https://al3omk.com/318583.html

لقد كفرت بديمقراطيتكم!

يا مغربي و يا مغربي و يا مغربية!
جات نوبتك تعبر و تبان
الانتخاب عليك و عليا مسئولية
نعزوا بلادنا ما بين البلدان
لا تقولش أنا واحد صوتي ما عندو ما يدير
صوت لا تبقاشي قاعد
عبر على ما في الضمير.

ليست إبداعا شخصيا، بل جزءا من كلمات أغنية كانت تحث المغاربة على المشاركة الكثيفة في أول انتخابات العهد الجديد: تشريعيات 2002. الراحل محمد رويشة (و كان مجرد ساعي بريد) أراد تبليغ رسالة أن العز و النماء مرتبط بدخول المواطن المعزل، حسب تعليمات عبد القادر مطاع شفاه الله، لوضع إشارتين على اللائحة الوطنية و المحلية.

وكما يحدث هذه الأيام في زيمبابوي، حيث يقف المواطنون طوابير طويلة ظنا منهم أن انزياح “روبرت موكابي” و مشاركتهم الكثيفة ستحول بلدهم لسويسرا ثانية، فإن الدولة المغربية توهمت (أو أرادت إيهام المواطن) أن المشاركة في انتخابات بصناديق شفافة زر سحري، ما إن يضغط حتى تفتح جنان عدن و تغلق الجحيم المسعرة.

فشلت تجربة الديمقراطية المدعومة بأغنية رويشة و تمثيلية عبد القادر مُطاع، كما فشلت محاربة الأمية ببرنامج خبيرات “ألف لام” لأن الانتخابات لا يجب أن تكون حرة فقط، بل و نزيهة. “نزيهة” التي طالما انتظرها الشعب لا تكون إلا بقدرة هذا الشعب على الاختيار، و حسن الاختيار و معاقبة من تم اختياره، إن هو مال عن جادة الصواب.

المغاربة اليوم لهم حرية الاختيار و لو في ظل دستور عصري لكن مليء بالفخاخ، غير أن حسن الاختيار غير متوفر في ظل سعي الداخلية الإبقاء على كثلة 40% متحكم بها. ثلاثة أرباع من يصوتون إما فقراء او أميون (و لا نعيبهم) أو انتهازيون، أو ببساطة مدمنون على الذل و الهوان و عبادة الأصنام.

لا نفهم كيف للدولة أن تعتبر الظروف غير مهيأة لملايين المغاربة في الخارج للتصويت (و هم الآمنون المطمئنون المثقفون في جزء كبير منهم)، بينما تعتبرها جد مهيأة (الظروف) لملايين المغاربة في الداخل ممن تجود عليهم الجمعيات بالسكر و الشاي، و يغيثهم الجيش بمستشفياته الميدانية كما يحدث في بورما و مخيمات الزعتري. هنالك شيء عفن في مملكة الدنمرك كما عبر شكسبير في مسرحية “هاملت”.

الضلع الثالث مفقود لدا أسعد شعوب شمال إفريقيا: القدرة على زج المفسدين في السجن سنينا عددا إن هم أساؤوا استغلال سلطهم. الإعفاء رحمة و أموال بلا مجهود فهو وجه من وجوه الريع، و لن تقوم لهذه الدولة قائمة إلا عندما تعتبر الأمانة ندامة كما قال رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم.

عندما تودي وزارة أو مؤسسة بصاحبها أو مديرها للمؤبد كما حدث مع رئيسة كوريا الجنوبية السابقة، يومها سيبادر المسؤول و يخلق و يبدع حتى يتجنب قضاء ما تبقى من حياته وراء القضبان. غير ذلك يبقى مجرد “كلام كلام كلام” كما قال كذلك صديقنا شكسبير في رائعته “هامليت”.

قبل 19 سنة فتحت الدولة الباب مشرعا لتفريخ 30 حزبا و يزيد لغرض في نفس يعقوب. منهم من قال بفرق تسد و منهم من أكد محاولة الماسكين تصدير مشهد التنوع بخلق “زربية مزركشة” من الأحزاب مختلفة ألوانها تصر الناظرين. لكن الدولة أهملت (و قد يتوفر شرط الإصرار و الترصد) أن معدة فارغة ليست أفضل استشارة سياسية.

خريجي مدارس فرنسا للإدارة و القناطر لم يعملوا بقاعدة ان السياسة بنية فوقية يلزمها اقتصاد قوي بنيتها التحتية. مستشارون و خبراء أغفلوا أن الانتخابات (حاجة التعبير عن بالذات) تأتي بعد قضاء حاجة الأكل و المشرب و المأمن و المنكح و التفريخ (عيال)، لتأتي فترة الإنجاز تليها إدارة الإنجاز بانتخاب نخبة صغيرة تدير ثروات نخبة أكبر. لم يفرض الله الإيمان به حتى ضمن لعباده أمن البطون و الأجساد و الأنفس (فل يعبدوا رب هذه البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف).

مرت قرابة العقدين ربط خلالها المواطن كل خيباته بنخبة سياسية تم التسويق لها من جهة أنها وسيلة المواطن للحكم، و من جهة ثانية أنها سبب بلائه و متاعبه، لتدق ساعة الحقيقة و يعرف الشعب أن نخبته و مؤسساته و أحزابه نمر من ورق، موضوع ربما للتزيين، ربما لصد الصدمات، ربما لتنزيل القوانين و التعليمات، لكن الأكيد أن تلكم المؤسسات و الهيئات و الأحزاب ليست لسان حال الشعب و لا طريقه لتنفيس الأماني و الرغبات بطرق شرعية و منظمة.

و لأن ما بني على باطل فهو باطل، فقد تحول الفيسبوك لأكبر تجمع حزبي حيث الصوت مسموع لأنه استهدف حاجة الناس لإيصال الصوت و مشاركة الأحزان كما الأفراح، و البحث عن الاعتراف الجماعي، بينما تحولت مقرات الأحزاب (العتيقة منها كما الجديدة) لدكاكين تباع فيها التزكيات و الجلود و المناصب لمن يدفع أكثر. قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

* باحث في الجغرافية السياسية و كاتب رأي مغربي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك