سنوات الجمر والرصاص.. ذاكرة وطن أم وقود للخصومات؟

أعادت الوقفة الاحتجاجية التي شهدتها مدينة تيفلت يوم 8 نونبر 2026، بمبادرة من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومشاركة فعاليات سياسية وحقوقية يسارية، ملف سنوات الجمر والرصاص إلى واجهة النقاش العمومي. رفعت الوقفة مطالب بمساءلة محمود عرشان، عميد الشرطة السابق والمستشار البرلماني، على خلفية اتهامات ترتبط بماضيه المهني، وشملت شعارات المشاركين قضايا الحريات والاعتقالات وما وصفوه بعودة مظاهر التضييق على العمل السياسي والحقوقي.
تثير هذه الوقفة أسئلة تخرج عن حدود الخلاف مع شخص بعينه، وتمس طبيعة الخطاب السياسي الذي ما زال بعض الفاعلين يستحضرونه وعلاقته بالتحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الماضية. ما جدوى إحياء معارك سياسية وأيديولوجية تعود إلى مرحلة الحرب الباردة؟ وما الحد الفاصل بين المطالبة بصيانة الذاكرة الوطنية وتوظيفها في تصفية الحسابات السياسية؟
في المبدأ، الاحتجاج حق دستوري، والمطالبة بالإنصاف والمساءلة من صميم العمل الحقوقي. مع ذلك، يبقى من حق المتتبع مناقشة موضوع الاحتجاج وأولوياته والخطاب الذي يؤطره ومدى ارتباطه بالانتظارات الفعلية للمجتمع.
يصعب فهم النقاش حول سنوات الرصاص دون استحضار التحول الذي عرفه المغرب مع إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004. اختار المغرب آنذاك معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بمقاربة وطنية ارتكزت على تقصي الحقيقة وجبر الضرر الفردي والجماعي ورد الاعتبار للضحايا وحفظ الذاكرة وإقرار ضمانات مؤسساتية وقانونية تحول دون تكرار مآسي الماضي.
شكلت الهيئة محطة تاريخية في مسار المصالحة الوطنية: أنجزت أبحاثا، واستقبلت شهادات الضحايا، ونظمت جلسات استماع عمومية، وأوصت بتعويض المتضررين وعائلاتهم، وبتأهيل المناطق التي تضررت من الانتهاكات، وبإصلاح المؤسسات المرتبطة بحماية الحقوق والحريات.
استندت فلسفة المصالحة إلى الاعتراف بما جرى ورد الاعتبار لمن عانوا وتحويل التجربة إلى ذاكرة وطنية تحفظ الدروس والعبر، مع إبقاء معاناة الضحايا حاضرة في هذه الذاكرة. تحتاج البلدان التي مرت بتجارب مؤلمة إلى شجاعة الاعتراف وإلى إرادة سياسية لبناء مستقبل مشترك بعيدا عن استدامة الخصومات القديمة.
ومن ثم ينبغي أن يكون طي صفحة سنوات الجمر والرصاص اختيارا وطنيا تتوافق عليه الدولة والمجتمع والفاعلون السياسيون والحقوقيون، وأن يشمل صيانة حقوق الضحايا واستكمال برامج جبر الضرر واحترام نتائج عمل الهيئة. تبقى استعادة تلك المرحلة مجالا للبحث التاريخي والتوثيق وصيانة الذاكرة الجماعية، مع إبقاء الماضي خارج منطق التعبئة السياسية الدائمة.
بالمنطق نفسه، تعني الموضوعية التمييز بين الاتهامات المرتبطة بماضي محمود عرشان المهني وبين المواقف والتصريحات التي صدرت عنه خلال السنوات الأخيرة. اشتغل الرجل في جهاز الشرطة خلال مرحلة سنوات الرصاص، وارتبط اسمه في شهادات حقوقية وإعلامية بملفات التعذيب والاعتقال، خصوصا ما يتعلق بمعتقل درب مولاي الشريف. ظلت تلك الاتهامات موضوع سجال بينه وبين عدد من الحقوقيين والفاعلين السياسيين.
شهادات الضحايا وعائلاتهم جديرة بالاحترام والتوثيق، والاتهامات المرتبطة بالانتهاكات تحتاج إلى تدقيق يراعي الأدلة والمسؤولية الفردية والضمانات القانونية. التعامل مع الوقائع بجدية مسؤولية تاريخية وأخلاقية، تنأى عن الأحكام المسبقة وعن تحويل الاتهام إلى إدانة قضائية دون حكم.
أثار خروج عرشان إلى البرلمان النقاش من جديد وأعطى الوقفة مبررا مباشرا، بما رافق مداخلته من تصريحات استفزازية تجاه منتقديه ووصفه لهم بالطابور الخامس. كان ذلك تصرفا غير موفق، لأن المؤسسة التشريعية فضاء للنقاش المسؤول، ولأن التعامل مع القضايا المرتبطة بسنوات الرصاص ينبغي أن يتسم بتحفظ كبير واحترام لمشاعر الضحايا وعائلاتهم.
كان بإمكان عرشان أن يتعامل مع الانتقادات بحكمة سياسية، وأن يقدم روايته بهدوء، وأن يترك للمؤسسات المختصة معالجة الاتهامات وفق القواعد القانونية. باستعماله لغة التحدي والاستفزاز، أعاد ملفا كان المغاربة يتطلعون إلى وضعه ضمن الذاكرة الوطنية إلى واجهة سجال سياسي وحقوقي جديد.
