وجهة نظر

​ ​يوم الأرض: الماضي والحاضر والمستقبل

03 أبريل 2018 - 15:20

(1)

يقول بروفسور راسم خمايسي (مخطط مدن وجغرافي، مركز التخطيط والدراسات، واستاذ التخطيط الحضري في قسم الجغرافيا ودراسات البيئة، جامعة حيفا)، في ورقة بحثية رائعة وعميقة له عرضها للنقاش في جلسة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في اسرائيل، يوم 14 كانون ثاني 2017 بعنوان (الأرض والمسكن، رؤية، سياسات وأدوات): “تعتبر قضية الأرض والمسكن من أهم القضايا التي تواجه تطوير وتنمية المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد. هذه القضية تربط بين المركبات القومية والوطنية وبين مركبات المواطنة والمدنية. بالإضافة الى ان لقضية الارض والمسكن لها ابعاد واسقاطات رمزية، وطنية وظائفية وبنيوية فردية وجمعية. حيث أن توفير الأراضي المخصصة والمناسبة للتطوير في المدن، الأحياء والقرى العربية تشكل أساس استئناف وجود وتطور المجتمع العربي في الوطن… يشكل الصراع على السيطرة والسيادة على الأرض أحد أسس الصراع بين الحركة الصهيونية الوافدة وبين المجتمع العربي الفلسطيني الاصلاني. أخذ هذا الصراع أشكالا متعددة قبل قيام دولة إسرائيل، وبعد إقامتها. خلال هذا الصراع كان اعتداء على الملكية الخاصة العربية الفلسطينية وكذلك على امتلاك وإدارة الحيز العام. كما ان الحركة الصهيونية، ولاحقا دولة اسرائيل طورت واستخدمت مصفوفة ضبط ورقابة ذات مركبات متنوعة بمستويات وبأشكال متعددة، منها القاسي وآخر ناعم من اجل السيطرة على الارض. لا أريد أن أسهب في عرض هذا الصراع، أشكاله، حجمه وإسقاطاته، ولكن ما أريد أن أقول إن هذا الصراع لم ينته بعد، رغم ما حدث به من تحولات من حيث شكل وعمق الصراع وأدوات تناوله. وان ما نطرحه في هذه الورقة ينحصر في واقع رد الاعتداء والمطالبة بإنصاف المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد خاصة، وأصحاب الأراضي التي صودرت منهم أراضيهم الخاصة على وجه الخصوص، وبالموازاة توفير تقاسم وعدل توزيعي للحيز العام والأراضي العامة بين المواطنين. أي أن هناك حاجة إلى تأمين عدل انتقالي وعدل توزيعي فيما يتعلق بالأراضي العامة، بما في ذلك أراضي الأوقاف الإسلامية على وجه الخصوص.”.. انتهى..

اثنان واربعون عاما مرت على يوم الأرض الأول الذي انفجرت شراراته بتاريخ 30.3.1976.. لا جديد تحت الشمس.. الأسلوب الإسرائيلي الذي تبنته كل الحكومات الإسرائيلية منذ قيام الدولة في العام 1948 وحتى اليوم لم يتغير.. في الواقع، زاد الاسلوب تعقيدا وتطورا، لكنه ظل في جوهره واحدا.. ملاحقة العربي الفلسطيني كفرد وكمجموعة قومية، في أرضه وحقوقه ولقمة عيشه.. الحرص على يظل يلهث وراء الفتات المتساقط مع موائد متخذي القرار العنصري في اسرائيل، لا يقوى على التقاط أنفاسه.. يركض بلا امل في اللحاق بركب الحضارة والمدنية المعاصرة.. الهدف، أن يظل العربي ضعيفا هشا لا يقوى على حمل حُلُمِه والدفاع عن أشواق روحه المتطلعة الى حياة من نوع آخر.. حياة الحرية والكرامة.. ان يظل منهكا إلى درجةٍ لا يقوى معها على ان يشكل أي خطر مهما كان وهميا على الكيان العبري!!

الأرض بالنسبة لإسرائيل كنز استراتيجي، وبما ان اليهود وحتى قيام الدولة لم يكونوا يملكون الا نسبة قليلة جدا من أرض فلسطين التي اختاروها او اختيرت لهم لتكون وطنا قوميا مع علمهم وعلم العالم بوجود أمَّةٍ فلسطينية ووطن اسمه فلسطين منذ آلاف السنين، سعوا إلى انتزاع هذه الارض كعقار وكوطن من أيدي أهلها الشرعيين وبكل الطرق والوسائل غير المشروعة، والتي ما تزال تتطور باستمرار رغم مرور سبعين عاما على قيام الدولة كانت كافية لتوقف هذه السياسة والبدء في تنفيذ سياسة أخرى تعترف للفلسطينيين بحقهم في الارض والحَيِّز على اعتبارهم سكان البلد الأصليين، وليسوا مجرد مهاجرين حَطَّتْ بهم الأقدار في أرض لم تكن لهم صله بها يوما..

قبل اثنين وأربعين عاما ارتفعت صرخة ضد طريقة السرقة التدريجية الإسرائيلية للأرض الفلسطينية داخل الخط الأخضر، الطريقة التي وضع المؤتمر الصهيوني الأول في بازل أسسها، واخذت تمتد طولا وعرضا مع دخول الانتداب البريطاني لفلسطين تنفيذا لوعد بلفور المشؤوم، وتعززت مع قيام دولة إسرائيل، وما زالت مستمرة حتى اليوم تحت شعارات متنوعة ك (دونم هنا، ودونم هناك)، (تهويد الجليل)، (واليوم أيضا “المثلث”…)، (الطلائعية)، (الاستيطان)، (الصهيونية) و (إعمار القفر وإحياء البَرِّيَّة الموحشة).. هكذا.. رغم مرور أكثر من أربعة عقود على الحدث التاريخي، وبالرغم مما خاضته الجماهير العربية من نضالات في سبيل الحد من سياسة المصادرة الايدولوجية لأرضهم عقارا ووطنا، إلا ان ماكينة المصادرة للقليل الذي تبقى بعد موجات المصادرة العاتية الأولى، ما زالت مستمر ولكن مع (ابتسامة صهيونية!!) ذات نكهة خاصة..

عندما تحدث هرتزل قبل أكثر من مائة عام عن الدولة الصهيونية المستقبلية ك – (كدرع غربي في مواجهة بربرية الشرق!)، إنما قصد بذلك عملية وقعت فيما بعد على أرض فلسطين. لقد حرص هرتزل بكل قوة وعناد على إقامة (كيان كولونيالي) غربي لإيواء (المضطهدين!) اليهود على حساب اهل فلسطين الأصليين. الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك، كانت سرقة الأرض وبدعم كامل من القوى الاستعمارية الكبرى في تلك الفترة. حتى ذلك الوقت لم يكن هناك خلاف بين هرتزل ومعارضته في الحركة الصهيونية التصحيحية (Revisionist Zionism).. مسألة الخلاف لم تكن جوهرية، لكنها تمحورت حول التكتيكات الواجب اتباعها لتنفيذ حلمهم المشترك..

بالنسبة لنا كفلسطينيين نعيش في وطننا الذي لم نغادره لا بالروح ولا بالجسد، فإن مصادرة أراضنا التي ما زالت إسرائيل مصرة على تنفيذها رغم ما تتركه من آثار مدمرة على أية فرصة (للتعايش السلمي!!) بين الأكثرية اليهودية والأقلية الوطنية الفلسطينية التي كانت وإلى العام 1948 الأكثرية في وطنها الام، والسيدة على أرضها، هي في نظرنا عَرَضٌ لكارثة النكبة الفلسطينية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم، ويبدو ان إسرائيل مصرة على تذكيرنا بها دائما لا بهدف تذكيرنا بحقنا وحق شعبنا في استرداد حقوقه المشروعة كاملة غير منقوصة، فهذا لن يرد في خلد كهان السياسة الإسرائيليين، ولكن ليذكرونا دائما بالفصول التي لن تكتمل من زاوية النظر الصهيونية، والتي تتلخص في استكمال السيطرة على الأرض فلا يبقى من يشارك اليهود فيها، وتهجير ما تبقى من الشعب الفلسطيني حتى لا يبقى فيها غيرهم.. الحقيقة انهم فشلوا في ذلك سابقا إذ تجاوز عدد الفلسطينيين على راض فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر – حسب آخر الإحصاءات التي نشرتها جريدة هآرتس الإسرائيلية – عدد اليهود فيها: 6.5 مليون فلسطيني، مقابل 6.4 مليون إسرائيلي، وسيفشلون لاحقا، لآن الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم أصبحوا اكثر وعيا بما يجري، وأكثر قدرة على مواجهة كل طارئ رغم الخلل الواضح في موازين القوى بينهم وبين إسرائيل..

(2)

ليس غريبا إذا والحال على نحو ما ذكرت ان يُحْيِىَ شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج ومعهم كل احرار العالم، كل عام وفي نفس الموعد الذكرى السنوية ليوم الأرض، وهكذا سنفعل هذا العام الجمعة 30.3.2016.

يعيد يوم الأرض للذاكرة أحداثا جليلة سجلتها جماهيرنا العربية بكل الإباء والفخر في ذلك اليوم الذي لم ولن ينسى أبدا، 30 آذار من العام 1976، والتي ما زالت نتائجها تتفاعل إلى هذه الأيام، ونظنها ستبقى كذلك حتى تغير إسرائيل سياستها تجاه الأرض والمقدسات العربية…

كان يوم الأرض الأول في العام 1976 وبامتياز علامة فارقة في تاريخ الأقلية القومية العربية في الداخل الفلسطيني، رسمت فيه الجماهير خطا فاصلا وواضحا بين مرحلة سابقة وأخرى لاحقة… قبل العام 1976 وبالرغم من الإنجازات التراكمية التي حققتها جماهيرنا العربية وبالذات في عالم الوعي الجماعي وتطوير أساليب النضال، إلا أننا لم ننجح تماما في اختراق حالة الذهول التي أصابت مجتمعنا منذ النكبة والتي ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على مجموع الجهود المبذولة لفك الحصار عن الذاكرة والوعي والإرادة والقرار الحر… شَكَّلَ يوم الأرض الأول بكل تضحياته وبكل حراكه على مختلف المستويات والأصعدة، وبكل ما حمل من أمواج عاتية تحتية وفوقية، وتجاذبات عنيفة بين السلطة الإسرائيلية الحاكمة والظالمة وبين أحرار شعبنا، شَكَّلَ بداية مرحلة اختراق لحاجز الخوف، وتحريرٍ للوعي وانطلاقٍ للإرادة وبعثٍ للفعل العربي بعد جمود طويل…

قد تكون إسرائيل نجحت وإلى حد كبير في تنفيذ خططها وبرامجها وفي جميع الاتجاهات، فصادرت الأغلبية الساحقة من أرضنا العربية وأوقافنا الإسلامية والمسيحية، وَتَفَنَّنَتْ في ممارساتها العنصري وقهرها القومي لجماهيرنا، وذلك بسبب الفوارق الفلكية في موازين القوى بين دولة بيدها كل الموارد وما لا حدود له من الإمكانات والقدرات، إضافة إلى انفرادها بالقرار والقضاء والقانون، وبين شعب اعزل يعيش أغلبه تحت خط الفقر بسبب سياسة إسرائيل العنصرية التي حرمته من كل مقوماته المادية. إلا أنها – مع ذلك – لم ولن تنجح أبدا في كسر إرادة جماهيرنا، ومصادرة روايتها، وحصار ذاكرتها، وشل قدراتها على الفِعْلِ في ظل أقسى الظروف وأشدها عنفا… لذلك لا يجب أن نستغرب انه وبعد سبعين عاما مَرَّتْ على قيام الدولة، ورغم ما استثمرته إسرائيل في مشروعها الطموح لقتل حلم الجماهير العربية وطموحاتها، نرى هذه الجماهير بكل قطاعاتها وطبقاته، بكل رجالها ونسائها ، وصغارها وكبارها، بكل أطيافها وألوانها، نراها ملتفةً وبكل قوة حول مشروعها الإسلامي والوطني والقومي، متمردةً على سياسة القمع والقهر الإسرائيلية، رافضة لكل أشكال الهيمنة والسيطرة التي تمارسها مؤسسات الدولة المختلفة، ومعلنةً تحديها الاستراتيجي السلمي وغير المتردد لآلة التدمير والتهجير والظلم الإسرائيلية…

(3)

لقد مَسَّ العذابُ الإسرائيلي بكل أنواعه كل جماهيرنا وكلَّ أرضنا بلا استثناء من الجليل وحتى النقب، مرورا بالمدن العربية المختلطة، إلا أن النقب في هذه المرحلة يعتبر الأكثر تعرضا للمؤامرة، حيث يعيش نحو 70% من أهله في قرى غير معترف بها تفتقد إلى ابسط الخدمات من الماء والكهرباء والطرق والصحة والتعليم وغيرها ، وتُمارَسُ ضد نحو مائتي ألف من المواطنين العرب فيه كل أنواع الظلم والقهر، بهدف تجميع العدد الأكبر منهم على أضيق بقعة ممكن، ومصادرة ما أمكن من أرضهم التي عاشوا لها وعليها منذ مئات السنين، وذلك من خلال مخططاتها الشيطانية التي يتم تنفيذها بمنهجية وإن تحت مسميات مختلفة بعدما تعثر مخطط ( خطة برافر ) شكلا لا موضوعا…

إنَّ تَمَسُّكَ جماهيرنا العربية في النقب بالأرض والثوابت رغم ما يعايشونه من حصار وهدم وتضييق في كل نواحي الحياة لهو أكبر دليل على عملاقية هذه الشعب وعدالة قضيته، وحتمية انتصاره مهما طال الزمن وضاقت حلقات الحصار والحرمان، واشتد ليل العدوان والطغيان…

قدر الله لي شخصيا أن أكون ومن خلال نشاطنا كحركة إسلامية وصلت طلائعها إلى هذا الجزء الغالي من وطننا العزيز مبكرا وبالتحديد في أواسط السبعينات من القرن الماضي على يد مجموعة مباركة من المدرسين الشباب، على صلة وثيقة بمنطقة النقب وأهلها، وعايشت مع إخوتي المدرسين من منطقة المركز الأوضاع في النقب أرضا وإنسانا ومقدسات… النقب كقضية وكشعب… لمسنا منذ تلك الأيام عمقَ انتماء العربي/البدوي لأرضه ولدينه، وصادقَ ولائه لثوابته الدينية وهي الأقرب إلى قلوبهم وحياتهم الفطرية، ولثوابتهم الوطنية والقومية بمعناها البسيط والبعيد عن قوالبه الفلسفية والنظرية، والمستمدة من الحب غير المحدود وغير المشروط للوطن وترابه بكل ما فيه وما عليه، وبكل ما يحمل من قسوة أو لين ، وبكل ما يقدمه من عطاء أو حرمان…

للتراب الوطني في عالمهم الذوقي لا الفكري المجرد، نكهةٌ خاصةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها، تماما كما قيل في عالم الصوفية (من ذاق عرف، ومن عرف اغترف)… هكذا تماما أحبوا أرضهم وما زالوا، وهكذا عشقوا فضائهم وما زالوا… وهكذا أيضا وقفوا بالمرصاد بكل العناد والشهامة الإسلامية والعربية، والإباء الوطني والقومي في مواجهة كل أساليب الخديعة الإسرائيلية، وكلَّ صور الترغيب والترهيب الرسمية…

شاءت الأقدار أيضا أن يتزامن وصول مد الصحوة الإسلامية لمنطقة النقب متزامنة مع مقدمات يوم الأرض الأول، ومن ثم مع أحداثه ونتائجه، وهي الجزء الغالي من الوطن الذي عاش حالة انقطاع شبه كامل عن منطقة المركز والشمال لأسباب خططت لها حكومات إسرائيل بإحكام، حتى كادت أن تنفرد به وبأهله بشكل كامل وشامل. كان لرواد الحركة الإسلامية من المدرسين المنتشرين في أغلب المناطق في صحراء النقب، الأثر الكبير في نقل الصورة الحقيقية ليوم الأرض وأسباب انفجار بركانه الذي فاجأ إسرائيل حتى عمدت إلى استعمال الجيش والدبابات إضافة إلى الشرطة والأجهزة الأمنية المختلفة لقمع المظاهرات بعدما فشلوا في إجهاضها من خلال الضغط على رؤساء المجالس والبلديات في حينه…

كانت أحداث تلك الفترة وبالذات سقوط الشهداء في يوم الأرض ووحشية الحكومة الإسرائيلية في تعاطيها مع المطالب الجماهيرية المشروعة لرفع يد المصادرة عن الأراضي العربية، المحفز الذي اختزل أعواما من الإعداد التوعوي والتعبوي للأهل في النقب، فانتقلوا مع تلك الأحداث إلى مرحلة متقدمة كان لها فيما بعد الأثر الأكبر في الزج بالنقب وأهله في صلب المشروع النضالي العربي على مستوى الوطن كله من الجليل والمركز وحتى النقب…

(4)

الأرض هي الوطن، وحُبُّهُ غريزةٌ متأصلة في النفوس تجعل الانسان يستريح إلى البقاء فيه مهما كان حاله، ويحنّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه بالدم والروح إذا اعتدي عليه، ويغضب له إذا انتُقص منه..

رحم الله الأصمعي حين قال: “ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات. الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بها بعيدًا، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبًا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعًا..”…

سيبقى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لوطنه مكة ملهما للأجيال في سعيها الدائم لحماية الأوطان، فقد طره قومه منها الا أنه كان دائم الحنين اليها، وليس أعظم في التعبير عن هذا الحب والحنين مما قال وهو يغدرها مكرها: “ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ)… اما قصته مع أصيل الغفاري ووصفه مكة فقد روي أنه قدم فدخل على السيدة عائشة ام المؤمنين – رضي الله عنها – فقالت له: يا أُصيل، كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي صلى الله عليه وسلم.. فلم يلبث أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (يا أُصيل، كيف عهدت مكة؟).. قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وأسلت ثمامها، وأمشّ سلمها، فقال صلى الله عليه وسلم: (حسبك يا أصيل لا دع القلوب تقر).. أما الصحابة رضي الله عنهم، فقد روي انهم حينما قدموا المدينة أصابهم المرض من شدة شوقهم على مكة وشعورهم بالوحشة بعيدا عنها، فما سمع رسول الله ذلك وهو منهم وعنده من الشوق ما عندهم ومن الحسرة على فراقها ما أشد مما فيهم فقال: ” اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد”..

(5)

ككل حدث من أحداثنا الإسلامية والوطنية التي نحيي ذكراها سنويا وبشكل دائم، نطرح السؤال: وماذا بعد؟؟!!! … الجواب يبدو سهلا، إلا أنه في رأيي ليس كذلك لأسباب ليست في ذاته، ولكن لأسباب متعلقة بغيره.. أعني فينا نحن المجتمع العربي قيادة وشعبا… يبدو لي أنه لا خيار لنا حتى نخرج من حالة الرتابة في إحياء مناسباتنا المختلفة، من أن ننسج من جهودنا المبعثرة والموسمية وغير المنتظمة، مشروعا متكاملا وشموليا يحمل خطة تبدأ ولا تنتهي حتى نحقق الأهداف ونبلغ الغايات، وإلا فلن تكون مناسباتنا أكثر من بكاء على الأطلال لن يسمن ولن يغني من جو.. وهذا بلا شك سيكون خسارة، ما بعدها خسارة…

* الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

الإسلاميون بين الثابت والمتحول في السياسة

وجهة نظر

هل المجلس الوطني للبيجيدي موفق في مخرجاته؟

جرافة تمر على قمة تل يسكنها جنود مغاربة على طريق بين المغرب وجهة نظر

الصحراء التي في خاطري

تابعنا على