عن مؤشر الصدق السياسي
https://al3omk.com/121762.html

عن مؤشر الصدق السياسي

ما كانت السياسة لتخرج عن المحيط الإجتماعي و الإقتصادي للمجتمعات التي تعرفها، فإذا كانت هذه الأخيرة هي فن تدبير الممكنات في مجتمعات ترفع شعار فصل السياسة عن غيرها من المحددات التي تشكل الهوية الثقافية للأمة، فهي تعكس بإمتياز مدى تناسب الأخلاق والقيم الحضارية مع واقع الممارسة السياسية لمجتمعات أخرى تَعْتَبِر الحمولة الأخلاقية في العمل السياسي معطى أساسيا و رافدا من روافد تقدمها و ازدهارها.

و مهما يكن من أمر، فإن الحكومات التي تنبثق عن صناديق الإقتراع لها خصوصيات متماثلة في التعاطي مع الشأن العام مهما إختلفت الأنظمة الدستورية و السياسية التي تولد في رحمها، و لا تتمايز فيما بينها من هذا الجانب، اللهم إلا ما تُحدثه ألوان الأطياف السياسية التي تشكلها، و التي تفعل فعلها على مستوى التجانس و التناغم أو التنافر والتنابز، و هو من دون شك مؤشر رئيسي على قياس فعالية الأداء الحكومي من عدمه.

و من هذا المنطلق، كان الصدق السياسي من بين المؤشرات التي تقيس حيوية أداء العمل الحكومي، و هو يفترض التطابق بين ما تضمنته عناصر مدخلات البرنامج الحكومي وما تترجمه ثنايا مخرجات الحصيلة الحكومية.

ففي وقت يصعب فيه القيام برصد دقيق لأثر حصيلة العمل الحكومي بالنظر إلى سقف المطالب الاجتماعية العالية، لا بد أن نسجل منذ الوهلة الأولى مُسلّمَة أساسية مفادها: أنه لم يكن لهذه الحكومة التي انتصبت لمحاربة الفساد و الاستبداد أن تصلح الأوضاع بين عشية وضحاها، فما أفسدته أجيال من التدبير العام لا يمكن لولاية حكومية وحيدة أن تصلح ما ترسب خلال فترات طويلة من الزمن السياسي المتسم بنعوت تدبيرية أقل ما توصف به هو غياب الحكامة و انعدام التدبير الإستراتيجي.

و في هذا السياق، تعتبر تجربة حكومة الأستاذ عبد الإله ابن كيران محكا حقيقيا لترجمة سقف المرجعية الدستورية الجديدة، و التي لم تأت فقط بمنطق جديد على المستوى التنظيمي والقانوني و الحقوقي فحسب، و إنما أسست لإرهاصات نَفَسٍ برلماني في تدبير شؤون الحكم، كما جاءت استجابة لسياق ارتبط بتفاعل الشارع المغربي مع الحراك الذي شهدته بعض الأنظمة العربية، لم يكن جلالة الملك لينتظر ما ستؤول إليه تداعيات هذه الأحداث الجديدة، و إنما استبق الزمن السياسي ليعلن عن تعاقد اجتماعي تضمن دستور فاتح يوليوز لسنة 2011 هندسته الجديدة.

و الملاحظ أن دينامية خطاب سياسي جديد تكرست في عمق الممارسة الديموقراطية، وساهمت في توطيد الثقة في العمل السياسي، كما أثير الشغف في تتبع أشواط التدبير وتقييم السياسات العمومية ضمن مجالات و محطات مختلفة.

فعلى الرغم من ترويج المعارضة لفكرة غياب الحوار و إستعصاء تنزيل المقاربة التشاركية، فإن معطيات متعددة تؤشر لانفتاح المشهد السياسي و انفراج محيط تدبير الشأن العام، و لا شك أن غزارة الوسائط الإعلامية قد ساهمت من دون شك في هذا المجال، لكن هذه الدينامية ما كانت لتكون لوحدها كافية، لولا تزامن هذا الأمر مع عرض سياسي مهم و بتردد إستقبالي عال من لدن عموم الأوساط الشعبية.

و الأكيد أن أهم مخرجات هذه الدينامية السياسية لا تعبر عن إبداع حكومي منقطع النظير، بل جاءت نتيجة لآليات وضعها الدستور الجديد، و ترجم من خلالها العمل الحكومي المقاربة التشاركية في عدد من المناسبات، و على رأسها المناظرات الوطنية المختلفة التي وضعت خارطة طريق لإصلاح قطاعات متعددة.

فقد إلتمست الحكومة من خلال هذه المناظرات تنزيل برنامجها الذي يروم الإصلاح الممنهج الأفقي بدءا بخلق الإلتقائية بين السياسات العمومية، و هي الحلقة المفقودة في ترويض التدبير العمومي على مستجد الحكامة الجيدة، مرورا بإقتفاء أثر إصلاح قطاع العدل الذي هو أساس الحكم، و ذلك من خلال توسيع المشاورات بين مختلف المتدخلين في القطاع، إضافة إلى إحياء البحث في سبل تأهيل منظومة الجبايات في علاقة بالمتغيرات التي شهدتها الساحة المالية و الإجتماعية، و وصولا إلى مناظرات تروم تطوير السياسات الفلاحية و الصناعية و العقارية، و هو ما يشكل دليلا على الرغبة في خلق التوازن على مستوى صناعة السياسات العمومية و إغناء الناتج الوطني الإجمالي بعناصر جديدة.

و لا يمكن أن نغفل عند استعراض بعض آليات العمل الحكومي التي تكشف عن الصدق السياسي في عملها، أن ثمة متغيرات ساهمت بشكل مباشر في إثراء الصعوبات التي لاقتها الحكومة سواء في تصريف شؤونها أو في التأقلم مع الأوضاع التي خلفها انسحاب حزب الإستقلال، مما أربك الأوراق السياسية و تدبير تحالف الأغلبية المشكلة للحكومة لمدة زمنية لابأس بها.

و ليس غريبا أن يكون السبب الذي دفعت به قيادة حزب الإستقلال في قضية الإنسحاب هو مسألة غياب الحوار و الإنفراد بالرأي و عدم التشاور بما فيه الكفاية في عدد من القضايا المهمة، لكن سرعان ما تم التراجع ليس فقط عن هذا الموقف، و إنما غير هذا الحزب موقعه من المعارضة التي خرج إليها بإرادته إلى المساندة النقدية للحكومة، و ذلك عقب النتائج التي جاءت بها الإنتخابات الجهوية و الجماعية، ليُسَجل هذا الكَرٌ و الفَرٌ السياسي لحساب مؤشر الصدق السياسي الذي يتمتع به حزب العدالة و التنمية الذي يقود التجربة الحكومية الراهنة.

و يبدو واضحا كذلك أن غياب البعد الإقتراحي في عمل المعارضة التي إصطفت في مصفوفة المعارضة من أجل المعارضة، قد أوجد فراغا في مخيال المواطن المغربي بخصوص من يصلح لحمل مشعل التناوب السياسي في المرحلة المقبلة. و إن كان الرجحان في ما يخص سيناريوهات إستشراف مستقبل التحالفات لمرحلة ما قبل و ما بعد الإنتخابات التشريعية المقبلة سيعزز موقع حزب العدالة و التنمية في تصدر نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة، و ذلك ليس لغياب بديل للمشروع السياسي والمجتمعي الذي يقدمه هذا الحزب، وإنما لصدق العمل السياسي و للسمعة الجيدة و نظافة اليد التي تميز بها وزراء حزب المصباح طيلة مدة ولايتهم.

و إذا كان البعض يُحَمل حزب العدالة والتنمية وزر التأخر في إخراج القوانين التنظيمية لوحده، فالتقدم الذي حققه في عدد الأصوات خلال إنتخابات الرابع من شتنبر الماضي في الحواضر، إذا كان يحمل من رسالة سياسية قوية تنم على تمثل الصدق السياسي في أداء هذا الحزب من لدن نخبة الطبقة الوسطى، فهو سيدفعه إلى ملء المساحات الإنتخابية الفارغة من خلال توسيع قاعدته الانتخابية في البوادي خلال الإستحقاقات التشريعية لأكتوبر المقبل.

بديهي أن مؤشر الصدق السياسي يستدعي الثبات على المبادئ، لذلك فالمنطق يقتضي أن سياق الأزمة الذي حمل الحكومة الحالية إلى الوجود يدفع بالأداء الحكومي إلى التضحية بالإلتزامات الإجتماعية، لأن الإكراه الأساسي الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو إستعادة عافية المؤشرات الإقتصادية الحيوية بعيدا عن التوازنات الإجتماعية.

غير أن التحدي الذي رفعته الحكومة الحالية هو إحترام الالتزام الإجتماعي تجاه الناخبين، من حيث إقرار رفع الحد الأدنى لأجور الموظفين و العمال البسطاء، و رفع الحد الأدنى للتقاعد و كذا الرفع من قيمة المنحة للطلبة، و إقرار التغطية الصحية لهذه الشريحة و تقديم تعويض عن فقدان الشغل للعمال العاطلين و تخفيض أثمنة الأدوية و توسيع التغطية الصحية، و تقديم الدعم للنساء الأرامل في وضعية هشة.

فقد يحلو للبعض من المعارضة أن يصف هذه الإجراءات الإجتماعية بكونها تفتقد إلى روح الإبداع و بكونها ضعيفة الأثر و أنها جاءت على حساب فئات عريضة من الطبقة الوسطى، حيث تأثرت جيوبها جراء تطبيق نظام رفع الدعم على مواد أساسية كالمحروقات، لكن قراءة في التجارب الدولية بهذا الخصوص كلها تؤكد أن ليس في الإبداع أفضل مما تم التوصل إليه، و ذلك لإستعصاء وضع آليات ناجعة لتضريب الثروة و غياب الحلول البديلة في ما يخص ضخ موارد مالية إضافية لخزينة الدولة نظرا لضعف البنيات المحصلة للباقي إستخلاصه.

و في الختام، فقد أبانت التجربة الحكومية الحالية على أن كلا من العقل السياسي و التدبير الاداري و المتطلبات الاجتماعية تسير كل واحدة منها بسرعات متباينة، لكن الأصل الذي يوحدها هو مؤشر الصدق الذي ضاعف منسوب الثقة في هذه التجربة ليس فقط لدى المغاربة في تمثل سبل الإصلاح، و إنما أيضا عند المحيط الدولي من خلال الشهادات التي تعكسها مجموعة من المنظمات و المتبعين الدوليين على حد سواء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.