زاد من حدة التوتر الجدل الذي أثارته تصريحات أحد أعضاء حزبه تجاه المناضل الوطني الراحل محمد بنسعيد آيت إيدر، وما تضمنته من اتهامات بالعمالة والخيانة. المساس برموز الحركة الوطنية والمقاومة يؤدي إلى سجال يضر بالحياة السياسية، لأن تاريخ الشخصيات الوطنية موضوع للنقاش والتوثيق وفق معايير البحث التاريخي والإنصاف. بذلك اتسعت دائرة الاحتقان بمدينة تيفلت.
يحتاج الخطاب الذي رافق الوقفة إلى قراءة فكرية هادئة. تشكل جزء من اليسار المغربي في مرحلة اتسمت بالصراع الأيديولوجي الحاد، وتأثر بالمرجعيات الماركسية والاشتراكية وبالاستقطاب الدولي الذي طبع الحرب الباردة. كانت قضايا الاعتقال السياسي والصراع مع السلطة ومناهضة الاستبداد بارزة في أدبياته وممارساته.
عرف المغرب بعد ذلك تحولات سياسية واجتماعية غيرت معطيات العمل لدى مختلف التيارات: تطورت المؤسسات، واتسعت مجالات المشاركة السياسية، ودخلت قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية والحكامة وحقوق الإنسان إلى صلب النقاش العمومي.
مع ذلك، يواصل بعض الفاعلين اليساريين استحضار اللغة السياسية نفسها التي سادت العقود الماضية وإعادة إنتاج الشعارات القديمة، كأن الزمن السياسي والاجتماعي ثابت. يثير ذلك سؤال التجديد داخل اليسار ومدى قدرته على الانتقال من ذاكرة الصراع إلى إنتاج أفكار ومشاريع تستجيب لانتظارات الأجيال الجديدة.
الوفاء للتاريخ النضالي يعني حفظه وتوثيقه وتقديمه للأجيال وقراءة التحولات بوعي ومسؤولية. من يحول الذاكرة إلى مادة دائمة للتعبئة يجعل السياسة استعادة متكررة لخصومات استهلكت قسما كبيرا من تاريخ البلاد.
في المقابل، تحتاج مدينة تيفلت، مثل مدن مغربية عديدة، إلى اهتمام سياسي ومدني بقضايا التنمية وفرص الشغل والصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية وتحسين الخدمات العمومية. هذه الملفات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وتستحق مبادرات احتجاجية وترافعا مستمرا ومساءلة للمنتخبين والمسؤولين عن تدبير الشأن المحلي.
من حق الهيئات الحقوقية أن تشتغل على ملفات الذاكرة والانتهاكات، ومن حق المواطنين انتظار حضورها في القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في حياتهم اليومية. تنوع مجالات النضال دليل على حيوية المجتمع، شريطة أن يرتب الفاعلون السياسيون أولوياتهم ويربطوا الشعارات بانتظارات الناس.
الحديث عن عودة التضييق على الحريات والاعتقالات ذات الخلفية السياسية يحتاج إلى مناقشة دقيقة تتناول الحالات واحدة واحدة، مع استحضار المعطيات القانونية والقضائية والوقائع المرتبطة بها. وخطاب القضايا الحقوقية ينبغي أن يستند إلى الحجج والوثائق ويبتعد عن التعميم وعن توظيف مفردات الصراع الأيديولوجي دون تدقيق.
من جهة أخرى، تسيء بلاغات التهديد والتخوين التي صدرت في خضم التوتر بين حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية والجهات الداعية إلى الاحتجاج إلى قواعد الاختلاف السياسي. الحق في الاحتجاج يقابله واجب احترام المخالف، والاختلاف مع الجمعيات الحقوقية مشروع، وتهديدها أو التشكيك في نوايا أعضائها خارج حدوده.
على المتتبع أن يتجه في قراءة النقاش الذي أثارته وقفة تيفلت إلى ما وراء الانفعال والمواقف الجاهزة. عرشان مسؤول عن تصريحاته ومواقفه العامة، وعلى المطالبين بمساءلته أن يقدموا خطابا يستند إلى الوقائع والأدلة والمساطر القانونية.
اختار المغرب، عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، طريقا تاريخيا يروم جبر الضرر ورد الاعتبار وبناء المصالحة الوطنية. تستحق تجربة تلك الهيئة مكانتها في التاريخ السياسي والحقوقي للمملكة، ومرجعية الأجيال المقبلة في فهم ما جرى واستيعاب دروسه.
طي صفحة سنوات الجمر والرصاص مصلحة وطنية مشتركة، شريطة أن يقترن بالتوثيق والاعتراف بمعاناة الضحايا. المصالحة تعني بناء الثقة وترك الأجيال الجديدة تتجه إلى المستقبل دون أن ترث خصومات تستهلك جهدها وتعيد إنتاج انقسامات الماضي.
تحتاج تيفلت إلى خطاب سياسي يلتفت إلى حاضرها ومستقبلها ويضع التنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية في صدارة الاهتمام. أخذت سنوات الرصاص مكانها في التاريخ الوطني، وتظل في الذاكرة درسا جماعيا في قيمة الحرية وكرامة الإنسان، تحفظه الدولة والمجتمع حتى لا تتكرر مآسيها.
السياسة مسؤولية تجاه المستقبل، والذاكرة أمانة تجاه الماضي، والمصالحة الوطنية هي الجسر الذي يجمع بينهما.
اترك تعليقاً