قصر “تزكاغين” بتنجداد يعيد العمل بالأعراف إلى الواجهة

عمر حمداوي – تنجداد
في الوقت الذي يسود فيه الحديث عن التحولات التي عرفتها وتعرفها مناطق الواحات في شتى المجالات، والتي أدت بشكل أو بآخر إلى تراجع التنظيمات التقليدية، بما فيها الأعراف التي تعتبر من آليات ضبط الحياة العامة داخل القصور، لفت القائمون على تدبير شؤون قصر تزكاغين بتنجداد الأنظار إلى العودة للعمل بالأعراف المنظمة المناسبات الاجتماعية، خاصة العزاء والعرس كما جاء في ديباجة الوثيقة المتضمنة للبنود المتفق عليها في هذا الإطار، بتاريخ 26 محرم 1439هـ الموافق لـ 17 أكتوبر 2017 بحضور ممثلي الجماعة السلالية المعروفين بـ “الجمَّاعة” وأعوان السلطة المحلية، بالإضافة إلى مجموعة من “الفقهاء” وأعيان القصر.

الوثيقة التي توجد نسخة منها تحت أيدينا، نصت في أولى بنودها على تكفل “الجمَّاعة” بجمع المبلغ المحدد الذي قررته “العائلة الكبيرة” كمساهمة منها لأسرة الميت، وإلغاء العَشاء الذي يقيمه أهله في اليوم الثالث، مشددة على الاكتفاء بالاجتماع بعد عصر هذا اليوم بالمسجد لحضور الدعاء الجماعي، وتقديم الكسكس للمعزين لا غيره من الأطعمة.

أما فيما يتعلق بالعرس، فقد ألزمت الوثيقة صاحب العرس بالاقتصار على أقرب الأقربين بدلا من التجمع العائلي الكبير “من باب سيروا بسير ضعفاكم” خلال مراسيم نحر الذبيحة التي يقتنيها خصيصا لهذه المناسبة، حيث تم تحديد مبلغ 500 درهم كغرامة لكل من خالف هذا البند، كما تم إلغاء وليمة العشاء التي يقيمها العريس على شرف أصدقائه وأقاربه في اليوم الثالث من مراسيم الزفاف “لدفع الكلفة على غير المستطيع”.

بالنسبة للعروس اشترطت عليها الوثيقة عدم استدعاء صديقاتها في اليوم الثاني الذي يسمى “عراضة البنات” هذا الأخير الذي يعرف حمل العروس فوق “العمارية” في أجواء احتفالية تمتد من الظهيرة إلى غاية الغروب، يحضرها العريس في بعض الأحيان، يتخللها الرقص والزغاريد، والتقاط الصور مع الصديقات وأفراد العائلة، وتغيير الأزياء بين الفينة والأخرى، بالإضافة إلى تبادل شرب الحليب والتمر بين العروسين… ونظرا لما يقع في هذا اليوم من مخالفات للدين والأعراف، على حسب الوثيقة، تم تحديد مبلغ 1000 درهم كغرامة يؤديها أب العروس التي استدعت صديقاتها، ونفس المبلغ كذلك لأب العروس التي حضر عريسها.

ولضبط وقت حضور المدعوين للمناسبات، خيرت الوثيقة المدعو الذي تأخر بنصف ساعة عن التوقيت المحدد وهو بعد صلاة الظهر نهارا وصلاة العشاء ليلا، بين عدم المجيء نهائيا أو أداء 10 دراهم غرامة، فيما فرضت مبلغ 200 درهم على صاحب المناسبة الذي تجاوز ساعتين في الوليمة.

ولتقنين السهرات والأمسيات واستعمال مكبرات الصوت، نصت الوثيقة على عدم تجاوز الساعة 12 ليلا، ولو بالقرآن الكريم والأمداح النبوية والدروس، حيث تم تحديد مبلغ 1000 درهم غرامة بعد إنذار عون السلطة في حالة الإخلال بهذا البند.

وإذا كانت مقتضيات الوثيقة قد أثلجت صدور الآباء الذين أثقلت تكاليف المناسبات كاهلهم، وزجت ببعضهم في غياهب الديون والاقتراض؛ فإنها أثارت استغراب مجموعة من الفايسبوكيين الشباب، الذين عبروا عن امتعاصهم من الطريقة التي تم اعتمادها في مناقشة البنود المقترحة والمصادقة عليها، في إشارة منهم إلى تغييب إشراك فعاليات المجتمع المدني وعدم توسيع دائرة المشاورات مع مختلف الفاعلين في هذا الصدد.

فيما اعتبرت فتيات تزكاغين البنود المتفق عليها إجحافا في حقهن، وبوابة نحو حرمانهن من الاستمتاع بفرحة العمر التي هي الزفاف، حيث ناشدن بالمناسبة كافة القائمين على تدبير شؤون القصر من أجل العمل على تحقيق مطالبهن المشروعة كتوفير طبيبة أو على الأقل ممرضة بمستوصف تزكاغين، وبناء وحدة للولادة في إطار التخفيف من أعباء التنقل نحو المراكز الصحية المتمركزة بالمدن، بالإضافة إلى إحداث مركز للتكوين في مجال الحرف النسوية، بدلا من الانكباب على اتخاذ القرارات التي تغذي التهميش ولإقصاء و”الحكرة” وغيرها من المشاكل التي تضرب طوقا على العنصر النسوي بقصور تزكاغين على مر السنين.

وتجدر الإشارة أنه إلى جانب هذه البنود التي ما يزال الجدل حولها قائما بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، ثمة بنود أخرى جاري بها العمل منذ مدة داخل الأوساط النسوية، ذات صلة بتنظيم أوقات الدخول والخروج والأكل في المناسبات الاجتماعية، الأمر يجعل من الموضوع مادة بين يدي الباحثين والمهتمين لتسليط الضوء على صمود مجموعة من الأعراف بهذه الرقعة من المغرب العميق في ظل زخم المتغيرات على كافة الأصعدة.

تعليقات الزوّار (1)
  1. يقول محمد حمداوي:

    كفانا من سياسة الوصايا ..

أضف تعليقك