مستعد يكتب.. بين اليوسفي وبنكيران: الفكرة والقيادة

مرجعية الرجلين تختلف بالتأكيد. إذ بين انتماء الأول إلى اليسار والثاني إلى اليمين هناك فوارق، لكن هناك أيضا قواسم مشتركة تتمثل في تأثيرهما على مسار السياسة والسلطة وفي كونهما أكثر من أثر، بتوافق مع القصر، في منصب رئيس الحكومة خلال 20 سنة الماضية.

الفرق بين واليوسفي ابن كيران هو أن الأول قدم استقالته من السياسة ثم عاد ليمارسها من حين لآخر بوعي أو ربما بدون وعي. والثاني لم يقدم استقالته بعد منها. الأول تزوج بفرنسية وأحب لغتها والثاني أحب الفرنسية عبر عائلة زوجته وإن كانت علاقتهما باللغة وبفرنسا مختلفة. وللغة مكانة أساسية في التفكير والمرجعيات كثيرا ما يتم تغييبها. الأول هو مؤسس حزب الإتحاد الاشتراكي (الوطني سابقا) والثاني التحق بنفس الحزب فكان اليوسفي قائده قبل أن يقرر ابن كيران الانفصال عن الحزب وإن بقي فيه شيء منه. ليست هناك اليوم ازدواجية للدولة في المغرب كما كان يقول ابن كيران ولكن هناك صراعا حول السلطة التي لا تحب، في جوهرها، الفراغ. وإن كان صراعا ليس حول المؤسسات كما كان في السبعينيات.

داخل الحزب، وهي مؤسسة يسعى قادتها، حسب علم السياسة، إلى “ممارسة السلطة والبحث عن الدعم الشعبي” تبقى الفكرة أهم من القائد ومن التنظيم. وإن كانت هناك علاقة جدلية ومتشابكة بين هذه العناصر الثلاثة. والحزب هو بداية ونهاية فكرة أو مجموعة أفكار قبل أي شيء. ويمكن القول في حالة العدالة والتنمية إن التحدي الأساسي المطروح على الحزب هو كيف يبقى حاملا لفكرة محاربة “التحكم” أو “جيوب المقامة” كما كان يسميها اليوسفي (جيوب المقاومة ترجمة لعبارة فرنسية أصلا ولها أيضا خلفية تاريخية تعود إلى فترة حمل اليوسفي السلاح ضد الاستعمار ثم إلى مرحلة مقاومته لتسلط النظام بعد الاستقلال). وهو تحدي يعني أن يبقى حزب العدالة حاملا لهاته الفكرة في ظل الدستور مع مقاومة التطلع إلى تعديل هذا الأخير نتيجة تطور الممارسة الحكومية والزمن السياسي ونظرا لما تفرضه متطلبات “ممارسة النصيحة” للحاكم كما تسميها مرجعيات الحزب منذ دخوله إلى الشرعية.

في بيانه الصادر عن مؤتمره الأخير، قال الحزب إنه “سيواصل النضال الديمقراطي” في ظل قيادته الجديدة. وهو ما يثير أساسا إمكانية حفظ وتعزيز مكانة رئيس الحكومة التي كرسها الدستور ومواجهة محاولات تزوير الإرادة الشعبية في الانتخابات المقبلة عبر أحزاب إدارية صارت تشتغل بأساليب ليبرالية و”شعبوية” جديدة للرد على “شعبوية” حزب العدالة، ذلك أن الأثر النفسي “لمسيرة زروال” الشهيرة التي سارت بالبيضاء أمام أعين وزارة الداخلية والضغوطات التي عرفتها انتخابات 2016 ما زالت في الأذهان، وسنحتاج إلى مزيد من الوقت لإعادة بناء الثقة النفسية الانتخابية وتعزيزها رغم المجهود الذي بذل لتطويرها منذ 2011.

واجتماعيا، يواجه الحزب تحدي إعادة توزيع الثروة وما يرتبط بها من معالجة مظاهر الاحتجاج الاجتماعي التي برزت أساسا في أحداث الريف والتي فشلت السلطة وحكومة العثماني حتى الآن في تدبيرها. وتوزيع الثروة ومحاربة الفساد هنا يطرح قدرة الحزب على تدبير هذا الملف بدون الاصطدام مع خصمه الرئيسي وهو حزب التجمع الوطني للأحرار الذي أبان عدة مرات عن رفضه لمثل هذا التوجه. أما على مستوى الحريات العامة، فهناك أيضا تراجعا ملحوظا بمبرر رهانات الحفاظ على الاستقرار. بحيث تبقى النقطة الإيجابية في الحصيلة هي تدبير ملف الصحراء ضمن توجه إفريقي جديد.

تنظيميا، أدار حزب العدالة عموما مرحلة المؤتمر بأقل الخسائر وحافظ على وحدته بعد أن كان الخصوم يراهنون على أن ينقسم بحيث يبقى حتى إشعار آخر هو الحزب الأقوى والأكثر تنظيما بالمغرب. إلا أن الحزب خسر ورقة رابحة هي ابن كيران. وصناعة قيادي من هذا النوع قد يتطلب وقتا كثيرا. لقد اتضح أن شخصية ابن كيران وأسلوبه لم يعجب السلطة لمواصلة تجربة رئاسة الحكومة وتزامن ذلك مع إشكالية قانونية هي عدم إمكانية منحه ولاية ثالثة. وهكذا فضل الأمين العام السابق أو بالأحرى أجبر على ترك منصبه في حدث يشبه طقسا من طقوس “التضحية” في الثقافة الإسلامية كما يقول الأستاذ محمد مصباح. إلا أنه ما زال لم يتقاعد وما زال يمارس تأثيره داخل كواليس الحزب وداخل المجلس الوطني. لكن إلى أي حد هو تأثير ناجع؟ وهل يمكن أن يعود إلى القيادة بعد 4 سنوات؟

تتطلب القيادة عناصر كثيرة منها الأفكار والقدرة على التواصل وعلى المواجهة وعلى التوافق. والقائد الجديد سعد الدين العثماني أبان حتى الآن على القدرة على التوافق أكثر من المواجهة. المواجهة اليتيمة التي سجلت في حسابه قد تكون هي اتهامه في البرلمان لحزب الأصالة والمعاصرة بسوء تدبير المخطط الإستعجالي لإصلاح التعليم. وعموما هو ما يزال العثماني في بداية مشواره القيادي ويحتمل أن يضطر إلى الحديث بخطاب الأغلبية خلال أيام الأسبوع ثم خطاب المعارضة في نهاية الأسبوع كما كان يعاب على ابن كيران فعله. علما بأنه سبق وهدد بالاستقالة من رئاسة الحكومة لكنه كان تهديدا تبين أنه كان موجها أكثر للاستهلاك الداخلي.
وأخيرا وليس آخرا، على المستوى الإيديولوجي على الحزب أن يدبر إشكالية محورية هي الهوية واللغة. وهو جانب يؤثر كثيرا على الناخب ربما أكثر من قضايا البطالة وارتفاع الأسعار.

وفي هذا الصدد، يقوم الحزب بمبادرات محدودة ومؤطرة بالدستور مثل مقترح قانون حماية اللغة العربية أو تجريم التطبيع مع إسرائيل. كما يحاول عبر ذراعه الدعوي المراهنة التأثير في أعماق المجتمع بربط الديني بالسياسي. إلا أنها مبادرات تراهن على الزمن والزمن لا يضمن أن التيار اليميني المحافظ سيبقى غالبا ومسيطرا على المجتمع. كما أن السلطة بأذرعها المختلفة وبدرجة أقل: الفاعلون الحزبيون ورجال الأعمال الليبراليون وبعض مكونات اليسار والمجتمع المدني هم الذين ما زال لهم التأثير الأكبر على الإعلام والسينما والثقافة عموما ومختلف الأدوات الإيديولوجية الأخرى. وهذا هو بالضبط ما كانت تعانيه أيضا حكومة اليوسفي في تدبيرها لمجال الإعلام من خلال محاولات إصلاح هذا القطاع أو معركة إنشاء هيئة الاتصال السمعي البصري مثلا. وأذكر في هذا الصدد أن القناة الثانية منعت بث خبر البلاغ الشهير حول المنهجية الديمقراطية الذي أعلن فيه الإتحاد الاشتراكي عن رفضه لتعيين إدريس جطو وزيرا أول. وفي اليوم الموالي كانت قيادة الحزب مجتمعة في الرباط لمناقشة هذا الملف. وقد كنت حاضرا لتغطية الحدث وتقدمت إلى القيادي محمد اليازغي لأخذ تصريح منه فقال لي معاتبا وبلغة مباشرة: لماذا لم تتحدث القناة عن بلاغنا؟ فالرقابة تبقى هي الأساس والمرجع في الصراع حول السلطة وهي التي ما زالت تشكل تحديا يمنع من التقدم نحو أفق الحداثة المشترك.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك