https://al3omk.com/352362.html

الاتجاهات الإسلامية والأمازيغية في كتابات أوريد مقال

“عدت من الأندلس شبه معافى وقد أخذت أبرأ من “المخزن” كما يبرأ المريض مما كان يتعاطاه ” .

العبارة مستقاة من كتاب ” رواء مكــة ” الصادر عن دار المعارف الجديدة -الرباط 2017 للدكتور حسن أوريد,الصفحة 96.وهو عبارة عن رحلة روحية إلى الديار المقدسة للمصالحة مع الذات، يستظهر فيها المؤلف مجموعة من الأحداث التي طبعت حياته بدءا بمرحلة الطفولة مرورا بمرحلة الشباب ووصولا إلى مرحلة انخراطه في سلك الرجال.

رغم كون الدكتور أوريد درس في دار المخزن وترعرع فيها، الا ان تربيته الاولى في قصر السوق(الرشيدية) وميدلت كان لها بالغ الاثر في تكوين أفكار، وكون انتماءه الأمازيغي يأبى عليه الخضوع ويسعى دائما الى التحرر سيرا على نهج أجداده. وسعى دائما الى البحث عن مجال لتصريف أفكاره و التعبير عما يعتمل في ذاته، لكن صفته والالقاب التي حملها كانت تضعه تحت واجب التحفظ وتفرض عليه نوعا من الكتمـان كغيره ممن اشتغل في دواليب الدولة أو ترقى في سلم المسؤوليات السياسية والدبلوماسية، فحتى الأستاذ اليوسفي لم يبح بلك شيء في سيرته ” أحــاديث في ما جــرى”

طوق أوريد للحرية جعله ينسحب من منصبه كمؤرخ للملكة سنة 2010 وينكب على الكتابة والتأليف ” وقر عزمي أن أطلب الاعفاء من المنصب الذي كنت أشغله. ولم أفاتح أحدا في الموضوع”

فالبرء من المخزن عند حسن أوريد يعني التخلص من وصايته،وترك جبة المخزني وارتداء عباءة الدور الذي يتقنه وهو دور المثقف والمفكر، الذي ينكب على القضايا الأنية والراهنة (السياسية،الثقافية والاجتماعية) لبلده بنوع من الدراسة والتحليل العميق.

ليس يهمنا هاهنا علاقة أوريد بالسلطة التي لم تعد ترتاح لأفكاره وتتوجس من طريقته في الطرح. بل الذي يهمنا هو استعراض الاهتمام الكبير الذي خص به الدكتور أوريد التطور الذي عرفه الاسلام السياسي في المغرب، وكذا الثقافة الأمازيغية. فكيف يقدم أوريد الاسلاميين ؟ وكيف عالج الثقافة الامازيغية في كتاباته ؟

• الحركة الاسلامية

في كتابه « l’impasse de l’islamisme » المترجم الى العربية تحت عنوان ” الاسلام السياسي في الميزان”، ينكب أوريد على تحليل الظاهرة الاسلامية منذ قيامها في مصر عقب هزيمة 1967، وظهور كتابات السيد قطب المرجعية للاتجاهات الاسلامية خاصة كتابه ” معالم في الطريق”. مع وصول الاسلاميين الى الحكم في شمال افريقيا (تونس،مصر والمغرب) بعد ثورات 2011، كثرت الكتابات والدراسات حول الموضوع. فمن خلال خطابات الحركات الاسلامية في المغرب تحديدا حزب العدالة والتنمية الذي مارس السلطة وانخرط فيها وترأس الحكومة سنة 2011، وكذا حركة العدل والاحسان (لم تمارس السلطة).

يعيب أوريد على الاسلاميين انطلاقهم مما هو مطلق عوض النسبي – وهو نفس الحكم تقريبا الذي أطلقه الأستاذ محمد شفيق على هذه التيارات في حواره المعروف مع المرحوم عبد السلام ياسين” .

فأوريد يرى أن الدين عند هذه الاتجاهات يستعمل كغطاء والمثل مطية فقط ، فهم يريدون تغيير المجتمع، وذلك يقتضي الوصول الى السلطة، وبالتالي هدف الحزب هم الوصول الى السلطة ولوعلى حساب مبادئه ومايؤمن به. كما أن ما يطغى على خطاباتهم هو العاطفة وغياب العقل و تهييج عواطف الشعوب، زد على ذلك اقتصارهم على التنظير وعدم تقديم حلول عملية للمشاكل المطروحة، فالواقع شئ والممكن شئ اخر.

ويستطرد أوريد في حكمه على الاسلاميين ويصفهم بالبراغماتيين (والحديث دائما عن العدالة والتنمية)، و يقول انهم يميلون الى “الانكماش حين لايكون السياق ملائما،الاستئساد حين تكون الظروف ملائمة” ، فحسن قراءتهم لسياقات الربيع العربي تمكنوا من الوصول الى الحكم. هذا فضلا عن اتقانهم لثقافة المساومة وخاصة في عهد زعيمهم السابق عبد الاله بن كيران.

بل يذهب أوريد أكثر من ذلك ويشير الى تجربته مع الاسلاميين عندما كان واليا على مكناس 2005-2009، وعن علاقته الغير ودية معهم ويقول : “وقد بلوت شرهم المستطير. عفوا، بلوت من بعضهم الكذب والافتراء والاغلاظ في القول”

عموما، ما يحسبه أوريد لحزب العدالة والتنمية هو قوة التواصل والتأطير الدائم للمواطنين وكذا قوة التنظيم التي مكنت الحزب من استقطاب تعاطف العديد من الشرائح.

أما العدل والاحسان، الاتجاه المعارض الذي يجادل في شرعية النظام، فاكتفى الأستاذ أوريد بالتطرق الى كتابات منظر الحركة المرحوم عبد السلام وينفي عنه صفة الديمقراطي، فكون هذا الاتجاه لم يمارس السلطة ولم يخضع للاكراهات التي يتعرض لها ممارسها، فهو يبقى في الهامش. أما بالنسبة للسلفيات بالمغرب، فمنها ذات الاتجاه التقليدي ومنها ماتسعى الى الاندماج في السلطة وتبحث عن مكان لها كما هي حالة محمد عبد الوهاب رفيقي من خلال ما قام به من مراجعات فكرية.

• الحركة الامازيغية

يخص الدكتور أوريد الأمازيغية في العديد من كتاباته باهتمام كبير، ذلك يرجع أولا الى انتمائه الأمازيغي واتقانه للغة أجداده ،وما تأليف لكتاب “سيرة حمار” سيرا على نهج أفولاي في ملفه “الحمار الذهبي”، الا محاولة لربط الجسور مع ماضي أجداده.وثانيا تأكيدا منه على أن سكان افريقيا الأولون هم الأمازيغ : ” تاريخنا هو تاريخ هذه الارض..عقبة جزء من تاريخنا،وكسيلة جزء من هذا التاريخ،مثلما الكاهنة جزء منه..”

انه ورغم تتابع السنين وتعاقب القرون والاجيال، لم تمت اللغة الأمازيغية رغم ما تعرضت له من محاولات للاجهاز عليها أو اقصائها، تبقى هذه اللغة حية ” وما من شك أن هذه الشخصية، او فلنسمها العبقرية، ثاوية في أقدم ماانتهى الينا من أجدادنا وهو لغتنا القديمة التي ماتزال حية ألا وهي اللغة الأمازيغية.”

ربط أوريد للصلة بتراث أجداده يستمر من خلال الكتابة بلغتهم والتفكير على منوالهم، فثقافة أجداده مختبئة في لاشعورهم كما يقول “هي الثقافة..وهي في لاشعورنا مختبئة..الانهي تفور لاننا كبتناها،ستهدأ وتاخذ مكانها في حياتنا وعلائق حياتنا”.

فليست الأمازيغية حرف تيفيناغ، اللغة أو المنطوق فقط ،فهو يرفض أن تختزل الأمازيغية في اللغة وحدها و يرى أن اللغة أعمق من ذلك وتتجاوزه الى المضمون الذي هو ” استيعاب المراحل التاريخية لهذه الارض ”

ان ما يسعى اليه أوريد هو النهوض بالثقافة الأمازيغية واعطائها المكانة التي تستحقها ويدعو الى طي صفحة المااضي و الانطلاق لبناء ستقل يتسع لجميع أبنائه “وليس ببعيد ان تتسم علاقتنا بهم بالتعاون والاحتران ان هم تفهموا ماتقوم عليه اجمة الاحرار من استقلال ونبذ للاستغلال وتعلق بالكرامة. وأجمة الاحرار مستعدة لطي صفحة الماضي استقبالا لعهد جديد يسوده التعاون البناء والاحترام المتبادل.”

نشير هنا الى أن الأجمةـ عمل أدبي للدكتور أوريد ينتقد فيه السلطة ومن يدور في فلكها، فهو نحى فيه منحى أورويل في حديقة الحيوان، وابن المقفع في كليلة ودمنة. أجمة الأحرار يقصد بها المؤلف بلاد تامازغا، وان السباع كناية عن الحكام، كما ان الكباش يقصد بها التيارات الاسلامية.

إن اهتمام كتابات الدكتور حسن أوريد بالاتجاهات الإسلامية بمختلف أطيافها وألوانها والاتجاهات الأمازيغية بكل مكوناتها، ينم عن فهمه لطبيعة التيارات التي تشكل عمق المغرب،واستشرافه للقوى التي ستؤثر في مستقبل المغرب وتقوده.

ــــــــ

1 “رواء مكة” لحسن أوريد، مطبعة دار المعارف الجديدة-الرباط 2017 ص:96

2 نفس المرجع ص:258

3 تأليف عبد السلام ياسين، الطبعة الاولى 1997 أنظر : “حوار مع صديق أمازيغى”

4 الاسلام السياسي قي الميزان(حالة المغرب)،حسن أوريد، مطبعة المعارف الجديدة-الرباط 2016 ص 95

5 رواء مكة، مرجع سابق، ص 182

6 الحديث والشجن، حسن أوريد، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة 2 ص 267

7 “من أجل ثورة ثقافية بالمغرب”، حسن أوريد، مطبعة النجاح الجديد-الدار البيضاء، ط1 2018ن في الفصل الأول: من نحن ؟ ص 22

8 الحديث والشجن، مرجع سابق، ص 267

9 سينترا، حسن أوريدن طبع: مطبعة المعارف الجديدة-الرباط 2015، ص269

10 الأجمة، حسن أوريد، منشورات دار الأمان-الرباط ط1 2014، ص 97

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك