https://al3omk.com/340018.html

البصر مرتبط بالحاضر والسمع يشمل كل الأزمان

العوالم الروحية نصلها بإدراكنا لحدود الحواس

إن فرضنا للمنهج الحسي الذي يجعل الإحساس مصدرا وحيدا من مصادر المعرفة لا يقلل من أهمية وحاجة الإنسان إلى الإحساس فعندما تم تصوير الإنسان بيد القدرة الإلهية اقتضت الحكمة الربانية أن يتخلل تركيب الإنسان خمس حواس رئيسية يطل من خلالها على عالمه الخارجي .وهي البصر ، السمع ، الشم ،اللمس، الذوق . يستطيع بها اكتشاف محيطه والاستفادة من ضروريات الحياة المعددة .

وبالتالي استيعاب الأشياء والمحسوسات من حوله . فلك حاسة من الحواس عالمها الخاص، والذي تستطيع أن تزود النفس والعقل بخصائصه وأوصافه وطبائعه من خلال تعامله معه، فالإنسان يدرك أن كل نار محرقة بواسطة حاسة اللمس ويدرك الفرق بين الألوان والأصوات بحاسيتي السمع والبصر ، وكذلك المذوقات والمشمومات بحاستي الذوق والشم . كما يدرك الخشونة والنعومة بحاسة اللمس.

ولولا هاته الحواس لما استطاع الإنسان أن يتصرف على هاته العوالم المختلفة. وسائل الإدراك تتفاضل فيما بينها فالبصر يأتي في المقام الأول لأنه أقوى وأكمل ، ثم يليه السمع لأنه أعم وأشمل ، والبصر في مقام الإدراك أفضل من السمع ، والسمع يحصل به من العلم أكثر مما يحصل بالبصر. والسبب راجع إلى أن الذين يسمعون عن وجود الشيء أكثر بكثير من الذين يشاهدونه ،فالعلم بالسمع أعم وأشمل من العلم بالبصر.

لذلك تقدم الآيات القرآنية السمع على البصر لأنه أكثر شمولا . فقد يتعلق السمع بالماضي والغائب أما البصر فلا يتعلق إلا بالمرئيات الحاضرة. وهما في مقدمة الحواس التي وزد بهما الإنسان واستطاع بهما أن يدرك عالمه الخارجي بعد مرحلة الجهل وعدم العلم بالأشياء.

“والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيء وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون” . وجاء تأكيد القرآن على أدوات الحس كشف ماهية الأشياء وخصائصها كما وكيفا حتى يستطيع الإنسان توظيف هذه الأشياء وتسخيرها لعمارة الأرض. فلا يمكن توظيف العالم وتسخيره إلا بعد اكتشاف قوانينه ، معرفة العلاقة التي تربط بين المكونات والظواهر الحيائية. وهي إحدى وظائف الإنسان المكلف بها شرعا . فكانت سائل الحس أداة لإدراك الحقائق.وتأكيد البراهين عبر مبدأ النظر والاستطلاع والاستكشاف في عوالم الطبيعة ،” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين” . وأداة لتصديق الآيات والدلائل التوحيدية ” ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون” .

ويدعون عبر هاته الوسائل لكشف ديناميكية الخلق والوجود والحياة ” أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت” و” انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه” .و”انظروا إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ” ،وجعلها سببا للنجاة والسعادة الأبدية . ” وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السعير” . وفي نهاية الأمر تتحول هذه النعمة الإلهية إلى شاهد ودليل على عمل الإنسان مع محيطه . فقد وضع الإسلام عقوبات شديدة لمن يتعرض لها بالأذى كالقطع أو الإتلاف ففي الوقت الذي يبيح المشرع الإسلامي تبرع الإنسان بكلية لإنسان آخر إذا لم يترتب على ذلك الضرر فهو يحرم تبرع الإنسان بعينه أو أذنه أو لسانه لإنسان آخر ،لأنها تشكل وسيلة وأداة من أدوات العلم والمعرفة . فمن فقد حاسة من الحواس فقد علما من العلوم.

التوفيق بين الحواس والإدراك

تعتقد النظرية الحسية أن الحواس هي المصدر الرئيسي والوحيد للمعرفة ، بينما تصرح الأبصار القرآنية أن الحواس هي أدوات للمعرفة وليست مصدرا لها . فهي بمكان الموصل أو المنفذ الذي ينتقل عبره المؤثرات الخارجية إلى الداخل. وهي ليست مستقلة بذاتها أي أننا لا نصل إلى المعلومة عن طريقها هي بالاستقلال. ويعتقد الفلاسفة المسلمون أن الحواس هي أحد مصادر المعرفة البشرية ، ويؤكدون أن المدركات والصور الحسية موادا أولية وعناصر ممهدة لعمليات عقلية أرفع مستوى من الحواس التي هي تدرك الحقائق. وتوجد ثلاثة آراء حول هذه النظرية :

-الرأي الأول للمذهب الحسي ويعتقد أن الحواس مصدر حيد للمعرفة

-الرأي الثاني لفلاسفة مسلمين يعتقدون أن الحواس أحد مصادر المعرفة وليست مصدرا وحيدا.

-الرأي الثالث الذي تعكسه بصائر القرآن ويرى أن الحواس هي أداة وليست مصدرا للمعرفة ،فهي لا تدرك الأمور المستقبلية لأنها فاقدة للقدرة والعلم وكل ما عليها هو نقل الإحساسات وتوصيلها إلى مصادر المعرفة الحقيقية . لذلك فهنا اطر موضوعية في إشارات القرآن للجانب الحسي نستدل من خلالها على حقيقة الحواس في المنهج القرآني وندلل عليها بالنقاط التالية أولا محدودية الحواس في إدراك الحقائق في الوقت الذي أكد القرآن على الحواس ، وأولاها عناية خاصة ، فإنه أعطاها حجمها الطبيعي وحددها في حدودها الواقعية وبين عجزها عن معرفة الحقائق الكلية ،وأكد أن الحواس غير قادرة على إدراك العديد من الحقائق والعلوم الأخرى التي لا يمكن إدراجها ضمن حدود الحواس آو تخضع للتجريب ” فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم ” فالحدود الطبيعية لحواس الإنسان هي محركاته المرئية والمسموعة التي تتجسد في الطبيعة وفي أفق أشكال وتركيبات معينة ، وكل ما يخرج عن ذلك فالحواس تكون من القصور بحيث تدركه، وبالتالي يستحيل الإحاطة به ومعرفته ولان قدرتها محدودة فهي تدرك كل ما يقع تحت هذه القدرة. كما أن البحث في دلائل أصول الدين يختلف في منهجه ووسيلته عن البحث في فروعه.

ليس في مجال الفقه وإنما في مجال المعرفة العامة . فالبحث في قضايا أصول الدين ينتمي في طبيعته إلى عالم لا علاقة له بعالم المحسوسات ،من هنا كان البحث فيه يختلف عن البحث في عالم المحسوسات من حيث المنهج والوسيلة. كما أن الحواس قد تخدع الإنسان حتى في الأمور المرئية والسمعية ،حيث أثبت علماء النفس ظاهرة انخداع السمعي البصري في العديد من التجارب، وأشار إليها القرآن الكبير في رؤية السراب بالصحراء. “كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا ” كما أنها تتأثر بالإيحاء والتخيل وهو ما يصنعه السحرة عندما يوهمون الناس بأعمالهم الخارقة ، ولأنهم لا يستطيعون تغيير وتبديل الحقائق ،فيستخدمون سحر التخيل لإيهام الناس بعمل الخوارق كما فعل سحرة فرعون عندما ألقوا حبائلهم وعصيهم فرآها الناس أفاعي وحيات تسعى ” يخيل إليه من سحرهم أنها أفعى” ،فتأثير السحر إنما يقع على عين الناس وليس على الأشياء. فإذا كانت الحواس لا تدرك جملة عالم الشهادة المرئي والمسمع فكيف بعالم الغيب. كما يصنفها قر في بعض الآيات بالتعطيل والجمود ” ولهم أعين يبصرون بها ” ، ” ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يجرون “. ثانيا القرآن يؤكد قيمة ما بعد التقاط الصور الحسية .تتفاوت وسائل المعرفة بتفاوت موضوعها. فالمعرفة بالجزئيات وما يختص بعالم الشهادة تقابله ادوات الحس الظاهرة . أما المغيبات فتقابلها قوى الإنسان الداخلية ، كالنفس والعقل وقواه الداخلية الذاتية. فتتعامل هي الأخرى بمنهجها الخاص. وترتبط وسائل الحس الظاهرية بالوسائل النفسية والعقلية والإدراكية ارتباط النتائج بالمقدمات. فلا يمكن أن نؤسس قضايا كلية ، أو نصل إلى تقنيات ما لم نتعرف قبل ذلك على جزئيات هذه القضية الكلية . ومعلوم ان الطريقة الحيدة للتصرف على هذه الجزئيات هي الحواس الظاهرية . فالبعد الحسي لا يمكن إهماله لأنه وسيلة إلى الإدراك لعالم الماورائيات إذا أحسنا توظيف أدوات المعرفة الظاهرية في الكشف عن قوانين الطبيعة وخصائصها وعلاقتها بالخالق باعتبارها آية من آيات وجوده. وبرهانا قطعي الدلالة على خالقه، فيتجاوز الإنسان مرحلة الظواهر والمحسوسات إلى التساؤل عن الماورائيات الغيبية لذلك فهناك اطر موضوعية في إشارات القرآن للجانب الحسي، ونستدل على أن القرآن لم يركز على بعد واحد ويجعله وحده ودون سواه وسيلة للمعرفة وبناء اليقين ،بل أشار إلى جميع الملكات الإنسانية وقواه الظاهرية والداخلية ولم يهمل أيا منها في المعرفة لذلك ربطت آيات القرآن الكريم التي تناولت حاستي السمع والبصر والأمور الظاهرية المحسوسة بأبعاد وقيم أخرى أهم بكثير من المحسوسات كالتفكر والتعقل والخيال واستنساخ الأمور الكلية ،فلم يجعل غاية المعرفة في حدود المتغيرات الواقعية الحادثة التي نقلت عن طريق الإحساس ،وإنما جعل الحواس بمكان النافذة التي يطل الإنسان من خلالها على مفاهيم يقينية في البعد العقائدي والغيبي العرفاني عبر البحث والاستطلاع والتدبر للوصول إلى علل واستنتاجات السنن الكونية والآيات الآفاقية ” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان …” ونعت في الوقت نفسه طائفة من الناس بالعمى والصم لأنهمك لم يتجاوزوا حدود النظر والسمع والاعتبار” لهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها “، ” ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ” ” ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون “.

الغشاوة والطبع

كما يعتبر القرآن بالغشاوة عن الحالة التي تحول بين الإنسان والاستفادة والاعتبار مما يرى أو يسمع ” وجعل على بصره غشاوة فمن يهديهم من بعد الله “، أو حالة الطبع التي تجعل الإنسان لا هيا عن الحقيقة ” ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون” ،فالغشاوة والطبع مفردتان تؤكدان أن الحواس وإن كانت متنقل الإدراكات الخارجية وتقوم بدورها على أكمل وجه، إلا أن عدم ترجمة هذه الإحساسات والصور إلى معارف يقينية اعتبارية عن طريق مصادر المعرفة الأخرى- كالقلب- يؤدي إلى تعطيلها عن معرفة الحق على الرغم من كونها تعمل كوظائف عضوية سليمة، فكان الهدف من النظر والسمع هو الاعتبار والتأمل ، لذلك ليس من العبث إن نجد سور القرآن تحمل أسماء مثل أسماء وحيوانات كالنمل والعنكبوت والنحل والفيل وما أشبه، لا لكي يصور لنا الخالق هذه المخلوقات بل لنتدبر فيها عبر منهج التأمل في الظاهرة المادية المحسوسة. ثم نتجاوزها إلى ما وراءها من حقائق ومعارف عقائدية فالمقدمات التي لا تؤدي إلى نتائجها تكون عقيمة لا فائدة منها.

ثالثا معرفة الحقائق بالذات عندما تسلط الآيات القرآنية الضوء على حاستي السمع والبصر في أكثر من عشرين موضعا مختلفا من القرآن إنما لتؤكد أن الوصول إلى الحقائق والمعارف والعلوم، لا بد أن ينبع من الإنسان نفسه، من سمعه هو ومن بصره هو لكي لا يختلط عليه الحق. فاليقين المبني على البحث الذاتي أوثق وأكثر أثرا في بناء اليقين وإثبات الحقائق. وهي دعوة للولوج في عالم المعرفة من أوسع أبوابها. فكفى بالمرء أن يسمع بإذن غيره، أو يبصر بعين غيره،أو يفكر بعقل غيره، أو يدع الآخرون يفكرون بدلا عنه.

بل لا بد أن يجهد نفسه ويخترق عالم المعرفة بكل أبعادها، لأنها ما قد تصل إليه أنت لم يصل إليه غيرك، وما تصوره بإدراكك الذاتي قد يكون شيئا مختلفا عما تم بحثه وتحقيقه.فلكل وعاء اتساعه الخاص الذي يخترق به المعارف. وبما أن استعداد الإنسان لتلقي واستيعاب وهضم المعارف يختلف من إنسان إلى آخر، فإن دعوة القرآن لنا في تحري الحقائق ذاتيا يعمل على إعطائنا أكثر من نتيجة للحقيقة نفسها المراد بحثها.وإثارة فكرة البحث الذاتي عن الحقائق جواهر الأشياء ، فالله يقول للإنسان لا ينبغي أن تقول ما لم تعلم إلا بعد أن تؤسس حالة اليقين والمعرفة الكاملة بالشيء” ولا تقل ما ليس لك به علم إن السمع والأبصار كل أولائك كان عنه مسؤولا “.

رابعا الحواس تنقل المعرفة الظاهرية . ومن الأمور التي أكدها القرآن هو اختلاف نسبية المعرفة بين الناس كونها تتطلب عمليات ذهنية مكثفة ومتواصلة. وحيث إن إمكانيات وملكات الإنسان متفاوتة ومتباينة من شخص لآخر، فإن قدرة اكتشافه للأشياء والحقائق تختلف كما وكيفا. لذلك قد نجهل أمورا يتم اكتشافها عند الآخرين وتصبح حقيقة واقعة. فالتفاوت بين مدركات الناس “وفوق كل ذي علم عليم “، يجعلنا على درجة من الوعي بحيث لا نجعل جهلنا بالشيء دليل على عدم جوده لأن الجهل بالشيء لا يلغي وجوده في ذاته فالإنسان ينهل من فيض المعرفة بقدر استعداده . فالقرآن يؤكد حقيقة نسبية المعرفة – كما يتفق على هذا المبدأ العلماء والفلاسفة والمفكرون- وان الإنسان مهما أوتي حظا من العلم في مجالات العلوم المختلفة فهو عاجز عن إدراك واكتشاف جملة الحقائق وأن كلما تعلمه إنما علم يسير لا يقدر بشيء “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”.

وإذا أدركنا مفهوم “نسبية المعرفة” وتفاوت الناس في معرفة الحقائق، نتساءل هل ينطبق هذا على المعرفة الحسية ؟ وهل المعرفة الظاهرية للأشياء تتفاوت أيضا بين الناس على الرغم من كونها محسوسة ؟ كيفما توضح الأمثلة .. لقد كانت أراء ونظريات الفلاسفة تؤكد أن الأرض مركز الكون وأنها ثابتة والشمس تدور حولها. وشذ على هذه النظرية بعض العلماء الذين عرفوا مركزية الأرض . فالأمر لم يحسم لأنه مازال في الإطار النظري التصويري ولكن بعد اكتشاف الأجهزة العلمية والفلكية ، ثبت بالقطع واليقين وبعد المشاهدة أن الأرض تدور حول نفسها 24 ساعة. وتدور حول الشمس كل 365 يوم. فزال الاختلاف وتساوت المعرفة وحسم الأمر بمشاهدة العيان. ومثال آخر ، فقد ظن العلماء أن الكرة الأرضية مسطحة وليست كروية ، وخالف بعض العلماء هذا الرأي لاختلاف نسبية المعرفة التصورية لديهم . وبعد الرحلات البحرية التي قام بها المكتشفون تحقق صدقية المقولة بكروية الأرض ،فزال الاختلاف وتساوت المعرفة في هذه القضية. وكمثال افتراضي لو قلت لكم أن الحيتان في البحر تصدر أصواتا لبعضها البعض ، وتسير على إشكال مجموعات لها قائد مرشد ، وتتمتع بعاطفة وأحاسيس ومشاعر لا توافقني الرأي ، وتختلف معي نتيجة لتحقق المعلومة عندي وعدم تحققها عندك، ولكن عندما أدعوك لرحلة بحرية في عمق المحيط، وتشاهد عن قرب كل هذه الملاحظات سوف تشاركني الرأي وتتساوى معرفتنا بهذه القضية . إذن لو كانت المعرفة الحسية وحدها مصدرا للمعرفة لما اختلف الناس في آرائهم حول قضية أو حقيقة ما واتضحت نسبية المعرفة لديهم.

الأوساط الملائمة

فالأمور المحسوسة لا يختلف عليها اثنان فالكل يجمع على أن الشمس تشرق بالشرق ، وأن الثلج يتحول إلى ماء بالتسخين ، وأن المصباح يضاء بوصول الكهرباء إليه ، وأن العين ترى الأشياء بانعكاس الضوء عليها، وأن المادة تنتقل بوجود الوسط الملائم لها، وأن الماء يتكون من إتحاد الهيدروجين والأكسجين …، وما أشبه. فالأمور الحياتية المحسوسة والقوانين العلمية الوضعية يصل إليها الإنسان بالتجربة والعلم المسموع وما تصل إليه من نتائج يصل إليه غيرك لوحدة الموضع وتشابه النتائج، كما أن ذات النظرية تؤكد هذا المفهوم. لذا يتبين أن حقيقة المعرفة التي تقر مبدأ النسبية ليست هي المعرفة الحسية ،وإنما هناك معرفة من نوع آخر يتجلى فيها مبدأ التعاون والنسبية.
خامسا الحواس تعمل في الحاضر لو آمنا بان الحواس تدرك الحقائق مستقلة ،فهل تستطيع أن تدرك الحقائق التي لا تخضع للزمان والمكان ،وتخترق حوافي الزمن كالماضي والمستقبل؟

إن الوسائط الحسية ل عملت مستقلة – فرضا- لا تنفع للتعامل إلا مع الحاضر المحسوس فقط، ولا تصلح للتعامل مع الماضي ولا مع المستقبل فما بالك بالتعامل مع ما راء المحسوسات أو الأمور الغيبية كمسائل الاعتقاد وأمور ما وراء الطبيعة والميتافيزيقا وهي أمور بدأت منذ النشأة الأولى وتبقى إلى الأزل، وبالتالي فإن معرفة الحقائق الكلية كمعرفة (الله والرسول والعقل والروح والنفس) تحتاج إلى وسائل بمقدورها أن تدرك ولو بشيء يسير علاقة الزمن في ميزان الخلق والوجود، وأن تكتشف عبر اختراق عوالم الماضي السحيق ،فلسفة الحياة وترنو إلى الأزل فتصل إلى على هذا كله.

سادسا أهمية التجريب في الإسلام الأسلوب العلمي التجريبي منهج سديد لفت نظرنا إلى ديننا الحنيف ودعانا إليه. ولا غرابة في ذلك فالعلم الصحيح أبن شرعي لكل منطق ديني سليم ومنهاج عمل له. والمتتبع للسيرة النبوية والمناظرات الفكرية التي دارت بين الأنبياء والأئمة من جهة أخرى يستشف بكل وضوح وجلاء دور وأهمية المنهج التجريبي للحصول على معلومات وأفكار معرفية جديدة . وقد زخت الكتب والرسائل والمناظرات العلمية في صدر الإسلام الأول بالعديد من النظريات الطبيعية والبحوث العلمية التي أصبحت فيما بعد مراجع علمية تدرس في شتى بقاع العالم وتخرج عن نهجها عشرات العلماء والمفكرين الطبيعية والفلكية والرياضية والطبية. ولكن مهما أعطي هذا المنهج من أهمية في البصائر القرآنية أو الآيات والروايات فإنه يبقى أداة لإدراك الأمور المحسوسة والجزئيات وعن الجزئيات نحصل على الكليات ، وماهية الأشياء التي ندركها بوسائل أكثر عمقا وتلاؤمها الطبيعة ،ولقد ذكرنا حقائق الكون والطبيعة والعناصر الفيزيقية المادية.وجب الاعتماد فيها على التجربة والمختبر لمعرفتها وإدراكها.أما قضايا الغيب وأصول التشريع وفهم علل وغايات الأعمال فبالإضافة للنقل الصحيح والعقل الصريح وجب أن ياخذ بعين الاعتبار قوى الإنسان الذاتية ملكاته النفسية والروحية. وهل يصلح المنهج التجريبي المتطور إلى إدراك ما بعد الحواس ؟ بعد التطور العلمي الذي شهده العالم خلال العقود المنصرمة من ذات الدقة المتناهية ، إضافة إلى المختبرات الدقيقة المحكمة التي تقيس درجة حرارة بعض القوى الروحية . وما يتخلل جسمه من عوالم غير مرئية كما استطاعوا بالتجربة المخبرية التوصل إلى حقائق مذهلة وعميقة عن البعد الباطني للإنسان مما جعلهم يؤكدون أن أعضاء الحس ما هي إلا أدوات وليس مصادر للمعرفة. مهمتها توصيل الصور والمؤثرات الخارجية وما خلف هذه الأدوات عالم من الغرائب والإمكانيات والقوى الأخرى التي تدرك المعاني والحقائق بشكلها الأوثق والأصدق. كما أثبتت التجارب الروحية أن الإنسان يتأثر بالعديد من الأمور التي لا يشعر بها عن طريق الحواس وتشكل عنده حيزا من المعرفة ، وهناك العديد من الحقائق في هذا المجال توصل إليها العلماء الباحثون للعلوم الإنسانية اللذين ركزوا بأبحاثهم على التوصل إلى حقيقة الإنسان لأن الذي جعل هذه الاكتشافات تدعم موقف الدين وتعمق إيمان الإنسان بالغيب والأبعاد الروحية التي نادى بها رسل الخالق على مختلف العصور.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك