https://al3omk.com/348511.html

من الرباط إلى كابل .. قصة مراسل

لأســباب قــد يطــول شــرح تفاصيلهــا، رفضــت الســلطات المغربيــة منحــي رخصــة العمــل كمراســل لقنــاة الجزيــرة فــي المغرب.. واقــع جعلنــي لمــا يقارب الســنتين مراســلا صحفيــا مــع وقــف التنفيــذ، قضيــت معظــم هــذا الوقــت فــي غرفــة الأخبــار بالدوحــة علــى أمــل أن يتغيــر مــزاج صاحــب القــرار، لكــن تلــك الآمــال تحولــت تدريجيــا إلــى أوهــام.

بالنســبة لشــخص قضــى ســبع ســنوات مراســلا ميدانيــا، كان العمــل فــي غرفــة الأخبــار تجربــة مختلفــة، وســتصبح أكثــر اختلافــا وتشــويقا عندمــا تكــون هــذه التجربــة فــي أكبــر غرفــة أخبــار بالعالــم العربــي.

إذا كان اليــوم هادئــا إخباريــا، فتلك فرصــة للتعلــم بهــدوء كيــف تصنــع النشــرة الإخباريــة، كيــف تناقــش المقترحــات فــي اجتمــاع التحريــر وكيــف تصــاغ العناويــن، وكيــف ترتــب الملفــات الإخباريــة، أمــا عندمــا يحــدث زلــزال إخبــاري فــي مــكان مــا فتلــك قصــة أخرى. رأيــت مــن موقــع الشــاهد والمســاهم كيــف تصنــع التغطيــات الخاصــة، تــرى منتجــي المقابــلات يســارعون إلــى تأميــن الضيــوف، تقــرأ بريــد المراســلين علــى الأرض الذيــن يحاولــون إرســال المــواد والأخبــار أولا بــأول، ثــم تشــاهد الزمــلاء فــي قســم التواصــل الاجتماعــي يحاولــون التثبــت مــن الصــور المنشــورة علــى مواقــع التواصــل الاجتماعــي للتيقــن مــن صدقيتهــا، قبــل أن تجــد طريقهــا إلــى شاشــة يســهر عليهــا منتجــون يزاوجــون بشــكل بديــع بيــن الدقــة والســرعة المطلوبــة.

كان رصيــدي مــن الــدروس والخبــرات يتضاعــف يوميــا فــي غرفــة أخبــار الجزيــرة، لكــن الشــوق اســتبد بــي إلــى الميــدان، فأنــا قبــل كل شــيء مراســل، ولا شــيء يبعــث علــى الحمــاس كأن يجــد المراســل قصــة تســتحق أن تــروى فينســج تفاصيلهــا ويســرد أحداثهــا، ويعــرف بجانــب آخــر من جوانــب التجربــة الإنســانية علــى ظهر هــذا الكوكــب الذي نتشــاركه جميعــا، بعيــدا عــن حــدود مصطنعــة وعصبيــات زائلــة.

حنين إلى الميدان

وبمــا أن العمــل فــي بلــدي كان محرمــا علي، اقترحــت علــي مديــري فــي العمــل أن أســافر إلــى أفغانســتان.. وافــق الرجــل علــى الفــور، وبــدأت أحضــر لرحلــة أردت لهــا أن تكــون اســتثنائية وقــد كانــت.

لا أســتطيع أن أنكــر أن إحســاس الخــوف قــد راودنــي غير مــرة، كما أن زوجتــي لــم تكــن متحمســة بشــكل كبيــر لفكــرة الســفر إلــى بلــد لــم يعــرف الأمــن منــذ أربعين عامــا..
الخــوف إحســاس طبيعــي ومفيــد، ففــي النهايــة مخاوفنــا – حتى التي لا نود الاعتراف بها – تحد من سلوكيات قد تكون متهورة ومضرة.. الأمر غير الطبيعي على الجهة الأخرى هو أن يستسلم الانسان لمخاوفه ويمكنها من ناصية أمره، هنا يصبح مصير الإنسان مرهونا بخوفه مما يكره أكثر من إقباله على ما يحب.

بعــد رحلــة طويلــة ومرهقــة وصلــت كابــل.. بــدا الطقــس غايــة فــي اللطافــة مقارنــة بصيــف الدوحــة الحــارق، لكنــه كان مألوفــا شــديد الشــبه بطقــس المغــرب.. اســتقبلني الزمــلاء فــي مكتــب كابــل بشــكل دافــئ ولهم ينســب كثيــر مــن الفضــل فــي نجــاح هــذه التجربــة.

لــم تمهلنــي التطــورات الأمنيــة أي مجــال لالتقــاط أنفاســي، ففــي غضــون أقــل مــن أســبوعين علــى وصولــي، غطيــت عــددا مــن التفجيــرات فــي أنحــاء مــنالعاصمــة كابــل وكافــة الولايــات.

مكتــب الجزيــرة فــي أفغانســتان يعــد مرجعــا عالميــا للأخبــار، فقــد تأســس المكتــب منــذ أكثــر مــن عقديــن، وكان زمــلاء مــن الجزيــرة يغطــون أحــداث البــلاد قبــل الغــزو الأميركــي لأفغانســتان بســنوات، وتميــزوا فــي التغطيــة بعــد الغــزو ومــا لحقــه مــن أحــداث، وأصبحــت القنــوات العالميــة تقــدم لمشــاهديها مــا ينتجــه المكتــب نقــلا عــن الجزيــرة.

وهــذا التاريــخ العريــق مــن التواجــد فــي الميــدان صاحبــه نمــو شــبكة مصــادر المكتــب، وهــو مــا مكننــا مــن الوصــول إلــى الخبــر فــي أحيــان كثيــرة قبــل حدوثــه، بــل والتأكــد مــن صحتــه عبــر مطابقتــه بمعلومــات تأتينــا مــن مصــادر أخــرى.

فــي أفغانســتان، هنــاك جبهــات ملتهبــة بشــكل شــبه يومــي، وعــادة مــا نغطــي هــذه الأحــداث مــن مكتبنــا فــي كابــل، لكــن أكبــر حــدث شــهدته وقــع بعــد وصولــي بأقــل مــن أســبوعين. فــي الســاعات الأولــى مــن فجــر الجمعــة 10أغســطس/آب، هاجــم أكثــر مــن ألــف مقاتــل مــن حركــة طالبــان مركــز مدينــة غزنــي عاصمــة الولايــة التــي تحمــل الاســم نفســه.

هاجــم مقاتلــو الحركــة مراكــز الشــرطة والجيــش ومقــر المخابــرات، ودارت أمــام هــذه المقــرات معــارك طاحنــة خلفــت مئــات القتلــى مــن الجانبيــن، كمــا لــم يســلم المدنيــون مــن تداعيــات الهجــوم حيــث اندلعــت المعــارك أيضــا فــي المناطــق المأهولــة.. أســواق بأكملهــا احترقــت، وقطعــت خدمــات الكهربــاء والهاتــف، وتوقفــت خدمــات الإذاعــات المحليــة. منــذ اليــوم الأول لانــدلاع الأحــداث حاولنــا التحــرك نحــو المدينــة التــي لا تبعــد عــن كابــل ســوى 150 كلــم، لكــن الطريــق كانــت قــد قطعــت بدوريــات لحركــة طالبــان، وبعــد تنســيق مــع مســؤولي الجيــش الأفغانــي وافقــوا علــى اصطحابنــا معهــم فــي إحــدى المروحيــات المتوجهــة إلــى المدينــة.

دخلنا غزنــي بعــد ثلاثــة أيــام مــن المواجهــات.. كانــت المحــلات مغلقــة علــى امتــداد شــوارع المدينــة.. تواجــد كثيــف لقــوات الجيــش الأفغانــي لم يقنــع الســكان بــأن الوضــع تحــت الســيطرة.. مستشــفى المدينــة لــم يكــن بحــال جيــدة كذلــك، فقــد اســتقبل المئــات مــن الجرحــى والقتلــى خــلال أيــام قليلــة، وهــو مــا كان فــوق طاقــة المستشــفى وطاقمــه.

وصلنــا ســاحة المعركــة، وتقدمنــا حتــى الخطــوط الأماميــة للمواجهــة، فــي وقــت كانــت الاشــتباكات فيــه لا تــزال مســتمرة فــي الأطــراف الغربيــة للمدينــة، ورافقنــا الجيــش فــي دوريــات ليليــة.

كنــا فــي مرافقــة الجيــش الأفغانــي فــي معظــم الوقــت، وعنــد الأســئلة التــي نطرحهــا لاحظنــا أن هنــاك بعــض المعلومــات التــي لــم تكــن تمنح لنــا أو كانت تنقل إلينا بشكل بصورة لا تعطــي الحقيقــة كاملــة.

ولا أســتطيع أن أنكــر دور زميلــي المنتــج حميــد الله محمــد شــاه الــذي أكمــل عقــده الأول مــع الجزيــرة فــي مكتــب كابــل، والــدور الــذي لعبــه فــي تدقيــق كافــة المعلومــات التــي تصلنــا مــن كافــة المصــادر والتأكــد مــن مــدى مطابقتهــا لروايــات المصــادر الأخــرى.

وهــذه فــي حــد ذاتهــا لــم تكــن مهمــة ســهلة، فالحكومــة الأفغانيــة تصــرح بروايتهــا حــول مــا حــدث، ثــم لا تلبــث حركــة طالبان أن صــدر عبــر المتحــدث باســمها بيانــا تعطــي فيــه روايــة مخالفــة تمامــا.

فــي بعــض الأحيــان يمكــن الاعتمــاد علــى شــهود العيــان لترجيــح روايــة علــى أخــرى، وأحيانــا تلعــب وســائل التواصــل الاجتماعــي دورا حيويــا فــي إعطــاء روايــة ثالثى قــد لا تكــون محايــدة بالضــرورة، لكنهــا توفــر فــي طياتهــا تفاصيــل -صــورة أو فيديــو- قــد تدعــم صحــة إحــدى الروايــات.

أمــا فيمــا يتعلــق بأرقــام الضحايــا، فــلا يمكــن إلا تقديــم الأرقــام كمــا تتبناهــا كل جهــة ونســبة ذلــك إليهــا، والاعتمــاد علــى المصــادر الصحيــة فيمــا يتعلــق بأرقــام الضحايــا المدنييــن.

خرجــت مــن غزنــي وقــد كانــت أقــرب نقطــة مواجهــة بلغتهــا منــذ وصلــت أفغانســتان.. بطيئــا عــاد الهــدوء إلــى المدينــة وبــدأت الأســواق تفتــح تدريجيــا، لكــن الرعــب الــذي ســكن النفــوس بســبب أحــداث تلــك الأيــام ســيحتاج وقتــا أطــول لكــي يتبــدد.

حصاد التجربة

تعلمــت مــن العمــل فــي أفغانســتان أن الحيــاة قطــار لا ينتظــر أحــدا.. وجــدت إقبــالا علــى الحيــاة بيــن النــاس كأن الغــد غيــر موجــود، فــي بلــد أنهكتــه الحــرب الأهليــة والأطمــاع الأجنبيــة وموجــات غــزو متكــررة..

لا يــكاد يظهــر تأثيــر لهــذا فــي الأســواق والشــوارع إلا إذا اســتوقفت أحــدا وســألته.

فــي هــذا البلــد جيــل جديــد مــن الشــباب، جيــل حــي يتمتــع بعنفــوان وإدراك عميــق لواقعــه.. شــباب يتفاعــل مــع قضايــاه وإن كبلتــه معيقــات الواقــع، ومعطــى أن يكــون فــي أفغانســتان – التــي يصل يفوق تعداد سكانها أكثر من 35 مليون – عشــرة ملاييــن منهم يســتعمل للإنترنــت ومواقــع التواصــل الاجتماعــي ومــا توفــره هــذه النوافــذ مــن إطلالــة علــى المعــارف والعلــوم ومــا ابتدعــه البشــر مــن تقنيــات..

هــذا المعطــى وحــده يدفــع للاعتقــاد بــأن ســيادة هــذا الجيــل بأفــكاره الجديــدة المعاصــرة مســألة وقــت لا أكثــر.

علــى المســتوى الشــخصي كانــت أفغانســتان الأرض التــي نقلــت فيهــا الأخبــار باللغــة الإنجليزيــة لأول مرة.. انتصــرت علــى شــكوكي ولبيــت طلبــا مــن قنــاة الجزيــرة الإنجليزيــة للعمــل معهــم، وقــد كانــت لحظــة فارقــة فــي تاريخــي المهنــي، فتحــت لــي آفاقــا أرجــو أن تكــون رحبــة، رحابــة الحضــن الــذي اســتقبلتني بــه هــذه الأرض الطيبــة.

*المقال منشور في عدد الخريف من مجلة الصحافة التي يصدرها معهد الجزيرة للإعلام.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك