https://al3omk.com/357990.html

الانتخابات من ورائنا وبلداننا العربية من أمامنا (1/2) مقال رأي

انتهت الانتخابات المحلية.. فاز فيها من فاز وخسر فيها من خسر.. شهدت بعض قرانا ومدننا احداثا مؤسفة على خلفية هذه الانتخابات تدل على ان الطريق أمامنا ما زال طويلا حتى نصل الى ممارسة حياة سياسية تساهم في البناء، وتؤسس لمستقبل واعد، وتفتح أبواب الغد للأجيال القادمة..

كيف يمكننا ان نحول الشعار “الانتخاباتُ من ورائنا، وبلدانُنَا العربيةُ من أمامِنا” إلى واقع حقيقي لا افتراضي، يجعل من جولاتنا الانتخابية اعراسا توحد ولا تُفرق، وتُعلي القيم الجامعة ولا تبددها، وتعزز الحياة المشتركة ولا تدمرها؟!!!!!!!!

عرّف ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، السياسة الشرعية بأنها: “حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به” …

ابن عقيل عرف السياسة على أنها: “النظام الذي يكون الناس معه أقرب الى الصلاح منهم الى الفساد..”..

أما الإمام الغزالي فعرَّفها في قوله: “اعلم ان الشرع أصل، وان المُلك (الحُكم) حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع…”…

في كتابه “الفكر السّياسي عِندَ الغَزَالي والمَاوَرْدي وَابِن خَلدُون”، ميز الدكتور فتحي الدريني بين علم السياسة والفلسفة السياسية في محاولة منه لتتبع تطور هذا العلم من المنظور الإسلامي قديما وحديثا، فخلُصَ إلى أن السياسة هيكل وروح، فقال: (العقائد، والمبادئ، والأهداف السياسية العليا في الدولة، هي التي تصوغ الفكر السياسي العملي الموحَّد في الأمة، أفرادًا، وشعوبًا، أو حكامًا ومحكومين، فضلاً عن أنها مبعث الدوافع النفسية لتحقيقها واقعًا، بما تُملي على أربابها، من تَرسُّم سلوك عملي معين، واتخاذ مواقف حيوية حاسمة، ولاسيما تجاه القضايا الكبرى المصيرية، وهذا هو السر الذي جعل “السياسة” في نظر الفقهاء المسلمين ذات طابع معياري، يوجه الواقع، أو الكائن السياسي في كل عصر بعد دراسة مشكلاته، وتبيُّن طبائعها، ووزن حلولها، بمقاييسه، ومعاييره يوجِّهه إلى ما ينبغي أن يكون عليه أمره، لتتم المطابقة أو التوفيق ما أمكن بين مقتضيات مُثلِه، ومبادئه، ومقاصده السياسية العليا، وبين الواقع السياسي في الدولة، وهذا ما نعنيه بقولنا: “التدبير، أو السلوك السياسي الرشيد، والهادف”)..

فلسفة السياسة في نظر الدكتور الدريني تشكل روح السياسة والتي بدونها تتحول الى أداة هدم لا بناء، فقال: (الفلسفة السياسية في الإسلام على ما استقرت عليه بحوث أئمتها لا تنفك عن الفلسفة الأخلاقية فيه، مما يؤكد طابعها “المعياري” و”التقويمي” لارتباط كلٍّ منهما بالإرادة الإنسانية الحرة، إذ لا قوام للخُلق إلا بالإرادة، فكذلك “السياسة”، فاحتلت “القيم” و”الفضائل الأخلاقية” و”الكمالات النفسية” مكانًا بارزًا في هذه الفلسفة. من هنا كان التوجيه، والتقويم للإرادة، وتطهير بواعثها، أن تعتسف وتشتط، أو تتنكَّب سبيل الأهداف المرسومة التي تشكل في مجموعها “عناصر المشروعية العليا في الدولة”، والتي تنهض عليها “السيادة العامة” حيث يأتمر بمقتضاها الحاكم والمحكوم على السواء..”..

أما “المسؤولية السياسية العامة” فتقع في تقديره: (على عاتق الأمة كافة، لأنها هي صاحبة “المصلحة الحقيقية” بمقتضى توجيه الخطاب الإلهي إليها، بتحقيق ما وعدها الله تعالى من الاستخلاف في الأرض، والتمكين لها فيها، بالنص القرآني الصريح، ولا جَرَم أن “المسؤولية العامة” تقتضي “التكليف العام” وهو إنفاذ التشريع كله، إذ لا مسؤولية حيث لا تكليف، ولا تكليف حيث لا “سلطة” تُمكِّن المكلفين من الأداء، وهذه هي “السيادة” الممنوحة للأمة شرعًا، لتدبير شؤونها كافة، والوفاء بالتزامات هذا التمكين لها في الأرض، الذي يعني قيام الدولة، تمكينًا قائمًا أصلاً على عقيدة الاستخلاف بالنص الصريح القاطع”..

حتى يقوم النظام السياسي بوظيفته في حماية الشرع (النظام القيمي للأمة/الهوية الوطنية)، وعمارة الدنيا تطويرا وتحديثا وعصرنة وازدهارا ونماء، لا بد له من القوة التي هي عماد النظام السياسي، وتشمل حسب الإمام الغزالي وسائر فلاسفة السياسة المسلمين، وهي بحسب دكتور الدريني: (“القوة” بكافة أبعادها ووسائلها المادية والمعنوية، من قوة الأسلحة ومضائها ونفاذها، في كل عصر بحسبه، وكذلك شأن القوة “المعنوية” من العلم، والخبرة، في شؤون السياسة، والحرب، والاقتصاد، والاجتماع، وغيرها، وكذلك قوة “النفوذ” التي تتجلى في مشايعة وموالاة ذوي المكانة، والرأي، والتدبير، للدولة، ولرئيسها الأعلى بخاصة، ومن يتبعهم، مما يكوِّن رأيًا عامًا يؤيده، أقول كل أولئك من مظاهر “القوة” التي تعتبر عنصرًا تكوينيًا في “مفهوم الدولة” تقوم بقيامها، وتنتفي بانتفائها، ولاسيما بالنسبة إلى جهاز الحكم فيها، على ما نقيم الدليل عليه. )…

هذا النظام السياسي من المنظور الإسلامي والذي ينبني على هياكل تتطور ادواتها وآلياتها بما يوافق كل عصر، كما ينبني على منظومة أخلاقية وقيمية ضابطة، وقوة مادية ومعنوية حامية ومحركة، لا بد من أن يقوم على أساس متين من (العدل الشامل) تحقيقا للقاعدة التي تقول: العدل أساس المُلك.. بهذا يعتبر الإسلام (الظلم) و (القهر) و (الاستبداد) و (الدكتاتورية) و (الفساد)، عدوه الأول..

تلخيصا لهذه الأركان يؤكد دكتور الدريني على مسألتين هامتين:

الأولى، حتمية الصلة الوثيقة بين السلطة والعدل، قيقول: (اقتران “القوة” أو “السلطان” بالعدل الشامل، تأكيد لوجوب “التوفيق” بين استخدام وسائل القوة المادية، وبين مقتضيات العدل، والفضائل الخُلقية، لا “الفضائل السياسية” على ما ذهب إليه رائد الفكر السياسي الحديث “ميكافيلي” الإيطالي.. مبدأ “التوفيق” هذا، من أهم خصائص الفلسفة السياسية في الإسلام، وجعلها الإمام الغزالي، قوام مفهوم هذه الفلسفة.)..

الثانية، حتمية التعاون وضرورته بين كل مكونات الدولة من رأس الهرم إلى قاعدته تحقيقا للعقد المبرم بين الطرفين حكاما نائبين عن الأمة وبين الشعب مصدر السلطة، فقال: (النظر السياسي الواقعي عند الإمام الغزالي والماوردي وابن خلدون يقوم على اعتبار كلٍّ من المجتمع، والإنسان الفرد، وحدة طبعيَّة. صلاح أمر الدولة، واستقامة وضعها، وانتظام شؤونها لا يتم إلا على أساس قيام العلاقة التعاونية، بل التكافلية الملزمة بينهما، لتبادلهما التأثير والتأثر.)…

على هذا، فالسياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام.. لا فصل في الإسلام بين السياسة والدين، فكلاهما واحد.. بهذا الاعتبار والتقرير، وتنزلا على مصطلح القوم: فالنبي صلى الله عليه وسلم كان مارس السياسة الحكيمة الراشدة في حكمه، وفي تدبير شئون الدولة، لأنه نزل بشريعة تعمل على تحقيق المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين وأئمة الهدى من بعده..

السياسة بهذا المعنى هي رعاية شؤون الأمة، فيكون تعريف السياسة المتقدم تعريفاً شرعيا مستنبطاً من الأدلة الشرعية، يُقصد به إنتاج الانسان الصالح في نفسه والمُصلح لغيره، وعمارة الأرض بما يضمن الحياة الكريمة لهذا الانسان روحا وعقلا وجسدا، فردا ومجموعا، بيئة ومحيطا..

من العلامات البارزة للحكم انه في الغالب هرمي يبدأ بالحكومة المركزية، ثم حكومة الولاية (اللواء)، ثم الحكومة المحلية..

يأتي الحكم المحلي كَمُكَوِّنٍ اصيل في هذه التركيبة، ويتحمل مسؤولية كبيرة في رعاية مصالح الناس في حدود اختصاصاته، وبما لا يتعارض مع صلاحيات حكومات الولاية والحكومة المركزية، على قاعدة التعاون الكامل بين هذه المكونات في الظروف الطبيعية.

لا شك ان الحكم المحلي العربي في إسرائيل يعتبر أداة من أدوات الفعل العربي حماية للوجود والهوية والحقوق في مواجهة سياسة التمييز العنصري والقهر القومي الذي تمارسه حكومات إسرائيل المتعاقبة على الوجود العربي الاصلاني في هذه الدولة.

من هذا المنطلق أولت الحركة الإسلامية أهمية كبرى لملف الحكم المحلي على اعتباره رافعة نهضوية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، فلم تتردد في خوضه وتحقيق نجاحات متميزة من خلال ما قدمته من نموذج سياسي عابر للعائلية والطائفية، مقدسا للمصالح العليا لمجموع المجتمع، ومجسدا مثلا اعلى في نظافة اليد والشفافية والابداع، واستثمار كل عوامل القوة المجتمعية بشريا وماديا في سبيل انتاج مجتمعات حضرية تتمتع بأرفع مستوى على مستوى الانسان والجغرافيا قدر المستطاع …

لم ولن يكون الوصول للسلطة المحلية – في فهمنا – هدفا في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق مجموعة من الواجبات الشرعية والغايات الكبرى والاهداف السامية العظمى:

أولا، بناء الانسان في روحه وعقله وجسده، وتعزيز قيمه الدينية والوطنية لتحقيق حياة كريمة على المستوى الأخلاقي والقيمي والسلوكي..

ثانيا، بناء المكان من حيث عمارته بكل ما تتطلبه الحياة العصرية من جهة، وتقديم أرقى الخدمات وتهيئة الظروف المناسبة لحياة أفضل من الجهة الأخرى..

ثالثا، تشكيل ظهير سياسي ووطني امام السلطة المركزية..

ببساطة، نسعى لإقامة سلطة محلية تحفظ الكرامة وتقدم الخدمات، وتقف سدا منيعا امام تغول السلطة المركزية، وظهيرا قويا لكل نضال دفاعا عن قيم العدالة والمساواة والحقوق..

السلطة في منظور ذوي الرأي السديد والقول الرشيد ليست “غنيمة” ولا “كعكة” تتقاسمها مجموعات من مصاصي الدماء، ومتصيدي فرص الكسب الحرام، او الباحثين عن المقامات الرفيعة لفرض هيمنتهم على مفاصل الحياة منعا ومنحا، وإدناء وإقصاء ورفعا وخفضا..

هذا هو منهج الحركة الاسلامية، ومن اجل ذلك قامت وامتدت فروعها واينعت ثمارها.. لما فكرت الحركة – وهي الجهة الأكثر تنظيما من بين التشكيلات المجتمعية القائمة والسائدة – في العمل السياسي، لم تفكر في ذلك الا بهدف نفخ الروح في الحياة السياسية الرتيبة والمتكلسة، تماما كما كان قرارها لخوض الانتخابات البرلمانية نابعا من رغبتها الجادة في تحقيق الوحدة بين الأحزاب العربية، وليس مجرد إضافة كيان سياسي جديد لا أكثر…

يأتي الحكم المحلي كَمُكَوِّنٍ اصيل في التركيبة السياسية لأي مجتمع، ويتحمل مسؤولية كبيرة في رعاية مصالح الناس في حدود اختصاصاته..

لا شك ان الحكم المحلي العربي في إسرائيل يعتبر أداة من أدوات الفعل العربي حماية للوجود والهوية والحقوق في مواجهة سياسة التمييز العنصري والقهر القومي الذي تمارسه حكومات إسرائيل المتعاقبة على الوجود العربي الاصلاني في هذه الدولة.

من هذا المنطلق أولت الحركة الإسلامية أهمية كبرى لملف الحكم المحلي على اعتباره رافعة نهضوية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، فلم تتردد في خوضه وتحقيق نجاحات متميزة من خلال ما قدمته من نموذج سياسي عابر للعائلية والطائفية، مقدسا للمصالح العليا لمجموع المجتمع، ومجسدا مثلا اعلى في نظافة اليد والشفافية والابداع، واستثمار كل عوامل القوة المجتمعية بشريا وماديا في سبيل انتاج مجتمعات حضرية تتمتع بأرفع مستوى على مستوى الانسان والجغرافيا قدر المستطاع …

نحن لا ندعي اننا حققنا ما نصبو اليه في هذا الشأن، ولذلك نسعى دائما لتقييم التجربة والاستفادة من الإخفاقات بهدف تطوير الأداء وصولا إلى النموذج الذي نتمناه.

من خلال تجربتي لعشر سنوات رئيسا لبلدية كفر قاسم، واثنتي عشرة سنة رئيسا للحركة الإسلامية في الداخل، ونحو عشر سنين عضوا في البرلمان ورئيسا للقائمة العربية الموحدة، حصلت خلالها على تجربة متواضعة، أحببت ان أضع خلاصتها في هذه المقالات كنصائح للرئيس الجديد ، لعلها تأخذ بيده في بداية الطريق على الأقل ، واثقا أنه وبعد مدة قصيرة ستكون له تجربته الخاصة التي يضيفها الى التجربة الجمعية التي من المفروض ان تساعد في نهضة مجتمعنا العربي في هذا الميدان الحيوي .

* الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك