https://al3omk.com/357910.html

“التيموس” الأفلاطوني أو الاعتراف الهيجلي ونهاية التاريخ عند فوكوياما

الكتابة حول هذا الموضوع ،تتطلب بدءا، قوة فكرية جبّارة ،و مَعينا معرفيا غزيرا ،لا أتوفر عليهما.فمجادلة و محاورة أفكار شيخ الفلاسفة: أفلاطون ،و تلميذه النجيب “هيغل “ثم مناقشة ما توصل إليه الفيلسوف الأمريكي “فوكوياما” من استنتاجات على ضوء أفكارهما في كتابه،” نهاية التاريخ و الإنسان الوحيد”،هي أمور تحتاج إلى حكمة بالغة.

غير أن المحاولة الصادرة من حبِّ للحكمة و المعرفة ،تجوٍّز ذلك ،من منطلق تغييبهما في قواميسهما اللغوية،لمصطلح مخطئ ،و استبداله بمصطلح آخر :محاول .إذ ليس هناك من مخطئ ،و إنما هناك محاول .

لذلك ،و بما أن للمحاول/ المُصيب أجران،و للمحاول /الغير المصيب أجر واحد،إذا، لنحاول ،أقلّها سيصاب نصيب.

وبدوره فقد جرّب الإنسان المحاولة منـــذ القــدم،لمّا كان مستوحشا،راغبا ،وغارقا في صراع مرير..و بدأ البحت في طبيعته، وعمّا يمكن أن يجد فيه خلاصه.ولقد اتّفق -خاصة في بداية تطور الفكر و محاولة الانعتاق من الخرافة نحو البحث عن الحقيقة ،و قد أصّلها أسطون الفلاسفة، أفلاطون -،على أن الإنسان مثله مثل باقي الكائنات الحية ،تحذوها مثلما تحذوه ،رغبات مختلفة ،متنوعة. بلوغها قمين بوجود أداة فعّالة،خاصة لدى الإنسان ،بواسطتها يتم البحث عن الوسائل الممكنة و المتاحة للوصول إليها و الظفر بها.

تلك الوسيلة لم تكن إلا العقل ،الذي يبحث في أساليب و طرق ابتغاء تلك الرغبات و التوصل إليها .

لقد رأى أفلاطون و معه هيغل ،أن أسباب الصراع الذي تدور رحاه فيما بين الإنسان نفسه،منذ الأزل ،و لا زالت لحد الآن،تخرج عن التركيب :الرغبة/العقل .إذ على الرغم من توافر كل الإمكانيات الملبّية لتلك الرغبات ،لم ينمحي معها الصراع،و ظل قائما.وذلك، إنّما يعود إلى شيء خفي ،و إلى مكوّن ينضاف إلى المكونين الأخريين :الرغبة ثم العقل .

آنئذ ،في زمن هذه الرؤى ،أي زمن افلاطون و هيغل ،و قبلهما ..كان الصراع الإنساني، قائم على ثنائية ،السيد/العبد .وصل السيد إلى هذه المرتبة، عبر إنزال الآخر إلى مرتبة العبد،في معركة تكسير للعروش.والتطور التاريخي أو بالأحرى الصراع الإنساني، سار على هذا النحو .المنتصر/ السيد ،هو سيّد على حساب المنهزم /العبد .ثم انتقل هذا الصراع ،بعدما انتهى الأول بإلغاء العبودية،إلى صراع آخر ، من نوع آخر..محوره الأساسي ظل محصور، ضمن نطاق، صراع طبقي على جميع المستويات.و كلّ هذا، لا بدّ و أن له من دافع ،سمّاه أفلاطون”تيموسا ” وهيجل ،رغبة، في الاعتراف.

التيموس أو روح الإنسان ،إذا هو سبب رئيسي في تحريك و توجيه حركية التاريخ .هو قوة كامنة في روح الإنسان ، بل هو الروح الإنسانية.التي تتبدّى و تتجلى من خلال الصراع الإنساني حول بغية الاعتراف بالذات المنبثقة عنها القوة في الوجود.

في كتابه، “نهاية التاريخ و الإنسان الأخير “،يرى الفيلسوف الأمريكي ،فوكوياما ،أحقية و جدارة هذه الرؤية حول أسباب التطور التاريخي . كما يؤكد سببية هذا “التيموس “و قوة توجيهه للتاريخ كما هو عليه العالم الآن .

و يتساءل هذا الفيلسوف ،هل الوصول إلى المدينة الفاضلة التي ارتآها أفلاطون في أزمنة سحيقة ،ستكون حدّا، لنهاية حركية التاريخ و تطوره .و هو لا يقصد بنهاية التاريخ ،توقف الأحداث و نهاية الكون ،إنما انتهاءه من ناحية إيديولوجية .

و يرى على أن هذه النهاية ،ستكون باعتراف الكل بالكل. و هذا لا يتم و لا يكتمل في نظره ،إلا عن طريق نظام قائم على الاعتراف بالحقوق و المساواة بين جميع البشر. إذ لا عبودية و لا إذلال. فالكل أسياد.و هذا لن يتحقق في نظره ،إلا في إطار نظام ليبرالي شبيه بالنظام الأمريكي .الذي ينتمي إليه هذا الفيلسوف الأمريكي الولادة ،الياباني الأصل. صاحب كتاب، نهاية التاريخ و الإنسان الأخير.

و بإمعان النظر فيما يحصل اليوم في العالم ،و لعلّه كان السبب وراء تأليف “فوكوياما” لكتابه هذا ،قد نستطيع بكل سهولة ،استيعاب ما كان يرنو إليه أفلاطون في أفكاره ،و ما أكده هيغل و ما تلاه من فلاسفة و مفكرين إلى حد الآن. حروب و صراعات مريرة ،أوشكت في عصر ما، أن تضع حدا لنهاية البشرية،ليس من الناحية الايديولوجية هذه المرّة ،و لكن من الناحية الوجودية . التسارع إلى امتلاك أسلحة الدّمار الشامل ،و افتعال الحروب ،واحتكار الثروات ،و الرغبة في إخضاع الآخر ،بشتى الوسائل ..كلّها، لها معنى واحد و أوحد ،هو الرغبة في الاعتراف بالقوة ،بواسطة القوة.

و ما يحدث اليوم في المغرب لا يخرج عن هذه القاعدة ،قاعدة الاعتراف ذات الدافع التيموسي.الاعتراف باللغة ،الاعتراف بالمواطنة ،الاعتراف بالوجود ،الاعتراف بالجنس الآخر، المتمثل و المختفي وراء ستار الصراع حول الإرث..و حتى الصراع على شكل الأنظمة القائمة،لا شيء يفسرها أكثر،سوى الرغبة في الاعتراف.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك