الحري يكتب: فزاعة السياق الدولي والوضع العربي

أزمة الكثير من الرجال المحترمين خاصة في قيادة حزب العدالة والتنمية أنهم يلوحون، بمناسبة ومن دون مناسبة، بما يعرفه السياق الدولي والعربي من متغيرات، قصد نشر ثقافة التخويف بين شباب وقواعد حزبهم، في سياق نحو فرض اختيار سياسي معين خلال المؤتمر القادم للبيجيدي، الذي سينتخب أمينا عاما للحزب.

ومن دون أن يكون همنا التعبير عن أي موقف من النقاش الحاد الذي يدور في صفوف الحزب المذكور فإننا نقر بحقيقة أن كثيرين، من المغاربة والأجانب، يرون في الوضع المغربي استثناء بالمقارنة مع غيره من أقطار عربية شقيقة، سواء تلك التي عرفت موجة الربيع الديمقراطي سنة 2011، أو تلك التي اشترت السلم الاجتماعي في بلدانها بفضل عائدات النفط والبترول التي كانت حينها في أوج ارتفاعها.

ينظر هؤلاء إلى المغرب باعتباره واحة للاستقرار بالمنطقة، وهذه حقيقة واقعية لا يمكن لأي كان نكرانها، لكن، هذا الوضع المتقدم للمغرب من حيث ما تحقق فيه من مكتسبات ديمقراطية، ينبغي أن يقرأ في سياقه التاريخي الذي تطور من خلاله إلى أن وصل إلى ما وصل إليه اليوم.

فالمغرب عرف أحزابا وطنية حقيقية ناضلت من أجل الاستقلال، وربطت جلاء المستعمر بعودة الملك محمد الخامس إلى عرشه، وفاوضت الدولة الفرنسية على هذا الأساس، التزاما منها ببنود التعاقد الذي قام بين القوى الوطنية والمؤسسة الملكية، والذي تعتبر وثيقة المطالبة بالاستقلال وجها من وجوهه، أو على الأقل لحظة مشرقة من لحظات هذا التوافق بين القوى الممثل للشعب والجالس على العرش.

وبعد الاستقلال وجلاء قوات المستعمر عرف المغرب مدا وجزرا فيما يتعلق بتنفيذ روح هذا التعاقد وهو التأسيس لنظام حكم ديمقراطي، يجمع بين الملكية والديمقراطية، حيث عرف المغرب لحظات مشرقة على طريق التوافق السياسي الضروري لبناء نظامه الديمقراطي، كما عرف لحظات عصيبة وقاسية ومؤلمة، شكلت انتكاسات وتراجعات أصابت بناءه المؤسساتي والديمقراطي بأعطاب مختلفة.

إن المقارنة في مجال السياسة هي عملية مشروعة في كل الأحوال، سواء قام بها الباحثون في علم السياسة أو الفاعلون السياسيون أنفسهم، لكنها قد تكون مفيدة كما قد تكون مقارنة عقيمة وغير مجدية.

والمقصود بالمقارنة العقيمة هي تلك التي تبعث على الاسترخاء والكسل، كما تبث في الأنفس شعورا بالأفضلية والتميز المغربي على غيره من الأقطار العربية فيما يتعلق بالمسألة الديمقراطية، وكأنه ليس في إمكاننا نحن المغاربة أبدع مما هو كائن، أو كأنه علينا أن ننتظر حتى نتدحرج إلى المستوى الاستبدادي الذي عرفته بعض البلدان الشقيقة، وحينها يحق لنا الكلام والاحتجاج على الأوضاع.

يعتقد أصحاب هذه المقارنة الكسولة أنهم يقدمون خدمات إلى الدولة في حين أن مثل هذه المقاربة لا تخدم في شيء الأجندة الرسمية والمعلنة للدولة المغربية، التي تقدم نفسها للعالم باعتبارها دولة حديثة، تحترم قوانينها الداخلية والتزاماتها الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث لا يشرفها، والحالة هذه، مقارنتها في أي وقت أن تتم بمحيطها العربي، الغارق في ظلمات القمع والاستبداد.

يحتج أصحاب المقاربة المذكورة بمجموعة من الحجج والوقائع من أجل شرعنة خطواتهم ومسلكياتهم السياسية، يمكن أن نذكر من بينها، احترام الدولة المغربية لنتائج الاستحقاقات الانتخابية، رغم أن نتائجها تتعارض مع مقتضيات التكيف مع الوضع العربي، الرافض بقوة وعنف لوجود الإسلاميين في السلطة.

إن إسلاميي المغرب، حسب زعم هؤلاء، هم وحدهم من تبقى في مربع السلطة، حيث يهيمنون على البرلمان ورئاسة الحكومة، وعمودية مختلف عواصم المملكة، السياسة (الرباط) والاقتصادية (الدار البيضاء) والعلمية (فاس) والتاريخية (مراكش) بالإضافة إلى عاصمتي الشمال والجنوب (طنجة وأكادير).

وفضلا عما في هذه النقطة الأخيرة من تلبيس للحقيقة، فإنه من الجدير بنا أن نسجل عليها بعض الملاحظات النقدية، أولها أنها تصور الإسلاميين وكأنهم مواطنين من الدرجة الثانية لا يحق لهم ما يحق لغيرهم من الشركاء السياسيين الآخرين، ثانيا ليس صحيحا أن المغرب وحده هو من يعرف مشاركة الإسلاميين في السلطة، بل هم يحكمون في السودان بقوة الحديد والنار منذ انقلاب البشير في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وهم يشاركون في السلطة في البلد الذي انطلقت منه شرارة الربيع الديمقراطي، بل إنهم اليوم هم القوة السياسية الأولى في البرلمان التونسي بعد تفكك حزب نداء تونس، كما يشارك الإسلاميون في كل من. الكويت ولبنان والبحرين.

كما أن المقارنة لا تجوز بين نظام ملكي يستند إلى شرعية تاريخية ودينية ويحكم بموجب القبول الطوعي للناس وهو مدعو لتطوير شرعيته انسجاما مع تطور الثقافة السياسية للنخب الحزبية وللشرائح الاجتماعية المختلفة وبين أنظمة جمهورية استندت إلى حكم العسكر ولم تكن فيها الانتخابات إلا فلتة سرعان ما تنقلب عليها الطبقة العسكرية التي تجاوز دورها الثكنات العسكرية لتضطلع بأدوار سياسية متقدمة إلى جانب أدوار اقتصادية واجتماعية .

إن وجود الإسلاميين في السلطة ليس مشكلة في حد ذاته بالنسبة للأنظمة والقوى الإقليمية والدولية، وإنما المشكل يكمن في موقفهم من الديمقراطية، فهم مرغوب فيهم ومرحب بهم حينما يكونون سترا وغطاء على الفساد والاستبداد، ومرفوضون ومنبوذون حينما يصبحون جزءا لا يتجزأ من حركة الشعوب التواقة إلى الحرية والانعتاق والديمقراطية والعدالة والاجتماعية، وأحيانا أخرى يتم اتخاذ وجودهم في السلطة مطية للإجهاز والانقلاب على أي تجربة ديمقراطية فتية، كما حدث ويحدث في بعض الأقطار المشرقية الشقيقة.

هناك حجة أخيرة، يسوقها أصحاب الأطروحة المذكورة أعلاه، وهي أن السلطة في المغرب سلطة عاقلة، تعاملت مع الربيع العربي بطريقة عاقلة، ونحن نتفق معهم في هذا التوصيف، ونزيد عليه القول بأن السلطة العاقلة لا ينبغي مخاطبتها إلا بنداء العقل، والعقل وحده، بعيدا عن لغة التزلف الكاذب، ولغة العقل تقول أن المغرب يصنع استثناءه بما يقطعه من خطوات على طريق بناءه المؤسساتي، بالإجابة على المطالب السياسة بالمزيد من الديمقراطية، وعلى المطالب الاجتماعية بالمزيد من التنمية، في احترام تام للعهود والالتزامات والتعاقدات، بين مختلف القوى الفاعلة فيها.

بناء على كل ما سبق نقول لهؤلاء الرجال المحترمين أن يكفوا عن مقارنة غير سليمة، لأنه لا قياس مع وجود الفارق في السياق، وعليهم أن يعبروا عن اختياراتهم وقناعاتهم السياسية بمنتهى الوضوح والشجاعة، بعيدا عن لغة التخويف والتخفي وراء السياق الدولي والعربي.

تعليقات الزوّار (0)