الشيخ ماء العينين المناضل الوطني
https://al3omk.com/146143.html

الشيخ ماء العينين المناضل الوطني

في شهر نونبرمن كل سنة، يحتفل الشعب المغربي بذكرى استرجاع الأقاليم الصحراوية من المستعمر الاسباني، وحتى يكون لهذا الاحتفال قيمة ومعنى، وجب علينا أن نتذكر جهاد المجاهدين من أبناء هذا الوطن ،وتضحيات الشهداء من مختلف المناطق والقبائل، وجهود العلماء والسياسيين والمثقفين الذين ساهموا في نهضة المغرب، والحفاظ على وحدة ترابه،وتلاحم أبنائه،ومن أبرزهذه الأسماء الشامخة التي كان لها الدور الريادي في تاريخ المغرب الحديث، الشيخ ماءالعينين الذي اخترت التعريف به، وبمساره النضالي في هذه السطور.

الشيخ ماءالعينين: حياته وآثاره العلمية

ولدالشيخ العلامة ماءالعينين بن الشيخ محمد فاضل بن مامين عام 1246ه في منطقة الحوض الموريتانية،من أسرة فاضلة مشهورة بالعلم،كان والده الشيخ محمد فاضل من شيوخ التصوف السني البارزين،وهو مؤسس الطريقة الفاضلية التي ساهمت في حركة العلم والتواصل الروحي والثقافي بين شمال المغرب وجنوبه.

نشأ الشيخ ماءالعينين وسط هذه الأسرة، وتربى في حضن والده الذي خصه برعاية خاصة حيث تعلم على يديه العلوم النقلية والعقلية كتجويد القرآن الكريم وتفسيره، والفقه وأصوله،والمنطق والبيان، والتصوف والعروض والحساب وغيرها من العلوم والمعارف،ولذلك لم يكد يبلغ سن الرشد حتى كان ضليعا في العلم ومؤهلا للإفتاء والتدريس.

وقد غادرمكان ولادته سنة1274ه متجها إلى مدينة مكناس لملاقاة السلطان عبدالرحمان،مرورا بشنقيط والساقية الحمراء،ووادنون والصويرة ومراكش،وبعد لقائه السلطان توجه إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج،ثم عادإلى مصر ،ومنها إلى المغرب الذي كانت له مكانة كبيرة في نفوس ملوكه وأهله حيث كان كلما نزل ضيفا على قبيلة من القبائل حظي بالاحترام والتقدير،ومما يدل على ذلك مصاهرته لقبائل كثيرة ،أبرزها قبيلة العروسيين بالساقية الحمراء،وأيضا كثرة أولاده ذكورا وإناثا الذين اشتهر منهم الشيخ أحمد الهيبة والشيخ النعمة والشاعر محمد الإمام والشيخ محمد الأغظف والقائد امربيه ربه…

لقد كان الشيخ ماءالعينين رحمه الله حسن السيرة،تطبعه السكينة والوقار،ويعلوه النور والهيبة،لسانه رطب بذكر الله تعالى،كان عالما جليلا مجاهدا،رحيما بالضعفاء والمساكين وطلاب العلم من مختلف مناطق المغرب وشنقيط،قال عنه الشيخ محمد مخلوف صاحب كتاب شجرة النور الزكية:”هو الشيخ الشهير،القدوة الكبير،من ظهر ظهور شمس الظهيرة،وانتشرت أياديه انتشار الكواكب المستنيرة،صاحب التآليف الكثيرة والكرامات الظاهرة الأثيرة،العلامة المشارك الذي لا يداركه في علومه من أهل عصره متدارك.له أوراد وأدعية وأتباع كثيرون، وأخذعن أعلام وعنه جماعة ،منهم ابن أخته أبوعبدالله العتيق الشنقيطي،وأجاز جماعة منهم الشيخ المهدي الوزاني”.

وقال عنه العلامة المختار السوسي رحمه الله:”هذا الشيخ من الشيوخ العظام الذين تمت لهم شهرة فائقة عظيمة,فقد أسعده الحظ فنال ماربما من لايعرفه يستغربه أو يعده من البهتان”.

ترك الشيخ ماءالعينين تراثا كبيرا،ومؤلفات لايمكن حصرها،تعرض الكثير منها للحرق أثناء الهجوم الذي شنته القوات الفرنسية على مدينة السمارة ،مركز الزاوية المعينية سنة 1913م،نذكر من بينها:

– ملذات الحبيب بالصلاة على النبي الحبيب.
– هداية من حارفي أمر النصارى.
– دليل الرفاق على شمس الاتفاق.
– الصلاة في فضائل بعض الصلوات.
– نعت البدايات وتوصيف النهايات.
– شرح الورقات.
– نظم الحكم العطائية.
– مفيد النساء والرجال.
– مفيد السامع والمتكلم في أحكام التيمم والوضوء.
– مفيد الراوي على أني مخاوي.
– حزب البسملة.
– قرة العينين في الأحكام.

ومؤلفات أخرى،فضلا عن العديد من النظم والأشعار والفتاوي الفقهية المطبوعة والمخطوطة.

جهاد الشيخ ماءالعينين ونضاله من أجل الوحدة الوطنية:
عبر الشيخ ماءالعينين بشكل قوي عن تعلقه بوطنه الذي كان محط أطماع القوى الأوربية الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،هذه القوى التي استغلت انقسام المغاربة،وكثرة الاضطرابات السياسية التي عرفها المغرب،من أجل التغلغل والتواجد الفعلي على أرضه،ولهذا حرص الشيخ على العمل في إطار من الشرعية الدينية والسياسية،تترجمها البيعة التي قدمها للملوك العلويين الذين عاصرهم واتصل بهم،كان أولهم المولى عبد الرحمان وابنه محمد،ثم السلطان الحسن الأول الذي ولاه تولية شاملة على بلاد بني عمران ومنطقة الصحراء،بالإضافة إلى السلطانيين عبد العزيز وعبد الحفيظ ، وقد ساهمت علاقته القوية بالحكم المركزي في دعم المقاومة المسلحة في الجنوب،وتعزيز مكانته الدينية والسياسية والعلمية بين الناس،فبرز اسمه في ساحات الجهاد كقائد شجاع،ينظم القبائل الصحراوية التي كانت رافضة للوجود الأجنبي بالصحراء، وتجسد ذلك الرفض في المواجهات المسلحة مع القوى الاستعمارية التي تكبدت خسائربشرية ومادية،منها احراق الأكواخ التجارية للبريطاني ماكنزي في مدينة طرفاية،واحراق أكواخ للتجار الاسبان في “فيلا سينيروس “بالداخلة سنة 1885م،ومقتل مهندس السياسة الاستعمارية الفرنسية في المنطقة”كزافييه كوبولوني”في مارس 1905م،بالإضافة إلى مقتل الفرنسيين القبطان “بابلون” والملازم”فيولي”سنة1909م في واحات أطار،من طرف مجموعة من المقاومين القادمين مباشرة من مدينة السمارة بقيادة الولي بن الشيخ ماءالعينين…

وفي هذا الصدد يعترف الحاكم العام الفرنسي بموريتانيا في تقريره عن الوضعية السياسية لآواخر سنة 1906م بنجاح الشيخ ماءالعينين في تعبئة القبائل ضدهم،حيث يقول:”لقدكان على ماءالعينين انتظار سنتين من المجهودات،وكل ثقله الديني لينجح في أن يجمع ضد النفوذ الفرنسي كل المتمردين الأقرباء بموازة مع احتلالنا،وأن يجمع بعد ذلك وللهدف نفسه القبائل المتدينة المسلحة”.

لقد أدرك الفرنسيون والإسبان خطورة تحركات الشيخ ماءالعينين الذي عمل على توحيد القبائل ولم شملها،وربط جسور التواصل مع كل الرافضين للاستعمار الأجنبي،ومد المقاومين بالأسلحة القادمة من الشمال عبر مدينة كلميم،أومن الساحل عبر طرفاية،فكان بذلك رمزا وطنيا جامعا وموحدا في مواجهة السياسة الاستعمارية التي طبقت شعار:”فرق تسد”، كما كان رحمه الله خليفة لملوك المغرب في المنطقة الجنوبية،يمثلهم لدى السكان ،ويشكل صلة وصل بين الشمال والجنوب.

ولاشك أن هناك ملامح أخرى لهذا النضال الوطني والفكر الوحدوي الذي ميز حياة الشيخ ماءالعينين،فزاويته بالسمارة التي كانت قبلة للمريدين ،عملت على خلق فروع لها في مختلف مناطق المغرب،ونقل فهم الشيخ الخاص لروح التصوف الذي عبر عنه في نظمه المسمى”إني مخاوي لجميع الطرق” ،والقائم على عدم التفريق بين الطرق الصوفية فيما يعطيه من أوراد،ولايمنع أحدا عن أخذ ورد طريقة معينة ،مادامت هذه الطرق لها منطلق واحد ومستمدة من شرع الله تعالى.

إن الرغبة في توحيد الطرق، وتوحيد القبائل، وتوحيد الوطن، وتوحيد الأمة هي خير شاهد على الفكر الوحدوي، والنضال الوطني الذي طبع حياة هذا الرجل العظيم الذي وصفه “طوني هودجز”صاحب القاموس التاريخي للصحراء:”بكبير رواد الجهاد ضد المستعمر في الصحراء مع بداية القرن العشرين،مؤسس السمارة،الحكيم الصوفي الأكثر تأثيرا في محيطه”، وفاته:

توفي الشيخ ماءالعينين رحمه الله تعالى يوم 17 شوال عام 1328ه،الموافق ليوم 25 أكتوبر 1910م بمدينة تيزنيت بعد حياة حافلة بالعطاء،قضاها في نشر العلم والمعرفة والجهاد ضد القوى الاستعمارية،وبعد ترسيخه لفكر وحدوي ومنهج متميز بالصمود والتحدي، يفرض على المغاربة اليوم الاستفادة منه خاصة في هذه الظروف التي تجتازها قضية الصحراء المغربية.

ـــــــ

المصادر والمراجع المعتمدة : 

– شجرة النور الزكية في طبقات المالكية،الشيخ محمد مخلوف.

– مدخل الى تاريخ الصحراء الأطلنتية،الدكتور رحال بوبريك.

– ندوة :الصحراء المغربية من خلال التراث والتاريخ،جمعية فاس سايس،اعداد عمر المراكشي.

– الهاجس الوحدوي في فكر الشيخ ماءالعينين،الدكتورة العالية ماء العينين.

– أعلام من الصحراء المغربية،محمد الجيلاني لعبد

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.