https://al3omk.com/343124.html

المشاركة السياسية: الحكم المحلي نموذجا (4/4)

ليس أمامنا من أجل إنقاذ حكمنا المحلي العربي إلا أن نؤمن جميعا كجماهير وكقيادات، أن السلطة المحلية (بلدية كانت او مجلسا محليا)، هي واحدة من أهم قلاعنا التي يجب ان تحظى بالاهتمام والرعاية والتطوير الدائم.. فهي تجسد حقنا في الاختيار الحر لقيادتنا التي ستحمل بدورها هَمَّنَا جميعا.. إن سقطت هذه القلاع، سيكون لهذا السقوط أثره المدمر بعيد المدى على قدرة هذه الجماهير على الصمود في وجه التحديات والاخطار التي يفرضها واقع سياسات التمييز العنصري والقهر القومي الاسرائيلية.

(1)

السلطة المحلية – في منظور ذوي الرأي السديد والفكر الرشيد – ليست (غنيمة!!!) ولا (كعكة!!!) تتقاسمها مجموعات من مصاصي الدماء، ومتصيدي الفرص للتكسب الحرام، والباحثين عن (المقامات!!) الرفيعة لفرض هيمنتهم على مفاصل الحياة والتحكم في مصائر العباد منعا ومنحا، وإدناء وإقصاء، ورفعا وخفضا..

المحلية أمانة في الاعناق كُبرى، ومسؤولية على الاكتاف عُظمى.. إنها “أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها”، كما قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.. نلمس أثر هذه المسئولية في ضمير الرئيس، في مخافته من ربه، وفى محاسبته لنفسه، وفي تذكره دائما أنه: “لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه”…

كما ان أشد الناس سؤالاً يوم القيامة: من يُسأل عن رعيته جميعا، وهو الحاكم رئيس دولة كان او رئيس بلدية: “كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته..” الحديث.. لعل فيما قاله الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ما يمكن ان يكون هزة عنيفة لضمير كل باحث عن السلطة، حتى يكون على حذر وإلا وقع في الخطر. يقول الفاروق: “لو عثرت شاة بشط الفرات، لظننت أن الله سائلي عنها يوم القيامة”…

كلما كان ضمير المسؤول حيّا بهذا القدر، يكون المجتمع آمنا بالقدر نفسه.. كلما قوى الوازع الداخلي دينيا كان – وهو الأساس – او وطنيا، قوى الإحساس بثقل هذه المسئولية، فكانت النتائج في صالح المجتمع، والعكس صحيح!

المسؤول أيا كان منصبه لا يعمل في فراغ، ولا يحكم بمقتضى حق إلهي مقدس، لا يجوز لأحد من الناس مساءلته، وإنما هو أوَّلٌ بين متساوين.. لهذا السبب وضع الإسلام نظاما رقابيا صارما على كل مسؤول، جعله كلَّه بيد الشعب يراقب ويحاسب ويحاكم من خلال ممثليه ومؤسساته الدستورية والشرعية.. لا يمكن الاعتماد كليا على “ضمير” المسؤول، فهو في النهاية إنسان يعتريه الضعف، وتجري عليه سنن الطبيعة التي خلقها الله سبحانه.. كيف أذا يمكن ان نجمع بين هذه المتناقضات؟! الجواب سهل للغاية.. لا بد من سلطات الى جانب المسؤول تشاركه الحكم، وأخرى تراقبه، وثالثة تكشفه، ورابعه تحاكمه، وخامسه وهي الأهم تخلعه – من خلال انتخابات نزيهة وديموقراطية وشفافة – ان خرج عن القواعد المعتمدة دينيا ووطنيا ومهنيا! هل هذا منطق حديث أفرزته الثقافة السياسية الغربية المتقدمة، أم في تراثنا ما يشير الى ان امتنا سبقت العالم في هذا الصدد.. مرة أخرى نعود الى النجوم الزاهرات في سماء الكون لنقف أمامها في ذهول لعظمة ما قدمته للإنسانية من نماذج كانت السبب في تحويل (عباد الصنم) الى قادة للشعوب والأمم. هذا أبو بكر الصديق (رض الله عنه)، يقرر حق الأمة في مراقبة حكامها في أول خطاب له فيقول: “أيها الناس، إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم “.. وفى تاريخ عمر بن الخطاب، أنه كان بينه وبين رجل كلام، فقال له الرجل: “اتق الله يا أمير المؤمنين”. فقال رجل من القوم: “أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟”، فقال عمر: “دعه فليقلها لي. نِعمَ ما قال، لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها”..

(2)

لا بد لنا جميعا كجماهير وكقيادات وكنخب من إعادة النظر في إرثنا السياسي المحلي بما يضمن تحقيق قفزة نوعية تضعنا في موقف أقوى في مواجهة سياسات الحكومة ووزاراتها المختلفة.. أولا، القيادة المسؤولة والملتزمة دينيا ووطنيا، وذات الكفاءة والنظر الثاقب، والرؤية البعيدة. ثانيا، الجماهير التي تعتز بالانتماء لبلدها التزاما واهتماما، والتي تعلن استعدادها بلا حدود لأداء ما عليها تجاه سلطتها دون تأخير، وتؤمن بان السلطة المحلية لها لا عليها، وإنها مستهدفة كما جماهيرها بل وأكثر. ثالثا، نُخَبٌ تتجند هي أيضا من وراء مشروع إنقاذ شامل يضع الجميع على الطريق الصحيح.. اضلاع ثلاثة تشكل بمجموعها أركان المجتمع الذي يرنو ببصره نحو المستقبل، ويسعى حثيثا الى تغيير حقيقي يضعه على الطريق الصحيح نحو مستقبل مختلف.

عندها سننجح في أن تكون يدنا هي العليا في المعركة مع الحكومات، مهما كان الخلل في توازن القوى حاليا في صالح الحكومة… سلطات تتمتع بمستوى عالٍ من المهنية والاحترافية والالتزام الديني والوطني، وتحظى بدعم وإسناد جماهيرها قولا وفعلا، كفيلة بأن تكون رافعةً للنهضة التي نرجوها..

(3)

لو نظرنا في أسباب تراجع الحكم المحلي العربي، لوجدنا ان اهم أسباب هذا التراجع تتلخص فيما يلي:

أولا، تقزيم دور السلطة المحلية بالرغم من أهميتها في إدارة الشأن الداخلي، وتحولها إلى إدارات محليّة جهوية عاجزة في الاغلب الاعم عن تحقيق النقلة النوعية المطلوبة في مجتمعاتنا العربية.

ثانيا، تراجع تأثير الأحزاب السياسية، وأكثر من ذلك تراجع القيادات القادرة على أن تجعل السلطة المحليّة رافعة للقضايا الوطنية من جهة، ولقضايا التنمية المستدامة من جهة أخرى. ينعكس هذا الواقع في مشهد انتخابي متردٍّ، تغيب عنه ثقافة المساءلة الموضوعية، والبرامج الانتخابيّة الحقيقيّة والواقعيّة، ويغيب عنه الخطاب السياسي الذي يحترم الرأي والرأي الآخر، ويحرص على المحافظة على اللُّحْمَةِ الاجتماعية في زحمة الاحداث والاستقطابات الضارة، ولغة الخطاب المتشنجة، والاتهامات المتبادلة.

ثالثا، غياب الثقافة السياسية الرصينة لدى شرائح واسعة من مجتمعنا العربي، وتسليمها بأنماط سلوكية سياسية اثبتت المرة بعد المرة قصورها الواضح عن تحقيق النهضة المطلوبة..

رابعا، انحسار دور النُّخب المثقفة والقادرة في مجتمعنا العربي في صناعة الحياة وصياغة الحاضر والمستقبل بناء على رؤية شاملة تكون جزءا من الحل.. إنَّ رِضى نسبة لا بأس من هذه النخب – بوعي او بغير وعي – ان تكون جزءا من المشكلة عن أن تكون جزءا من الحل، لا يمكن أن يؤدي إلا الى مزيد من الإحباط!

خامسا، الحجم الكبير من الازمات التي تصنعها الدولة وتلقيها في طريق سلطاتنا المحلية لأسباب صهيونية استراتيجية، مع تعمد الحكومات المتعاقبة عدم تهيئة الظروف الموضوعية المناسبة لتمكين الرؤساء من أداء دورهم، أمر يجعل من كل إنجازاتهم مهما بلغت أقل بكثير من سقف التوقعات لأجيالنا العربية الشابة.

سادسا، عزوف الكثير من الأجيال الشابة عن العمل السياسي والانخراط في عملية البناء، بسبب حجم اليأس والإحباط الي تعيشه مجتمعاتنا لأسباب داخلية وخارجية، الأمر الذي يؤدي الى الانكفاء نحو الذات، وفقدان الأمل في التغيير، وبالتالي قلة حماس الشباب في دعم مشروعات التغيير السياسي الرصين..

سابعا، تحول غالبيّة السلطات المحلية في الواقع – بسبب التضييق الحكومي والعزوف الشعبي – إلى إدارات محلية تفتقد الموارد، وتسعى – بشق الانفس – إلى ان تقدّم الخدمات في حدّها الأدنى، وفي كثير من الأحيان تعجز عن ذلك أيضًا.

(4)

أجرت وحدة الاستطلاعات في “مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة” في حيفا، قبل مدة استطلاعا حول توجهات الناخب العربي أظهر ما يلي:

المرشحون: عندما طُلب من المستطلعين أن يختاروا أهم دافعَيْن يؤثران بحسب رأيهم على اختيار الناس لدى التصويت لمرشح رئاسة السلطة المحليّة، أظهرت النتائج أن غالبية المستطلعين (56,1%) تعتقد أن الدافع الرئيسي والأكثر تأثيرا على اختيار الناس لمرشح الرئاسة هو الانتماء العائلي أو الطائفي، وتليه كفاءة المرشح في إدارة السلطة المحلية بنسبة 27,2%.

أولويات: أهم قضيتين يتوجب على السلطة المحلية التعامل معهما هما التعليم الرسمي (المدارس) بنسبة 53,3%، وقضية الأراضي للأزواج الشابة بنسبة 45,8%. أما أهمية باقي الخدمات، كالنظافة والصحة والبنية التحتية، فقد جاءت من حيث الأهمية بعد التعليم الرسمي وتوفير المسكن.

66%من المستطلعين قالوا بأن على رئيس السلطة المحلية أن يأخذ دورًا فعّالًا في القضايا السياسية التي تواجه العرب في اسرائيل، و – 22% قالوا إن ذلك يجب أن يكون خاضعًا للظروف المرحلية.

يسلط هذا الاستطلاع الضوء على مسألتين مهمتين متناقضتين. الأولى، سيطرة العائلة والطائفة على المشهد، الامر الذي ستظل له انعكاساته السلبية على ادراء السلطات المحلية العربية. المسألة الثانية، التناقض بين ما يُرَوِّج له الاعلام من دعوة المجتمع العربي مسؤوليه في البلديات والكنيست الى الاهتمام بالقضايا الداخلية – وهذا هو الحاصل فعلا – وبين ما وصل اليه الاستطلاع من ان 66% من المستطلعين دعوا رئيس السلطة المحلية إلى أن يأخذ دورًا فعّالًا في القضايا السياسية التي تواجه العرب في إسرائيل.

(5)

لكل ما اوردنا من أسباب، حاولت الحركة الإسلامية منذ خوضها اول انتخابات محلية في العام 1983 وحتى الآن، تقديم نموذج سياسي يعطي الإجابات الشافية على كل القضايا المطروحة، ويقدم للأجيال الشابة خصوصا فرصة لالتقاط الانفاس والتقدم خطوة نحو الأمام على طريق التغيير المنشود..

ما زالت تجربتنا في هذا المجال تتطور باستمرار، نتعلم الدروس من التجارب المتراكمة، ونستخلص العبر من المراحل المتعاقبة.. مشروعنا فيهه الثابت وهو مجموعة القيم والمبادئ التي تشكل الأساس للحكم الرشيد: العدالة والمساواة والحرية والمهنية والاحترافية والشفافية، وقبل كل شيء وبعده، مراقبة الله تعالى والسعي الحثيث لتحقيق مراده في حدود الاختصاصات التي منحها القانون للرئيس وإدارته وموظفيه.. وفيه المتغير وهو أدوات العمل السياسي التي نحاول ان تكون عصرية الى ابعد الحدود، ومواكبة لكل التطورات والنظريات الحديثة في الإدارة.. يشكل هذا الموديل السياسي الذي طورته الحركة وما زالت إلى تحقيق ما يلي:

أولا، جمع كل الاطياف حول فكرة جوهرها: نحن مجموع واحد، يتقدم لخدمتنا ذوو الكفاءات وبالتناوب..

ثانيا، إقامة أوسع تحالف ممكن من شأنه أن يحقق هذه الغاية، املا في ان تلتحق الأطراف المعارضة بالركب ولو بعد حين.

هذا النموذج يضمن: نزع فتيل الصراعات مهما كان نوعها، يمنع محاولات الابتزاز، يعزز قيم التعاون على خدمة المصلحة العامة، يضمن تقدم الاكفأ لتصدر العمل العام، يضمن الاستقرار السياسي في البلدية او المجلس ويمنع حلها، ويعزز قيم (مع/ضد) في اطار الوفاق والاختلاف الديموقراطي، لا على أساس (معارضة عمياء/ ولاء أعمى ) ..

(6)

كفــــــــر قاســــــــــم كبلد نمـــــــــــوذج..

كان حلمي دائما، وما يزال، ان تتحول بلدنا كفر قاسم إلى أسرة واحدة تبني نموذجا (موديلا) سياسيا متطورا يلتزم المعايير الدينية والوطنية والمهنية في إدارة كل ملفاته…

كان حلمي دائما، وما يزال، ان يقدم هذا النموذج السياسي الأصيل لصدارته وفي جميع المواقع التنفيذية رئيسا واعضاء وموظفين، أصحاب الكفاءة دون النظر الى انتماءاتها العائلية..

كان حلمي دائما، وما يزال، أن يتم تداول السلطة في إطار هذه “الأسرة السياسية” كل عشر سنين (دورتين) على قاعدة: رئيس ونائبين رسميين، يمثلون مكونات في الاسرة الواحدة يتم اختيارهم بناء على نظام داخلي رصين، يُخْلُون مواقعهم بعد انتهاء الدورتين لكفاءات أخرى يمثلون مكونات اخرى في الاسرة الواحدة، بهدف تجديد الدماء في عروق العمل البلدي بشكل دائم..

كن حلمي دائما، وما يزال، أن يُحَرِّرَ هذا الموديل السياسي كفر قاسم وإدارة بلديتها، من ابتزازات مجموعات المصالح ومراكز القوى التي تعنيها مصالحها الخاصة فقط بعيدا عن المصلحة العامة لمجموعنا الوطني..

كان حلمي دائما، وما يزال، أن تتحول العمليات الانتخابية كل خمس سنين إلى اعراس انتخابية بلا استقطابات ولا صراعات، ولكن إلى محاضن تعاونٍ كاملٍ وعميق بين كل مكونات مجتمعنا خدمة للمصالح العليا لمدينتنا بلا استثناء..

كلمة حق اقولها لا انحيازاً ولكن تأكيدا على واقع لا يخفى، أن “تحالف الامانة والعدالة” هو الاقرب إلى تحقيق الحلم الذي ذكرت، وهو العنوان الحري بأن يحقق لمدينتنا هذا الهدف السامي..

ما ادعينا يوما اننا انبياء معصومون او ملائكة مقربون! إننا بشر نصيب ونخطئ، لكننا الى الصواب أقرب، ومشروعنا السياسي المستمد من المشروع الدعوي، والذي هدفه خدمة الناس بإخلاص وصدق ومهنية في سعي لتثبيت الوجود والهوية والحقوق، هو الاقرب إلى أن يحقق لبلدنا الاستقرار المطلوب ولو بعد حين.. تعاون المخلصين مع هذا المشروع كفيل بتطويره الدائم وتهذيبه المستمر، أملا في ان نصل به الى النتائج التي نتمناها كلنا.. من يعمل يخطئ، ومن لا يعمل لا يخطئ.. ومن يبدا الخطوة الاولى، يصل.. ومن لا يبدأ هذه الخطوة لن يصل ابدا.. نحن بدانا ونرجو ان نصل يوما..

* الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك