الإيديولوجية العرقية في مواجهة ثوابت الوطنية المغربية
https://al3omk.com/132102.html

الإيديولوجية العرقية في مواجهة ثوابت الوطنية المغربية

– في الحاجة إلى تفكيك أساطير الخطاب العرقي

في محاولته الإيديولوجية الساعية إلى زعزعة ثوابت الهوية الوطنية، في بعدها العربي الإسلامي، يوظف الفاعل العرقي جميع الأسلحة الإيديولوجية الفتاكة من أجل تحقيق مشروعه العرقي. فرغما عن حقائق التاريخ و ثوابت الواقع التي تؤكد على كون المغرب ظل، لقرون، امتدادا للعالم العربي الإسلامي ضمن ما سمي ب ” الغرب الإسلامي” يسعى الفاعل العرقي إلى محاولة إلغاء كل هذا الامتداد الحضاري، بجرة قلم، و العودة بالمغرب إلى مرحلة اليباب الحضاري، حيث كان ساحة مفتوحة في وجه الغزوات الرومانية. و من أجل تحقيق هذا المشروع الإيديولوجي العرقي، فإن الفاعل العرقي يزاوج بين لعبتين في غاية الخطورة :

• من جهة، يسعى إلى وسم أكثر من اثني عشر قرنا، كتاريخ سياسي متواصل للدولة المغربية، بكونه تاريخ استعمار و كأن الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم المغرب جاءت من الخارج و ليست أنظمة سياسية مغربية أصيلة يتداخل فيها البعد العربي بالبعد الأمازيغي ! إن المغرب، في اعتبار الفاعل العرقي، في العهود الإدريسية والمرابطية و الموحديةو المرينية و السعدية و العلوية، كان مستعمرة عربية إسلامية و لم يكن دولة مستقلة ذات سيادة في علاقتها بالشرق و الغرب !و هذه أكبر عملية احتيال و تزوير في تاريخ المغرب يلجأ إلى صياغتها الفاعل العرقي ضدا على كل أسس البحث التاريخي قديمه و حديثه.

• من جهة أخرى، يروج الفاعل العرقي لأكبر أسطورة في تاريخ المغرب، و تتعلق بوجود دولة مغربية –أمازيغية سابقة عن النموذج السياسي المغربي الذي تأسس من خلال الشراكة العربية-الأمازيغية، التي جسدتها شراكة إدريس الأول مع عبد الحميد الأوربي، حيث تم تأسيس النموذج الأول للدولة المغربية، و تم تطويره، بعد ذلك، على يد لأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم المغرب، إلى أن استقر النموذج المغربي الحديث.

إن الفاعل العرقي، و هو يؤسس أساطيره العرقية، لا يأبه لقداسة المنهج العلمي في التاريخ، فهو يزور الأحداث كما يشاء، و يختلق مشاهد سياسية و اجتماعية هي أقرب إلى لغة السينما منها إلى لغة التاريخ، و رغم ذلك فهو لا يشعر بأي حرج علمي يمكن أن يهبط بخطابه إلى حضيض الإيديولوجيا، باعتبارها أوهاما ينتجها فاعل سياسي أو اجتماعي من أجل ممارسة وظيفة التجنيد الإيديولوجي، ولذلك فهي تفتقد وظيفتها بمجرد انهيار البناء الإيديولوجي.

هذا، بالضبط، ما ينطبق على الخطاب الإيديولوجي العرقي فهو، في مجمله، تعبير عن رغبات إيديولوجية دفينة أقرب إلى البعد النفسي منه إلى البعد المعرفي الموضوعي، و من ثم فهو لا يستند إلى معايير علمية واضحة تجعل منه خطابا تاريخيا أو سياسيا قابلا للنقاش العلمي الرصين، بل يستند إلى مقاربة جدلية تسعى إلى توظيف الخطاب الحجاجي لإثبات الأوهام و الأساطير باعتبارها حقائق.

– الرموز العرقية بديلا للرموز الوطنية

من أجل تأسيس تاريخ عرقي في المغرب، يلجأ الفاعل العرقي إلى تفكيك ( من التفَكُّك) رموز الوطنية المغربية، من علم وطني جامع،و لغة رسمية، و دين رسمي… و في المقابل يقدم بديلا عرقيا، غير مؤسس، يفرضه على المغاربة باعتباره يمثل الأصل والذات الجمعية !!! أليست هذه أكبر عملية نصب تمارس في تاريخ المغرب ؟

• من العلم الوطني إلى العلم العرقي

من بين الرموز الوطنية المغربية، التي تعرضت للإهانة و الازدراء من طرف الفاعل العرقي نجد العلم الوطني، الذي اتخذ مكانة هامة في تاريخ الشعوب و الأممباعتباره رمزا لهويتهم و ولائهم الوطني، و لعل الدولة الحديثة لأكثر حرصا على حماية العلم الوطني كرمز جامع، و لذلك تصدر القوانين التي تجرم إهانته.

ففي فرنسا، مثلا، صدر قانون في شهر يوليوز 2010 يجرم إهانة العلم الفرنسي، و يفرض عقوبة بغرامة تصل إلى 1500 أورو , و قد كان تطبيق هذه العقوبة على مواطن فرنسي من أصل جزائري، حيث أصدرت في حقه محكمة فرنسية حكما بتغريم 750 أورو بتهمة إهانة العلم الفرنسي.

وحماية لرمزية العلم الوطني المغربي، فقد نحا المشرع المغربي منحى تجريم إهانة العلم الوطني، ففي الفصل 2-267 يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبغرامة من 20.000 إلى 200.000 درهم كل من أشاد بإهانة علم المملكة ورموزها أو حرض على ارتكاب مثل تلك الأفعال بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية أو بواسطة المكتوبات والمطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية والإلكترونية.

في الخطاب العرقي، نجد إهانة واضحة لرمزية العلم الوطني، مما يستوجب تدخل سلطة الدولة بدل الاكتفاء بالجدل الخطابي. و لعل ذلك جاء واضحا في شكل مكتوب و منشور من طرف كاتب عرقي لا يخفي عداءه العلني لرموز الوطنية المغربية.

فالعلم الوطني المغربي، في رأي أحمد عصيد، وضعه المقيم العام الفرنسي، بجانب موسيقى النشيد الوطني، و يزيد عصيد توضيحا مستندا إلى أوهام عرقية مرضية: كان المقيم العام المارشال ليوطي ممثل سلطة “المخزن” في مواجهة القبائل المتمردة في عهد الحماية، والتي تكفلت الجيوش الفرنسية بـ”تهدئتها، ثم أصبح علما للسلطة بعد الاستقلال، ونظرا للتعثر الذي عرفته التجارب الديمقراطية في المغرب، فإن السلطة لم تنجح بعد في جعل العلم الوطني يرمز للكيان المغربي الضارب بجذوره في أعماق التاريخ.
أحمد عصيد – دلالات العلم الوطني في التظاهرات المضادّة لحقوق الإنسان

نستنتج من كلام أحمد عصيد ما يلي:

• العلم الوطني المغربي رمز استعماري.
• المقيم العام الفرنسي ممثل المخزن ( و ليس الاستعمار الفرنسي) .
• تكرار أسطوانة القبائل المتمردة (البربر) في مواجهة المخزن (العرب) كنسخ للأطروحةالكولونيالية.
• العلم الوطني لا يرمز للكيان المغربي الأصيل.

ماذا يمكن للفاعل العرقي أن يضيف حتى يعتبر مقترفا لجرم إهانة العلم الوطنيأكثر من ترويج هذا الخطاب العرقي المتطرف الذي يزدري الرموز الوطنية للدولة، و لذلك فمن حق أي مواطن مغربي، يعتز برموز الوطنية المغربية، أن يتساءل عمن يحمي أمثال هؤلاء من مواجهة القانون الذي لا يُعذَر أحد بجهله و لا يَحمي المغفلين، كما يردد مبتدئي طلبة القانون ؟
هل يمكن اعتبار هذه الإهانة و هذا الازدراء من صميم حرية التعبير التي يكفلها القانون؟ و إذا كان الأمر كذلك فهل يمكن للقضاء الفرنسي أن يتسامح مع مواطن فرنسي يزور تاريخ فرنسا، و يدعي أن أدولف هتلر هو واضع العلم الفرنسي لما احتل فرنسا و سيطر على قصر الإليزيه ؟

و حتى نوضح أن الخطاب العرقي مبني على أساس تزوير حقائق التاريخ، فلابد أن نصحح المغالطات التي جاءت في كلام العرقي أحمد عصيد، و هي كثيرة لا تنطلي سوى على مبتدئ في مجال المعرفة، أو مغرض يسعى إلى ممارسة التزوير من أجل إثبات الأوهام كحقائق.

• بخصوص المغالطة الأولى، لابد من التأكيد على أن العلم المغربي لم يكن من وضع المقيم العام الفرنسي ( ليوطي) بل من وضع السلطان المغربي المولى يوسف الذي أضاف إلى الراية الحمراء نجمة خماسية, و هذا ما يؤكده المؤرخ عبد الله الجراري في كتابه “الغاية من رفع الراية” إن لون الراية المغربية خالصة الحمرة.. أضيف إليها أيام السلطان المغفور له المولى يوسف: الخاتم السليماني بحجة امتيازها عن غيرها، فأصدر طيب الله ثراه ظهيرا شريفا مؤرخا بتاسع محرم 1334هـ الموافق 17 نوفمبر 1915 في وصف الراية.ويقول نص الظهير “نظرا لترقي شؤون مملكتنا الشريفة وانتشار ألوية مجدها وفخارها، ولما اقتضته الأحوال من تخصيصها براية تميزها عن غيرها من بقية الممالك، وحيث كانت راية أسلافنا المقدسين تشبه بعض الرايات وخصوصا المستعملة في الإشارات البحرية، اقتضى نظرنا الشريف تمييز رايتنا السعيدة بجعل الخاتم السليماني المخمس في وسطها باللون الأخضر”.

• بخصوص المغالطة الثانية، فإن الادعاء بأن ليوطي كان يمثل المخزن بدل سلطات الاستعمار، و أن بنية الدولة المغربية منقسمة إلى مخزن عربي و إلى قبائل أمازيغية، و الطرفان معا بينهما صراع أبدي، و لذلك استعان المخزن (العربي) بالاستعمار الفرنسي لمواجهة القبائل الأمازيغية. هذا الادعاء غارق في البعد التاريخي و السوسيولوجيالكولونيالي ( روبير مونتاني- البربر و المخزن في الجنوب المغربي) و قد تم ترويج هذا الادعاء من طرف الفاعل العرقي باعتباره حقيقة تاريخية، لكنه لا يعدو أن يكون إيديولوجية استعمارية بئيسة. و لعل هذا هو ما وضحه مؤرخ فرنسي مرموق تحمل مسؤولية الكشف عن الأخطاء العلمية في المتن التاريخي و السوسسيولوجيالكولونيالي، و هو جاك بيرك في كتابه ” البنيات الاجتماعية في الأطلس الكبير” الذي خصصه لقبائلسكساوة،و خرج بخلاصات تهدم الاطروحة الكولونيالية التي نظر لها (روبير مونتاني) و طبقتها سلطات الحماية في تعاملها مع الدولة و المجتمع في المغرب، فقد اعتبر (بيرك) أن القبائل البربرية تقيم علاقات وطيدة مع السلطة المركزية (المخزن) و تشعر و تمارس هذا الانتماء رمزيا و ماديا.

• أما بخصوص المغالطة الثالثة، فإن اعتبار أن العلم المغربي لا يرمز إلى الكيان الوطني الأصيل، فلابد من التساؤل عن الأصالة المقصودة هنا، هل هي أصالة مغربية مجسدة في البعد العربي الإسلامي للدولة المغربية المركزية و المستقلة عن الغرب و الشرق سياسيا، و هذه الأصالة يجسدها العلم المغربي بخمس نجمات إحالة على أركان الإسلام الخمس و الصلوات الخمس. أما إذا كانت الأصالة المقصودة استيطانية رومانية ما قبل تشكل الدولة المغربية المركزية و المستقلة، فإن العلم المغربي لا يرمز إلى هذا الكيان الوهمي الذي لا وجود له في تاريخ المغرب القديم، لأن منطقة شمال إفريقيا، في مجملها، كانت مستوطنة رومانية خالصة، و لذلك لم يكن ممكنا لكيان ترابي مستوطَن استعماريا أن يكون له علم وطني، لأن مقومات الدولة المركزية المستقلة، ذات السيادة، غائبة تماما عن وعي السكان الذين ينتمون إلى قبائل مشتتة ترتبط سياسيا بالكيان الاستعماري الروماني.

لا يمكن استيعاب هذا الهذيان العرقي، إلا من خلال ربطه بالمشروع الإيديولوجي العرقي، و هو مشروع قائم على أساس هدم مقومات الوطنية المغربية، من أجل تعويضها بمقومات عرقية يربطها الفاعل العرقي، زورا و بهتانا، بالتاريخ السياسي الامازيغي القديم. و لعل هذا ما ينطبق على طريقة تعامله مع العلم الوطني الجامع لكل المغاربة، فهو ينتقل من مرحلة التشكيك في الأبعاد الوطنية الخالصة للعلم المغربي، إلى مرحلة تقديم البديل العرقي مجسدا في العلم الأمازيغي.

و لعل هذا هو ما يصرح به العرقي أحمد عصيد بشكل واضح: ” للأمازيغ علم ثقافي دولي يرمز إلى هويتهم وخصوصيتهم الثقافية عبر العالم، تمّ تبنيه عام 1996 من طرف الكونغريس العالمي الأمازيغي بتافيرا بجزر كاناريا “. هكذا يعترف الفاعل العرقي، بشكل صريح، أن انتماءه عرقي، بالأساس، و لذلك فإن العلم الذي يجسد هذا الانتماء العرقي هو البديل المطرح للعلم الوطني المغربي، فالانتماء إلى الكونغرس العالمي الأمازيغي أولى من الانتماء إلى المغرب، لأن المشروع العرقي يتجاوز الأبعاد الوطنية، في بعدها التعددي، إلى التركيز على البعد الأحادي العرقي، و من أجل تحقيق هذا (الحلم) العرقي فلتذهب كل قيم المواطنة الحديثة ( التي طالما تغنى بها الفاعل العرقي) إلى الجحيم !!!

و إذا كان العلم الوطني المغربي، في زعم الفاعل العرقي، صناعة استعمارية خالصة و لا يعبر عن الأصالة المغربية، فإن العلم العرقي صناعة أمازيغية خالصة، و أكثر من ذلك فهو يعبر عن الأصالة الأمازيغية، فهو من إبداع أحد الأمازيغ القبائليين بالجزائر، الذي كان عضوا بالأكاديمية البربرية بباريس منذ الستينات، لكنه أسس لأصالته و مشروعيته من خلال حضوره (النضالي) سنة 1980 في أولى تظاهرات الربيع الأمازيغي !!!

و يصل العرقي أحمد عصيد، في جرأته على الرموز الوطنية، قمة الإسفاف حينما يوضح، بالصريح و المباشر، أنّ النفور من الرموز الرسمية للدولة والتي منها العلم هو أمر شائع في البلدان غير الديمقراطية، التي تقوم فيها شرعية الدولة على منطق القوة لا غير، والتي تحاول السلطة فيها أن تتماهى مع مفهوم الوطن والوطنية بشكل مبالغ فيه يؤدّي حتما إلى نفور الجمهور من كلّ ما يمثل السلطة أو يرمز إليها.

أحمد عصيد -العلم الأمازيغي الأبعاد والدلالات

هكذا يصل بنا الفاعل العرقي، أخيرا، إلى بيت القصيد، و ذلك حينما يفضح نواياه العرقية المبيتة مدفوعا بحمية عرقية واضحة. فرغم التَّقِيَّة التي يمارسها في الكثير من خطاباته العرقية محاولا تغليف خطابه العرقي المفضوح بغلاف سياسي و حقوقي حديث، رغم هذه التقية سرعان ما يكشف عن عورته الإيديولوجية المنغلقة على ذاتها في مغارات عميقة.

إن المشروع العرقي يقوم على استراتيجية مركبة الأبعاد، هي التي أشرنا إليها في مقدمة المقال, فهو من جهة يسعى إلى التشكيك في مقومات الهوية الوطنية عبر تفكيكها من الداخل في أفق تهديمها، و من جهة أخرى فإنه يقدم البديل الجاهز، و هو بديل عرقي أحادي يسعى الفاعل الإيديولوجي العرقي إلى فرضه على المغاربة كاختيار جمعي بدعوى أنه يمثل الأصالة لأمازيغية.
– الحلقة القادمة :
” الرموز العرقية بديلا للرموز الوطنية .. من العلمانوية العرقية إلى مشروع التنصير العرقي ”

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.