https://al3omk.com/149715.html

الدار البيضاء، مدينة الطوابير

لم يعد المرء يستغرب من الطوابير الطويلة من الناس، التي أصبحت تؤتت فضاء أهم أحياء مدينة الدار البيضاء، ليس من أجل الحصول على تأشيرة السفر إلى الخارج، بل فقط لانتظار وسائل النقل التي ستقلهم إلى وجهاتهم.
حقيقة لا بد من الإشارة أولا، إلى أن تحول سلوك المغاربة والبيضاويين خصوصا إلى الانتظام في الطوابير والصفوف، هو تحول اجتماعي وحضاري إيجابي في سلوكيات الإنسان المغربي، يفيد أن المغاربة انخرطوا بدورهم في عملية تنظيم أنماط حياتهم، بشكل يربي فيهم سبل الخضوع للقانون وقيم الاستحقاق.
الطوابير الطويلة في انتظار سيارات الأجرة، يكشف إلى أي حد صارت أزمة النقل بمدينة مليونية كالبيضاء جد مستفحلة، فأسطول الحافلات المتقادمة والمتهالكة، لم يعد كافيا لا من حيث العدد ولا من حيث شروط السلامة والراحة التي تنعدم بشكل كلي، والمتنقلون عبرها بشكل يومي يدركون حجم معاناتهم مع الاكتظاظ والنظافة وغياب الأمن، فضلا على كون التسعيرة المعتمدة تعتبر الأعلى وطنياعلى صعيد الحافلات، ولا تعكس بتاتا جودة الخدمات المقدمة.
منظر جموع المواطنين يصطفون لساعات طوال، بنفسية جد مضطربة، وتحت جو من التذمر والسخط المشحون بالمشاجرات، يعطي صورة سيئة عن وجه المدينة، يبعث إشارة إلى فشل السلطات العمومية المسؤولة عن تدبير شأن المدينة.
على الرغم من وضع مخطط إدخال وسيلة نقل الترامواي، التي على أهميتها في التخفيف من أزمة المواطنين البيضاويين في تنقلاتهم اليومية، لكنها غير كافية في سد العجز في الخصاص من جهة، ومن جهة أخرى فأشغال تهيئته كلفت انسيابية المرور في طرق المدينة غاليا، حيث ضاقت مساحات شوارعها الضيقة أصلا، وساهمت في استفحال الاختناق المروري للعربات بمختلف أشكالها، فضلا على أن خدمات خطوط الترامواي لا تغطي أغلب أحياء المدينة.
الانتظار في الطوابير الطويلة في كازابلانكا، لا يهم فقط البشر من الراجلين، بل يشمل حتى السيارات والشاحنات والدراجات النارية، التي أصبحت من فرط تكاثر أساطيل العربات نعيش جحيما من الانتظار في مواقف أضواء المرور وعلى المدارات، خصوصا مع ازدياد في نسبة الحوادث، التي توقف حركة المرور بالكامل، وتخلق أزمة مرور حقيقية، تؤثر سلبا على وصول الناس إلى مقرات عملهم، ولقضاء حوائجهم.
لم يعد سرا أن مركز مدينة الدار البيضاء، أصبح منطقة مرورية سوداء من شدة الازدحام، حيث أن أغلب سيارات الأجرة وحتى السيارات العادية، تنأى بنفسها عن خوض مغامرة التنقل في اتجاه الشوارع المتواجدة بالمركز.
أصبح الزائر لمدينة الدار البيضاء لقضاء حوائجه، أو لزيارة عائلته ودويه، يفكر ألف مرة قبل القدوم، لأنه سيواجه لا محالة حربا ضروسا من التوتر والقلق وشد الأعصاب، بالنظر إلى شدة الازدحام والفوضى المرورية، وكثرة الباعة التجولين والمتسولين، ناهيك عن استفحال مظاهر الجريمة.
جميل أن نتحدث عن رغبة المسؤولين في تحويل مدينة من حجم الدار البيضاء، كمدينة ذكية تواكب تطورات العصر، لكنها للأسف مازالت شؤونها تدبر بطريقة أبعد عن الذكاء والحكمة بكثير، فالقطب المالي المزمع إنشاؤه بالمدينة، مازالت لم توفر له البنيات الطرقية المناسبة المسهلة لولوجية وسائل النقل للمستثمرين والعمال والموظفين في أحسن الظروف.
من جهة أخرى، الأحياء الجديدة المنشأة على ضواحي مدينة الدار البيضاء، كمنطقة الرحمة وبوسكورة مثلا، التي تشكل لوحدها مدنا قائمة بذاتها، لا من حيث عدد السكان، ولا من حيث عدد مشاريع البناء العقارية، لم تواكبها بنيات تحتية ولا مداخل طرقية كافية، ولم توفر لها وسائل نقل عمومية بالدرجة المنتظرة، خصوصا من صنف الحافلات الحضرية، فتصوروا معي أن مدينة الرحمة بزخم ساكنتها، لا توفر لها نقل المدينة، سوى خط وحيد، لا يلبي حاجيات الناس، ويرفع من درجة معاناتهم مع التنقل في ظروف أقل ما يقال عنها، أنها كارثية بكل المقاييس.
هذا العجز في تغطية خدمات النقل بالمدينة، فتح المجال لارتفاع وثيرة النقل السري، وكذا العربات الصينية ثلاثية العجلات (تريبورتور)، التي تضاعف عددها إلى أضعاف مضاعفة في السنين الأخيرة، حيث تشوه جمالية منظر المدينة، التي تشبه إلى حد كبير دور صفيح متنقلة عندما يتم تغليفها وكسوتها بالإطارات الحديدية ، وهي تشكل خطرا على المواطنين ، باعتبارها أكثر العربات عرضة لحوادث السير.
أمام هذا الوضع، استغلت شركات جديدة يطلق عليها اسم إيبير (UBER ) وهي موجة عالمية تستخدم تطبيقات رقمية تكنولوجية عبر الهواتف المرتبط بشبكة الانترنت، من أجل تقديم خدمات نقل للمواطنين، خصوصا للوجهات التي يرفض سائقوا الأجرة الصغيرة نقل المواطنين إليها.
إذا كانت المجالس المنتخبة من مهامها الأساسية، إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل الساكنة، ومن بينها وسائل النقل، فإن مجالس البيضاء تغلب على أشغالها الصراعات الحزبية، فضلا عن محدودية المبادرة، بالنظر إلى إشكالية استقلال القرار في علاقة بينها وبين جهاز وزارة الداخلية المتمثل في الولاة والعمال.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)