https://al3omk.com/382673.html

“سيزيف” ألبير كامو.. وبعد موتي اجعلوا قبري بجوار قبر والدتي

في هذه الأيام ، ورد في الأخبار ، أخبار بلدنا المغرب ، قصة درامية ، تكاد تكون من تصميم الخيال . كان ضحيتها طفل مغربي ، تجاوز سنه سن التمييز بقليل . لكن المؤسف ، أن هذا الخبر ، رغم أهميته ورغم قسوته و مرارته ، فقد مرّ مرور الكرام .

لمدة ست سنوات ، و هذا الطفل ، رغم غضاضة جسده الصغير ، يحمل على كاهله ثقلا تنوء به الجبال و الرجال . و بعدما لم يجد من يحس بثقل ما يحمل من ثقل ، انهار في نهاية المطاف . و في غمرة انهياره ، لم يجد إلا الحبر و القرطاس مسعفا ، لإيصال معاناته ، بتسطير أمنياته الأخيرة ، في مشهد يتشابه بشكل تام ، بذاك الذي تصدر في حقه عقوبة الإعدام ، و خلال التنفيذ ، يحتال عليه الجلاد بلعبة نفسية ، تتماها معها النفس بكل تلقائية ، بترك أمنيات أو وصايا أخيرة .

ها أنا ذا أرحل ، و انتم تعلمون ، أنه عند (حياتي المعذبة ) ، لم أطلب منكم شيئا ، لأني قد علمت بضيق وقتكم و انشغالكم الكبير عنّا ، أنا و من هم في سني ووضعي من الأطفال اليتامى ، الذين تركتهم أمهاتهم ، و رحلن من دون استئذان أو إخبار . رحلن إلى القبور من دون ترك رسالة وداع ، و لا وصية لقريب أو بعيد ، كي يتفهم مآسينا أو يلبي متطلباتنا القليلة ، التي لا تنتقص من أموالهم و حنانهم مثقال ذرة . لكن في ذروة انشغالكم عنا ، بتأمين مستقبلكم و مستقبل أبناءكم و ذويكم ، أنتم الذين تتحكمون في رقابنا ، لا أطلب منكم في النهاية ، سوى طلبا أخير ، صغير . و ليتكم تستجيبون له ، بأن تدفنوني بعد مماتي ، الذي سأقرره بنفسي ، بجوار قبر والدتي .

إن رحيل هذا الطفل ، ضحية مجتمع ، و عائلة ، و دولة لا تستطيع أن تقوم بما هو مطلوب منها ، و تسطيره لذلك الكتاب ، يكون بذلك قد أعاد ذلك التساؤل الذي لطالما أرّق الفلاسفة ، و جعلهم يؤلفون كتبا و مجلدات ، لعلهم بذلك يصلون إلى الحقيقة . فحقيقة الحياة و الموت ، و حقيقة أبعاد الكون و فصوص المخ .. كلها حقائق لم يتم لحد الآن سبر أغوارها .

” ألبير كامو ” مثله مثل ” أرثور شوبنهاور” ، ( الفيلسوف المتشائم ) و غيره .. تساءل كثيرا عن سر الحياة و الموت الذاتي ، و هل حقا تستحق هذه الحياة أن تعاش ؟ ففي روايته ” أسطورة سيزيف ” ، تمثّل ” ألبير كامو ” الحياة بذاك الرجل الذي يحمل صخرة من قاع جبل في اتجاه القمة . و كلما أوشك على الوصول إلى المبتغى ، سقطت منه الصخرة ، و تدحرجت عائدة إلى نقطة البداية . ففي الحقيقة ، عند تفاصيل وضع كهذا ، تطرح الكثير من الأسئلة . لأن معقولية العقل و المنطق ، و الصعود و النزول المتكرر ، الذي يعقبه الفشل الدائم ، لا محالة ستحدث تلك الثقوب التي سيتسلل منها التشاؤم إلى النفس التواقة أبدا إلى الحرية .

في الأزمنة القديمة البدائية ، حينما لم تكن هناك دولة أو ما يسمى اليوم بالحضارة ، كان الناس يحيون حياة طبيعية . لم يكن هناك تفاوت طبقي ، و لم يكن هناك تحكم ، و لم تكن هناك وزارات وصية ، و لم يكن هناك حكاما متملكين رقاب الناس و العباد .. و في نفس الآن ، لم تكن هناك مأساة بمثل هذه المأساة التي كان ضحيتها طفل صغير . فلو بحثنا بنقرة واحدة ، على محرك بحث ما على شبكة الانترنيت ، عن عدد المؤسسات التي تعنى بالطفولة بالمغرب ، لوجدنا منها عددا كبير .

لكن ، عند استحضار هذه المأساة ، الناتجة عن الانفلات في زمام الأمور ، قد يتبادر إلى الذهن ، أن إحداث كل تلك المؤسسات ، كان لأغراض أخرى غير غرض حماية الطفولة . فكم من مؤسسة ثم إحداثها ، زاغت عن أهدافها ، و لم تكن منذ البداية إلا لعبة ، غرضها الوحيد ، توفير و إحداث مناصب لذوي و عائلة و أصدقاء من قاموا بإحداثها .

و في عز حرارة هذه اللوعة ، فقد يتم استحضار أحداثا مشابهة عدة . منها ما قد يصل إلى حد التفاهة . فذات يوم ، الوزيرة الوصية على الأسرة و الطفولة ، خرجت لتروج لقانون ساهمت في إصداره ، موضوعه التحرش ضد النساء . و في أحد الندوات التي جعلت خصيصا لذلك ، صرحت بكل فخر و اعتزاز ، و كأنها وضعت يدها على أحد أكبر أسرار الكون خطورة ، بأن قانونها هذا ، قد لاقى الترحيب من الدول الأوربية ، و أنه صنعا مغربيا ، لم يفرض بأي شكل من الأشكال من القوى الخارجية . لكن وعيها ، لم يكن و لازال لم يدرك أن البلد لا تحتاج إلى مثل هذه القوانين التي على كثرتها ، يصعب على المهتم ، التفريق فيما بينها . وكل ما يحتاجه البلد هو التشمير على السواعد ، و القيام بما تلزمه المسؤولية ، حتى لا تتكرر مثل هذه المأساة .

فموت هذا الطفل ، و آلام أطفال آخرين ، الذين لم يكن ذنبهم الوحيد ، إلا أنهم ولدوا في أرض يتحكم بها أشخاص لا يقيمون وزنا للمسؤلية ، هي مسؤولية مشتركة ، تتحملها العائلة و يتحملها الأستاذ و الوزير .. و كل من يدّعي سهره على حماية هذا الشعب .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك