القانوني في مواجهة الجهات المسؤولة عن تدبير وتنظيم ومراقبة ميناء الدار البيضاء، على خلفية الروائح الكريهة المنبعثة من محيطه، والتي أثارت موجة من الاستياء والتذمر في صفوف الساكنة، بعدما أصبحت تشكل مصدر إزعاج يومي يؤثر على ظروف العيش والراحة داخل عدد من الأحياء المجاورة.

وأفادت معطيات توصلت بها جريدة “العمق المغربي” بأن عددا من الفعاليات والمواطنين يدرسون إمكانية اللجوء إلى القضاء ورفع دعاوى ضد المؤسسات العمومية والجهات المعنية بتدبير الميناء ومراقبة أنشطته، وذلك على خلفية انتشار روائح كريهة يشتبه في ارتباطها بمخلفات الأبقار المستوردة، وما تسببه من إزعاج للساكنة، خصوصا في ظل استمرار الشكاوى بشأن صعوبة تحمل هذه الروائح داخل المنازل والفضاءات العامة.

وأضافت المصادر ذاتها أن التحركات المرتقبة لا تقتصر على المطالبة بالتدخل العاجل لوضع حد لهذه الوضعية، بل تتجه أيضا إلى مساءلة الجهات التي يفترض أن تسهر على احترام الشروط البيئية والصحية داخل الميناء، وتحديد المسؤوليات بشأن تدبير مخلفات المواشي المستوردة، ومدى اتخاذ التدابير الضرورية لتفادي انتشار الروائح خارج المجال المينائي ووصولها إلى الأحياء السكنية المجاورة.

وأوضحت المصادر أن المتضررين يستندون في تحركاتهم إلى كون الحق في بيئة سليمة والعيش في ظروف صحية ملائمة من الحقوق التي يحميها القانون، معتبرة أن استمرار الروائح الكريهة، متى ثبت تجاوزها الحدود المقبولة وتسببها في أضرار أو إزعاج غير عادي، يمكن أن يشكل أساسا للمطالبة بالتدخل القضائي، سواء من أجل وقف مصدر الضرر أو المطالبة بالتعويض عنه.

ولا يشترط بالضرورة وفق نفس المعطيات، إثبات الإصابة بمرض معين، إذ يمكن أن يكون الضرر المعنوي أو المساس بالراحة والانتفاع العادي بالمساكن محل مطالبة قانونية، متى توفرت شروط الإثبات.

وفي هذا السياق، يبرز القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة باعتباره أحد المداخل القانونية التي يمكن للمتضررين الاستناد إليها، لاسيما المادة 76 التي تتيح لكل شخص ذاتي أو معنوي تعرض لانبعاث روائح ألحقت ضررا بصحته أو ممتلكاته مطالبة الإدارة بإجراء تحقيق في الموضوع.

كما تنظم هذه المادة آجال التفاعل مع الشكايات وإبلاغ أصحابها بنتائج التحقيق، وهو ما يفتح المجال أمام السكان لمطالبة الجهات المختصة بالتحقق من مصدر الانبعاثات وطبيعتها ومدى احترامها للمعايير البيئية المعمول بها.

ومن بين النصوص القانونية التي تحضر بقوة في هذا الملف أيضا القانون رقم 71.18 المتعلق بشرطة الموانئ، الذي يتضمن مقتضيات خاصة بحماية المجال المينائي والحد من مصادر الإزعاج والتلوث، حيث تنص المادة 58 منه على منع انبعاث الروائح الكريهة داخل الميناء عندما تتجاوز الحدود أو التركيزات المسموح بها وفقا للمعايير القانونية والتنظيمية، فيما تنص المادة 121 على غرامة إدارية قدرها 30 ألف درهم بشأن المخالفات المرتبطة بتجاوز الحدود المسموح بها لانبعاث الروائح الكريهة.

وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الأنشطة التي يعرفها ميناء الدار البيضاء، باعتباره أحد أبرز الموانئ التجارية بالمملكة، وما يستقبله من شحنات وبضائع مختلفة، من بينها المواشي المستوردة، الأمر الذي يفرض اتخاذ تدابير دقيقة بشأن تفريغ الحيوانات وتخزينها وتدبير مخلفاتها، بما يمنع تحول الأنشطة التجارية والمينائية إلى مصدر للتلوث أو الإضرار براحة السكان القاطنين بالقرب من المنشآت المينائية.

وعلى مستوى المسؤولية المدنية، تبرز مقتضيات الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود، باعتبارهما أساسا قانونيا يمكن للمتضررين الاستناد إليه للمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية. فالفصل 77 يؤسس للمسؤولية عن الفعل الذي يتسبب في إلحاق الضرر بالغير، فيما يرتب الفصل 78 المسؤولية عن الأفعال التي تصدر عن الإنسان عن بينة واختيار، وتحدث ضررا للغير نتيجة الإهمال أو عدم التبصر أو عدم الاحتياط.

ويظل تفعيل هذه المقتضيات مرتبطا بإثبات الضرر والخطأ والعلاقة السببية بينهما، فضلا عن تحديد الجهة التي تتحمل المسؤولية القانونية.

وفي سياق متصل، نفى مولاي أحمد أفيلال، نائب عمدة الدار البيضاء المكلف بقطاع النظافة والبيئة، وجود أي علاقة لجماعة الدار البيضاء بالروائح الكريهة المنبعثة من ميناء المدينة، وذلك على خلفية الجدل المتصاعد بشأن مصدر هذه الروائح، وما خلفته من استياء في صفوف عدد من سكان الأحياء المجاورة للميناء.

وأوضح أفيلال، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن المعطيات المتوفرة لديه تشير إلى أن مصدر هذه الروائح يرتبط بميناء الدار البيضاء، وتحديدا بمخلفات المواشي المستوردة، مؤكدا أن الأمر يتعلق بأنشطة تتم داخل المجال المينائي، ولا تدخل ضمن الاختصاصات المباشرة لجماعة الدار البيضاء أو المصالح التابعة لها.

وشدد نائب عمدة الدار البيضاء على أن الميناء يتوفر على مؤسسات وسلطات خاصة تتولى الإشراف على تسييره وتنظيم أنشطته ومراقبة مختلف العمليات التي تتم داخله، مبرزا أن جماعة الدار البيضاء لا تتوفر على أي اختصاصات أو صلاحيات تدبيرية أو سلطوية تخول لها التدخل في شؤون الميناء أو مراقبة الأنشطة المرتبطة به.

وأضاف المسؤول الجماعي أن مسؤولية تدبير هذه الوضعية ينبغي أن تناقش مع المؤسسات والجهات المختصة التي تشرف على الميناء، باعتبارها الجهات المعنية بتتبع الأنشطة التي تتم داخله، والسهر على احترام الضوابط المرتبطة بالنظافة والسلامة والبيئة، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع انتشار الروائح الكريهة خارج المجال المينائي ووصولها إلى المناطق السكنية المجاورة.

وتأتي هذه التوضيحات في وقت تتزايد فيه مطالب عدد من الفعاليات المحلية والساكنة المتضررة بتحديد المسؤوليات بشأن هذه الروائح، ووضع حد لمعاناة السكان، وسط توجه بعض الفعاليات نحو دراسة إمكانية سلوك المساطر القانونية والقضائية لمساءلة الجهات المعنية بتدبير ومراقبة ميناء الدار البيضاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *