الحري يكتب: كلمة هادئة إلى قيادة حزب العدالة والتنمية

حزب قذفت به أمواج الربيع الديمقراطي داخل أروقة السلطة بالمملكة الشريفة، ووجد زعيمه نفسه يجلس على كرسي رئاسة الحكومة بالمشور السعيد قريبا جدا من النواة الصلبة للنظام السياسي بالمغرب، القصر الملكي بالرباط.

وفي لحظة جزر سلطوي وجد عدد من قادته أنفسهم يملكون أختام مناصب وزراية ذات أهمية بالغة كما وكيفا، لم يسبق لأي حزب سياسي أن حظي بها أعضاؤه، منذ انطلاقة ما يسمي في المغرب المعاصر بالمسلسل الديمقراطي، خلال منتصف سبعينيات القرن الماضي.

ربما لا يدرك قادة هذا الحزب قيمة ما جاد عليهم به زمن الربيع الديمقراطي من هبة قلما يجود بمثلهازمننا العربي على الأحزاب السياسية، باستثناء تلك التي تقوم السلطات الحاكمة بفرضها فرضا، بعيدا عن الإرادات الحرة لشعوبها.

وحتى حينما أزفت ساعة إغلاق قوس ما عرفه الإقليم العربي من انفتاح ديمقراطي، والذي كانت نتيجته انقلاب دموي في مصر، وآخر أبيض في تونس، على تيارات “الإسلام السياسي”، بقي إسلاميو المغربفي مواقعهم الحكومية مشاركين في السلطة مشاركة فعلية وليست مجرد مشاركة صورية.

هكذا قضى حزب العدالة والتنمية المغربي ولايته التشريعية كاملة على رأس حكومة اتخذت من القرارات اللاشعبية ما لم تجرؤ اي حكومة سابقة على اتخاذها، حيث محت بجرة قلم مجموعة من القوانين التي كانت تعتبر بمثابة تعاقد اجتماعي يضمن السلم المدني في المغرب المعاصر، تتعلق برفع الدعم عن المواد الأساسية والمحروقات، واتخاذ قرارات قاسية تخص أنظمة التعاقد، والرفع من عدد من الضرائب التي مست الطبقات الوسطى خصوصا.. من دون اتخاذ أي قرارات مواكبة تؤسس لنظام جديد من الحماية الاجتماعية.

لكن المفارقة العجيبة التي أدهشت عددا من المراقبين والمتابعين للشأن السياسي المغربي هي أن الحزب المذكور قد حقق نتائج مذهلة في استحقاقين انتخابيين متتاليين، رغم القرارات القاسية التي اتخذتها الحكومة التي يتراسها أمينه العام، حيث اكتسح في الانتخابات المحلية اكتساحا بينا في أغلب المدن والحواضر الكبرى والمتوسطة بالمملكة، كما أحرز نصرا انتخابيا غير مسبوق في الانتخابات التشريعية، باحتلاله المرتبة الأولى في قائمة الأحزاب السياسية المتنافسة، ومع فارق كبير في المقاعد والأصوات.

وفي كلا الاستحقاقين سجل الحزب نصرا انتخابيا، لا على منافسيه السياسيين الشرسين فقط، بل وجه ضربة موجعة لنظام انتخابي وضع وضعا من أجل تشتيت أصوات الناخبين، بين الأحزاب بشكل يحول دون تحقيق اي منها لأغلبية مريحة، لكن واقع الحال يدل على أن الحزب الإسلامي قد تخطى هذا الحاجز الانتخابي ويتمتع بأغلبيات مريحة في عدد كبير من المدن المغربية.

لكن المفارقة الأكثر مدعاة إلى الحيرة والاستغراب، هي أن الحزب الذي يترأس الحكومة، ويترأس، في الوقت ذاته، أغلبية المجالس الجماعية للمدن المغربية، ويتربع على عمودية العواصم المختلفة للمملكة، ابتداء من العاصمة السياسية الرباط، وصولا إلى العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، مرورا بالعاصمتين العلمية والتاريخية فاس ومراكش، في محيط عربي ودولي لا يسمح للإسلاميين بالتواجد الكثيف إلا في المنافي والسجون، أو في أحسن الأحوال بعيدا عن دوائر المشاركة في دوائرالقرار والسلطة في بلدانهم.

هذا الحزب يخرج أمينه العام ويصرح بعد صمت طويل أن الحزب يمر من اصعب فترة في تاريخه، بل هي الأصعب على الإطلاق، ولا تقارن حتى بالحيف الذي كانت تمارسه السلطة حينما كانت تمنعه من حقه القانوني في التأسيس كحزب سياسي، كما لا يمكن مقارنتها بالمحنة الكبرى التي وجد فيها الحزب نفسه مباشرة بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها المملكة سنة 2003 حيث سعت أطراف نافذة بالسلطة تحميله المسؤولية السياسية عن هذه الأحداث الشنيعة !

من المؤكد أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لا يقصد بالصعوبة المشار إليها أعلاه جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق قادته وأطره في تدبير الحكومة والوزارات والجهات والأقاليم والجماعات التي يسيرونها، خاصة وأن مؤسسات الحزب المركزية، وعلى راسها الأمانة العامة، ومؤسسة الأمين العام تحديدا، لا يلاحظ عليها اي جهد في مواكبة عمداء المدن ورؤساء الجماعات، من أجل ضمان تسيير فعال وناجع يشعر المواطنين الذين منحو ثقتهم لهذا الحزب أن هذه الثقة لن تذهب سدى وهي موضوعة بين أيادي قوية وأمينة.

نقول هذا الكلام ونحن نعلم أن الديمقراطية الحقيقية هي ديمقراطية الجهات والمحليات حيث هناك إمكانية لبروز التمثيل السياسي للمواطن في تسيير جهته أو مدينته أو قريته، أما على الصعيد المركزي فسيجد ممثلو الشعب الذين صوت عليهم صعوبة بالغة في تجسيد إرادته نظرا لتأثير جماعات الضغط ولوبيات المصالح في قرارات الحكومة، والذي يكون اقوى بكثير من تأثير أصوات هؤلاء الناخبين.

يبدو أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وكما يستنتج من خرجاته الإعلامية الأخيرة، على قلتها، أن الرجل يشعر بخيبة أمل كبيرة، في جهات مختلفة، داخل حزبه وخارجه، لم يحظ بما كان يتوقعه منها من عرفان ب”الجميل”. فقد اتخذ لفائدة السلطة قرارات صعبة لم يجرؤ اي مسؤول قبله على مجرد الاقتراب منها، كما أعطى للحزب جماهيرية جعلته يهمين على المشهد الحزبي المغربي هيمنة شبه مطلقة.

وإذا كانت وضعية الرجل تبعث فعلا على التعاطف الإنساني معه، فإن العواطف، حتى أجمل العواطف، لا يمكنها أن تحجب عنا ما تفرضه اللحظة التاريخية من تحليل عقلاني للوضعية السياسية الراهنة، حتى لا نبقى أسرى للانفعالات الوجدانية الذاتية، مهما كانت صادقة ونبيلة، ومهما كانت قاسية ومؤلمة، فهي قد تنفع في أن تكون سلاحا لتجييش المتعاطفين وتأليب المناصرين، وحشد أكبر قدر من المساندين والمدعمين، وبصرف النظر عما يمكن أن تلحقها من أعراض ذاتية تؤدي بالجملة الناس نحو الإحباط واليأس،فإنها يقينا لن تجدي نفعا في معرفة الوقائع معرفة سليمة تسمح باتخاذ ما سماه الرجل وصحبه يوما ب”الموقف الصحيح من التاريخ” !

إن تاريخ علاقة التيار الإسلامي الذي يتزعمه السيد بنكيران، حزبا وجماعة، بالسلطة في المغرب لم يكن دائما “سمنا على عسل” بل كان يعرف بين الفينة والأخرى توترات سعى الحزب إلى امتصاصها غالبا بالتضحية ببعض قادته، فقد اضطر السيد أحمد الريسوني إلى الاستقالة من قيادة حركة التوحيد والإصلاح، كما اضطر السيد مصطفى الرميدإلى الاستقالة من رئاسة الفريق البرلماني، والوضع ذاته عاشه القيادي الشاب عبد العلي حامي الدين، حينما تخلى عن رئاسة فريق حزبه بمجلس المستشارين، بعد حملة شنتها عليه جهات مشبوهة. وقد حظيت كل هذه الخطوات بمباركة السيد بنكيران، سواء كأمين عام للحزب أو قبل أن ينتخب لهذا المنصب، رغم أنها مست في الصميم استقلالية القرار التنظيمي ورضوخا لوضع تحكمي، ولعله يشعر اليوم أن وقت التضحية به هو ايضا قد حان.

وسواء كان هذا الشعور حقيقيا أو وهميا، فإن ما يجري يدل بما لا يترك اي مجال للشك أن قيادة حزب العدالة التنمية كانت تفتقر إلى حوار صريح وواضح فيما بينها، من شأنه أن يضع في حسبانها كل الاحتمالات السياسية الممكنة وما يناسبها من سيناريوهات بديلة مفكر فيها ومتوافق عليها بين مختلف مكوناتها.. والظاهر انها كانت غارقة في تدبير التفاصيل الصغيرة يوما بيوم، بل لحظة بلحظة، بعيدا عن أي هدى من رؤية استراتيجية واضحة.

هكذا إذا تحدثنا على مسألة رئاسة الحكومة، فلا شيء كان يضمن أن يكون السيد بنكيران هو رئيس الحكومة، طالما أن الدستور لا ينص على ذلك، أما الرهان على احترام المنهجية الديمقراطية في زمن تغولت فيه السلطوية فهو رهان من قبيل المراهنة على حلم بحلم آخر، خاصة وأن تجارب المغرب واضحة في هذا المجال فالسيد عبد الرحمن اليوسفي، رغم ما تحلى به من صبر وحكمة وصمت لم يشفع له كل ذلك في الاستمرار على رأس الحكومة المغربية رغم احتلال حزبه للمرتبة الأولى، في الوقت الذي لم يعمر فيه السيد عبد الله إبراهيم طويلا على رأس حكومة علقت عليها آمال كبيرة خلال السنوات الأولى للاستقلال.

لكن مع فارق كبير جدا وهو أنه إذا كان كل من إبعاد اليوسفي وعبد الله إبراهيم من الوزارة الأولى هو إبعاد لحزبهما أيضا، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سابقا ،ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا حقا، فإن هذا الأمر لم يعد ممكنا بعد دستور 2011. وعليه فإذا لم يعد السيد بنكيران يترأس الحكومة المغربية فإنه ما يزال يترأس الحزب الذي يترأس هذه الحكومة. وهذا يضعه أمام مسؤوليات أخلاقية وسياسية جسيمة، خصوصا وأنه تحرر من إكراهات التدبير الحكومي اليومي وأصبح متفرغا للتدبير السياسي الصرف الحر والمستقل.

قد تكون جهات مختلفة قدر راهنت على إضعاف السيد بنكيران وحزبه بما اتخذته من إجراءات قاسية في حق الشخص والحزب معا، لكنها من حيث لا تشعر حررت الرجل من إكراهات المسؤولية التدبيرية المباشرة وما تفرضه من قواعد مرعية وتقاليد سارية، كما حررت الجزب من المساندة الآلية واللامشروطة للحكومة، وحولتها إلى مساندة نقدية، من شأنها تقوية الحياة البرلمانية المغربية ، أما الحكومة فقوتها لا يمكن إلا أن تكون محدودة بالنظر إلى طبيعة النسق السياسي المغربي،حتى ولو بقي على رأسها السيد عبد الإله بنكيران نفسه.

أمام هذه الاعتبارات وغيرها يستغرب المراقب للشأن الحزبي المغربي، هذه الحالة من التيه التي تعيشها قيادة حزب العدالة والتنمية، وتجر معها الآلاف من الأتباع ومئات الآلاف من الناخبين الذين منحوها أصواتهم الانتخابية، وهي بذلك، تدفع الأنصار والمتعاطفين والمواطنين عموما نحو مزيدا من فقدان الثقة في السياسة والأحزاب، والنضال من أجل الديمقراطية، والكفر بوصفة “الإصلاح في ظل الاستقرار”.

لا نريد أن نجازف بالقول أن سبب هذا التيه قد تكون ذاتية أكثر منها موضوعية، فذلك يعتبر نوعا من الرجم بالغيب، ولكننا نستطيع أن نقول أنها لا تجد لها أي مبرر على صعيد الواقع السياسي الفعلي الذي تدل كل مؤشراته أن مهمة النضال من أجل الانتقال إلى الديمقراطية ينبغي أن تبقى أولوية في البرنامج السياسي لكل حزب سياسي، وأن الصراع بين قوى الإصلاح وقوى قوى الإفساد سيبقى قائما في المغرب مهما قطع من أشواط على طريق على مسلسله الديمقراطي، فالديمقراطية حتى حينما تصير ناجزة، تؤطر فقط هذا الصراع ولن تنهيه، فما بالنا ونحن نخوض صراعا من أجل ترسيخ قواعدها هي ذاتها؟

إن الصراع بين الخير والشر صراع أبدي ومن الطوبى الحلم بعالم يخلو من الشر، بل إن الكثير ممن منوا أنفسهم وأتباعهم، عن حسن نية أو عن سوئها، بعالم افتراضي وخيالي، يسود فيه الخير فقط لم يترددوا تحت ضغط ما اعتبروه عين “المنفعة” و”المصلحة” إلى التحالف مع القوى التي طالما اضفوا عليها كل صفات الشر والشيطنة واستدعوا لذلك كل المبررات والمسوغات بما فيها تلك التي تتسم بسمة القدسية !

بناء على ما سبق فإن المنتظر من قيادة حزب العدالة والتنمية أن تتحمل مسؤولية اختياراتها السياسية، وأن تتحلى بفضيلة النقد الذاتي من خلال تصحيح مسارها النضالي وذلك بقيادة النضال الوطني من أجل بناء حياة ديمقراطية سليمة، مستثمرة ما خولتها إرادة الناخبين من أوراق قوة، من العار تعويمها في بحر خلافات داخلية قد تعصف بما تحقق من مكاسب ولو هزيلة على مستوى الحياة السياسية ببلادنا.