الحري يكتب: ديمقراطيتنا المعطوبة!

في تقديمه لكتابه “الملكية والنخبة السياسية في المغرب” كتب السيد جون واتربوري قائلا أن المغرب “يعيش باستمرار منذ أن حصل على الاستقلال، في جو من التوتر السياسي الحاد دون أن تنطلق حركة ما في أي تجاه كان”. فالأحزاب السياسية توجد دائما على شفا حرب فيما بينها، أو فيما بينها وبين القصر، لكن، والقول لواتر بوري دائما، نادرا ما تنفجر الصراعات المفتوحة.. وأضيف، إلى قوله، سرعان ما تجدهم مجتمعين فرحين وأنهم لم يكونوا حتى الأمس القريب من ألذ الخصام، أو هكذا يصدرون الانطباع للعوام.

كما لم تخطئ عين الباحث أيضا، وبكثير من الدقة واللباقة، عددا من الملاحظات حول الحياة السياسية المغربية، من بينها الإشاعات، التي تروج في كل حين، حول قرب اتخاذ المخزن، أي النظام الحاكم في المغرب، قرارات هامة، لكن القرارات لا تأتي، وهي إن أتت، لا تأتي إلا في حالات ناذرة.

يلاحظ أيضا مطالبة السياسيين من كل الاتجاهات يوميا بتدابير مستعجلة لوضع حد لمختلف مظاهر الفساد، الإداري والقضائي والانتخابي، وغيرها من المطالب المستهلكة، ولا يحدث في نهاية الأمر شيء من ذلك.

هكذا يخلص صاحبنا إلى ما يشبه القاعدة التي يفسر من خلالها السلوك العام للفاعلين السياسيين المغاربة، إزاء الحكم والسلطة، وهي أن هناك “تواز ما بين التوتر والجمود وتعادل ما بين ضرورة العمل التي تلوح باستمرار وبين عدم القدرة العامة على أخذ المبادرة”.

مهما يكن، فإن جون واتر بوري، يدعونا في كل الأحوال، ونحن نتعامل مع سياسات الدول، ونحاول فهم وتحليل طبيعة أنظمة الحكم فيها، أن نتخلص من مفهومين اثنين، وصفهما بالخاطئين والشائعين، أولهما يدعي أن “الدول الحديثة هي فقط أسيرة ماضيها ولا تقوم في نهاية المطاف إلا بتشخيص مسرحيات درامية عتيقة وبألبسة عصرية، وثانيهما يدعي أن تلك الدول قد تخلصت من ماضيها وما هي إلا وليدة حقبة لا تدين بشيء إلا لنفسها.

والحق يقال أن النظام المغربي، نظام مركب من العديد من المتضادات، فهو يبدو لك أنه “حداثي” حتى النخاع، لكنه يظهر لك أيضا، بمجرد ما تغير زاوية الرؤية، أنه “محافظ” وبلا حدود .. فلا هو قطع مع القدامة ولا هو على خاصم الحداثة، وكأنه في برزخ بين بحريهما المتقابلين.

يتم اتخاذ القرارات في المغرب، على أعلى المستويات، فتجد الكثيرينن يصفقون لها، ويحتفون بها احتفاء كبيرا، ويقولون عنها أنها جريئة وشجاعة، وجاءت في وقتها المناسب، بمن فيهم أولئك الذين تتوقع منهم معارضتها، أو على الأقل ممارسة رفضهم لها بالصمت. بينما كتب بصددها المفكر المغربي عبد الله العروي، في الجزء الرابع من “خواطر الصباح” أنه علينا ألا ننظر إلى هذه القرارات في حد ذاتها بقدر ما ينبغي أن نركز انتباهنا إلى الطريقة أو المسطرة التي تم الاعتماد عليها في اتخاذها، هل هي تقليدية أم حداثية؟

يلاحظ العروي أن المسطرة التي تم اتبعاها هي مسطرة تقليدية، مسطرة البيعة التي تمركز كل شيء في شخص السلطان، باعتباره صاحب الأمر والنهي، أما الشعب ونخبه السياسية فهم دائما في حالة انتظار للمنح السلطانية، وفي مقدمتها منحة إصلاحات دستورية وسياسية حقيقية.. قال العروي هذا الكلام قبل دستور 2011، ولسنا ندري هل ما يزال على موقفه هذا، خاصة وأن القرارات، حرصت في السنوات الأخيرة على تأكيد التزامها بالدستور نصا وروحا. وفي هذه الحال قد يعيد علينا العروي سؤاله المفضل حول أي تأويل نعطيه لهذا الدستور: ديمقراطي أم سلفي؟

ولأن السياسة في المغرب تمارس بطريقة دفاعية أساسا، كما يقول واتر بوري، فإن الحزب الإسلامي المتزعم للحكومة، لا يهتم إلا بتأمين وجوده السياسي وتطبيع علاقاته بالفاعلين المركزيين في الحقل السياسي والاقتصادي والثقافي المغربي، وفي مقدمتهم القصر الملكي، وهو يتجنب ما أمكن الصراع المفتوح مع أي طرف كان، ولا يقوم إلا بمبادرات محدودة الغرض منها كسب الثقة وبعث إشارات الطمأنة.

ومن دون استحضار المراقب لهذا الثابت المذهبي، في سلوك حزب العدالة والتنمية المغربي، والذي يكاد يرقى إلى درجة العقيدة الإيديولوجية، أو بمثابة الوصية السياسية الدائمة، عند قادته المؤسسين، وفي مقدمتهم السيد عبد الإله بنكيران، لن يفهم الآلية التي يشتغل بها هذا الحزب ويدبر بها مواقفه، المختلفة والمتناقضة، خاصة خلال اللحظات العصيبة والأزمات الكبيرة، كهذه التي يمر منها هذه الأيام.

الشبان في الحزب، تراهم يحتجون ويصرخون، يريدون الخروج من هذا الباراديغم السياسي، ويطمحون إلى سقف ديمقراطي أعلى من سقف القادة والزعماء، لكن الواقع لا يرتفع، واقع عقلية محافظة، تقول للشباب قلوبنا معكم لكن عيوننا على تكسير حاجز الخوف من “البعبع الإسلامي”، الذي يستغل خصوم الحزب كل خطوة، أو فلتة، قد تغرد خارج النسق السياسي المسموح به، والمضبوط بدفتر تحملات صارمة، من القواعد السلطوية والتقاليد المرعية.

هكذا تبدو الهوامش الديمقراطية التي تم توسيع دوائرها مع موجة الربيع العربي، محاطة بسياجات هائلة من السلطوية، زادت من قوتها رياح الثورة المضادة على الديمقراطية في الأقطار العربية، والتي وجدت لها دعما عربيا وتواطأ دوليا فادحا، أعاد الديمقراطية الفتية في المغرب إلى قدر حاضنتها السلطوية، فلا نحن بصدد ديمقراطية بمواصفاتها الكونية، ولا نحن بصدد حالة استبدادية قمعية كما هو حال البلدان المجاورة، إنها حالة ملتبسة، لا هي بالديمقراطية ولا هي بالاستبدادية، حيث تسلك السلطوية منهجيتها التحكمية بطريقة ناعمة تارة وخشنة تارة أخرى.

إنها ديمقراطيتنا المعطوبة، التي لسنا ندري إلى متى سيستمر تعايش الجميع مع عطبها، بل الظاهر أن نخبنا السياسية والإقتصادية، تنظر إلى هذا العطب بعين الرضا والاطمئنان، فهي تحب العيش في رغد المحافظة، والهدوء والاستكانة، ولا تحب المغامرة الجريئة، التي تقتضي وضع الخطوة الأولى على طريق الفطام مع منطق الريع والاستفادة، وإنتاج المشاريع والبرامج، السياسية والاقتصادية، إنها لا تريد تحمل آلام المحاولة والسقوط، لذلك فهي تخشى الاستغناء عن “عربة المشي”.