https://al3omk.com/335858.html

القوة الثالثة أو قوة التحكم

ورد في الجزء المخصص للحديث عن الانتقال الديمقراطي من مذكرات عبد الرحمان اليوسفي “أحاديث في ما جرى ” أن السبب الذي كان و لا يزال يشكل عائقا أمام تحقق حلم تطبيق الانتقال الديمقراطي على أرض الواقع ،ما اسماه بالقوة الثالثة .

فرغم عدم تسمية الأشياء بمسمياتها و الاقتصار على العموميات ،إلا أن ما يمكن استنتاجه من كل ذلك أنها سلطة تتوفر على كل ما يجعلها قادرة على قلب الموازين و تحريك كل شيء من أجل أن لا يتحرك أي شيء أو العكس ،و ذلك بحسب ما يتوافق و مصالحها.
و ما يقرب المعنى أكثر ،هو ما تمت الإشارة إليه في المذكرات ،بخصوص ما يتعلق بتاريخ و أسباب نشأتها و أهدافها .فهذه العناصر تعتبر أساسية في معرفة كنه الأشياء بشكل واضح .

فتاريخ نشأة هذه القوة توافق مع بداية تاريخ المفاوضات التي جرت بين الحكومة الفرنسية و بين الوطنيين المغاربة ،حول استقلال المغرب و عودة محمد الخامس من المنفى ،بضغط من المقاومة و جيش التحرير.

فقد اتفق أن الحكومة الفرنسية كانت قد اشترطت لإجراء هذه المفاوضات أن تكون على رأس حكومة التفاوض شخصية مستقلة ،أي من غير الوطنيين ممن ينتمون إلى الحركة الوطنية و جيش التحرير .

ولأسباب مختلفة تمت الموافقة على شخص إسمه ” امبارك البكاي “. فمن المعلوم أن اختيار هذه “الشخصية “،جاءت بناء على الشرط الأول ،كما جاءت بناء على عناية الحكومة الفرنسية ،القصد منها تحقيق أهداف معينة عبر سهولة الانقياد إليها و عدم مقاومة شروطها الرامية إلى منح استقلال صوري فقط. لكي تحافظ بذلك على تأخير جلاء قواتها و على بقاءها المعنوي الغير مرئي بالمغرب ، والحفاظ على مصالحها و مصالح معمريها و كذا معاونيها من المغاربة ، كذلك ضرب المعسكر الوطني الذي تشكل منذ الثلاثينات …

و لم يمر إلا وقت قصير من منح الاستقلال”الصوري” للمغرب ، حتى برزت إلى السطح ،خلافات عديدة إما بين الوطنيين بعضهم البعض وإما بينهم و بين القصر ،مسهمة بذلك في استبعاد الوطنيين من المسؤولية ،و تركيز السلطة في يد واحدة بعدما استفحلت كثرة الانشقاقات التي أدت ما مرة إلى إسقاط الحكومة . لتتعزز فرضية إمكانية الاستغناء عن الحكومة بإعلان حالة الاستثناء التي كانت فرصة مناسبة لكي يظهر إلى الساحة أشخاص آخرين لم يكن لهم وجود أثناء المقاومة و الدفاع من اجل الاستقلال ،احتلوا أماكن مهمة في الدولة . وهؤلاء هم القوة الثالثة .

وفي الوقت الذي كانت حركات المد و الجزر بين الوطنيين و القصر حول النزاع على السلطة ،حركات متفاوتة غير مضبوطة ،كانت القوة الثالثة تعمل بجد على ترسيخ جذورها أكثر في جميع الأماكن الحساسة للدولة ، مستغلة بذلك الفراغ الذي تركه عدم انضباط حركتي المد و الجزر تلك.

و إذا ما كان الأمر على هذا النحو ،و بهذا المعنى ،فإن ما تمتلكه هذه القوة من سلطة كفيل على فعل أي شي ، إلى الحد الذي تتحكم به في المصائر و القرارات.

و للتدليل على ما تمتلكه من قوة و تحدي، فقد اتفق أن الحسن الثاني أرسل موفدا إلى المهدي بن بركة ،ليبلغه بإمكانية عودته من المنفى الاختياري ،كما أبلغه أيضا بطلب “حل المعادلة الرياضية ” .رحب المهدي بن بركة بالعرض ،كما أبدى حماسة للمشاركة في الحكومة ، بعد أن ينتهي من أشغال التحضير لمؤتمر القارات الثلاث .

وبعدما علم الملك بتفاصيل الجواب ، حدث أن تمت مفاتحته في نفس الموضوع ،ليقول قولته المعروفة : لقد فات الأوان .. ، و مباشرة بعد ذلك أعلن خبر اختفاء المهدي بن بركة .

فكما هو معلوم ،فالمعادلة الرياضية تتوفر على أعداد معلومة و أخرى مجهولة ،تماما كما هو الأمر على معادلة الحكم في المغرب.أشخاص في العلن وآخرين في الخفاء تظهر أفعالهم وهم لا يظهرون.

و لعل هذا ليس حكرا على المغرب وحده ،بل إن وجود هذه القوة و ما تمتلكه من وسائل خطيرة ، يتحدد بوجود بيئة يسود فيها التخلف و الفساد . فهي تستعمل ما تتوفر عليه من وسائل في التفوق في تلك الحاجة السائدة و المطلوبة في ذلك الزمن عند ذلك البلد.فإن كان الزمن زمن تجارة أبانت عن قدرتها في تدبير وسائل التجارة و في سهولة جلب الأموال .و إن كان الزمن زمن قوة و حرب ،أظهرت نياشينها التي أدركتها استبسالا في معارك الوغى .و إن كان الزمن زمن مرض و أوبئة ،ادّعت الكرامات و القدرة على العلاج ..كل هذا من أجل التقرب أكثر فأكثر لمراكز القرار ،بعدما اقتنع بقدراتهم الخارقة إزاء ما يشكل عنده حاجة ملحة و ضرورية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر ،ظهر أواخر القرن التاسع عشر في روسيا القيصرية ،التي كانت حينها تئن تحت وطأة الفقر و الاستبداد المقرونان بالفساد ، رجل يدعى غريغوري راسبوتين مدّعيا القداسة و امتلاك “الكرامات”- كما يقال عندنا-،في علاج المرضى .

ذاع صيت راسبوتين في كل مكان ،و ما إن وصل خبره و خبر كراماته إلى أسماع الملكة المكلومة بسبب مرض ابنها الأمير، حتى أمرت بإحضاره إلى القصر .

ولأسباب معينة-ذكرت بعد مرور وقت طويل على هذه الحادثة و بالضبط بعد تطور الطب- استطاع صاحب الكرامات أن يحدّ من مرض “جريان دم” الأمير ،فاستقرت حالته و تحسنت،و لم يعد يشعر بالألم ، كما كان من قبل .

كان لهذا وقع كبير على مسار حياة الرجل صاحب المعجزات ، إذ منذ تلك اللحظة أصبح كلامه يقام له وزنا داخل القصر، و ما فتئ على ذلك الحال ، حتى أمسى الآمر الناهي في القصر ،و صاحب القرارات المصيرية للبلاد التي كانت تزيد من وطأة التخلف و الفساد.

و أمام الحنق الذي بات يكنه له الشعب ،واستشعاره بخطر يهدده ،لم يتوانى في بث ذلك لأسياده ،مخبرا و محذرا إياهم مما سوف تؤول إليه الأمور،إذا ما ثم اغتياله ،فآنئذ سوف لن يستمر ملكهم طويلا .

و ما جعل لقصة هذا الرجل ذي الكرامات تبقى قائمة في عقول الناس خاصة في البلد الذي جرت فيه أحداثه ،هو حصول ما سبق و أن أخبرهم به .

.فالشعب الذي اغتال راسبوتين صاحب الكرامات ،ثار بعد سنتين من ذلك على القياصرة ، و تركوا وراءهم قصورهم خاوية على عروشها .لكن راسبوتين ظل كذلك عبرة مرسومة في ذاكرة روسيا . التي استفادت منهما لتتطهر من رجس التخلف و تصبح من أقوى البلدان في العالم .

إن صنع و توهم كثرة الأسباب و الجبهات و الأعداء، غالبا ما يؤدي إلى تشتيت الجهود و إهدار الطاقة ،و بالنتيجة مراوحة المكان ..و هذا ليس حصرا على مجال معين ،بل هي قاعدة تسري على جميع مناحي الحياة .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك