التعليم المغربي.. أزمة اللغة أم لغة الأزمة؟
https://al3omk.com/418944.html

التعليم المغربي.. أزمة اللغة أم لغة الأزمة؟

1 – لسنا معنيين بالدفاع الوجداني غير المفيد عن اللغة العربية ، ولا بصوْغ آيات المدح و التبجيل للغة الضاد ؛ فهذه الأخيرة أكثر استعدادا للتعبير عن مكانتها و وزنها و جدواها في ” السوق ” اللغوية الكونية لكن نجد أنفسنا مضطرين للاتفاق مع المهتمين العرب و الدوليين المحايدين ، حول الانتشار و الإشعاع الملحوظيْن الذين تعرفهما اللغة العربية في الجهات الأربع من العالم ، بل إنها أضحت من أبرز اللغات العالمية استعمالا ، عبر الوسائل التواصلية التقليدية و الإلكترونية ، و بفضل دواعي سياسية و اقتصادية و ثقافية معروفة ، سطع نجم العربية في عدد غير قليل من الدول الرائدة في التنمية و العلوم خارج الفضاء العربي الآسن ، و لعل استخدامها في وسائل إعلامية دولية فائقة التطور من قبيل الفضائيات التلفزيونية و المواقع الإلكترونية ، و قدرتها على التعاطي مع مختلف قضايا الإنسان المعاصر السياسية و العلمية .. متناهية الدقة و التخصص ، من شأنه أن يثبت فرضية مفادها أن اللغة العربية قادرة على أن تتسلم قصب السبق، و تنطلق للمساهمة في بناء تجربة حضارية مشرفة كما بنتها في الماضي العربي المجيد، و يا للمفارقة ! إذا نظرنا إلى التقارير الدولية الأخيرة للتنمية البشرية، لاستنتجنا دون عناء يذكر أن التعليم الأكثر تطورا في البلدان العربية هو ذلك الذي يستند إلى العربية في تلقين العلوم الدقيقة كالرياضيات و الفيزياء، مثال ذلك الأردن و العراق و سوريا و مصر و فلسطين ، و يا للغرابة ! فإن الذين يطالبون باعتماد اللغة العامية في التعليم الابتدائي المغربي ، و الفرنسية في تدريس المواد العلمية يعزون تدني مستوى التعليم بالمغرب إلى اعتبارات تعوزها البراهين المقنعة ، من قبيل عدم التنفيذ الفعلي لمضامين الوثائق و المشاريع التربوية المتوالية : كالميثاق الوطني للتربية و التكوين ، و الحال أن هذا الميثاق يوصي بوضوح بالتوسل باللغة العربية أداة للعملية التعليمية – التعلمية ، و بالتالي إذا كانت العربية لا تتحمل مسؤولية ضعف المنظومة التعليمية الوطنية فأين الخلل ؟ و كيف يمكن إنقاذ هكذا قضية وطنية بالغة المكانة ؟

2 – بداية يمكن القول إن عددا كبيرا من المنظومات التعليمية العالمية تشكو من أعطاب بيداغوجية وفلسفية نوعية ، بفعل التحولات الثقافية و الاجتماعية و التربوية ، التي يشهدها الوعي الإنساني الراهن و هي الآن في بحث مستمر لا يهدأ عن إمكانيات العثور على الحلول الكفيلة بكسب رهان الصراع على المراتب العليا في النمو و التقدم نحو الأفضل ،. و المغرب كبلد عربي محوري مطالب بإحداث ثورة بنيوية في نسقه التعليمي، و المضي قدما صوب بناء مجتمع المعرفة و الديمقراطية و الحداثة.
و أول خطوة في سبيل إنجاز تجربة تعليمية وطنية منتظرة هي القطع النهائي مع مسلكيات التجريب الآلي و النقل غير الفعال عن تجارب البلدان الأخرى ، و الانشغال بالمعارك و الصراعات المفتعلة التي يذكيها بعض أدعياء الثقافة و المتطفلين على شأن السياسة التربوية ، و الانكباب على المطارحات العلمية الجادة ، و الاحتكاك بمستجدات أدبيات الفكر البيداغوجي العالمي ، و تنزيل المواثيق و القوانين التي جاءت نتيجة اجتهادات تربوية و مجهودات وطنية مضنية ، و تفعيل المؤسسات الدستورية ذات الصلة بالمجال التعليمي .

3 – يكفي أن نترجم على أرض الواقع الملموس مشروع قانون أكاديمية محمد السادس للغة العربية ، قد تم الإعلان عنها سنة 2003 ، تهدف إلى تعزيز و تحسين اللغة العربية و معالجة اختلالاتها ، و أجرأة مواد و فصول الظهير الشريف بإعادة تنظيم المجلس الأعلى للتعليم (2006) ، من اختصاصاته الإدلاء بالرأي في كل القضايا المتصلة بالمنظومة الوطنية للتربية و التكوين ، و تنفيذ مقتضيات الميثاق الوطني للتربية و التكوين الداعية إلى أن يرقى نظام التربية ببلادنا إلى مستوى امتلاك العلوم و التكنولوجيا المتطورة ، و المساهمة في تطويرها بما يضمن القدرة التنافسية للمغرب و انفتاحه على العالم . لا بل يكفي تأمل البرنامج الاستعجالي المثير للجدل و المُطالب بتجسيد المفردات التعليمية الكبرى من قبيل ؛ تعميم التمدرس و تطوير الهندسة البيداغوجية ، و الجودة و ترشيد تدبير الموارد البشرية و إرساء حكامه منظومة التربية و التكوين ، و أخيرا و ليس آخرا نجد في الرؤية الاستراتيجية من ” أجل مدرسة الإنصاف و الجودة و الارتقاء ” ، و مشروع قانون الإطار المرتبط بمنظومة التربية و التكوين ما من شأنه أن يؤكد محورية اللغة العربية و جدواها في تلقين المعرفة في مختلف تمظهراتها و ميادينها ، في المقابل ” نفاجأ ” بخرجات إعلامية استعراضية باستمرار لمسؤولين سياسيين تتناقض بحدة مع هذا المنجز التربوي الوافر !

4 – إن أمام المعنيين بالشأن السياسي و التربوي ببلادنا طوق نجاة بالغ الأهمية ، للعبور نحو ضفة الأمان و الاستقرار في ظل أزمة هيكلية حادة ، إنه الإرادة السياسية المتينة التي تتبلور في قرارات مادية ملموسة تنزع نحو الترجمة الفعلية على أرض الواقع ، و ” التنزيل الديمقراطي ” لمقتضيات التشريعات المشار إليها سابقا ، و النظر إلى المسألة التعليمية كأولوية وطنية فعلا لا قولا ، مع التشبث باللغة العربية الفصيحة كأداة لتلقين العلم و المعرفة ، و الانفتاح على اللغات الأكثر أهمية و فائدة الإنجليزية و الإسبانية و الفرنسية ، لمواجهة إكراهات العصر المعقدة ، و الاستثمار المفصلي و العقلاني في ميدان التعليم ، و تأهيل الموارد البشرية ، باعتبارها رأس مال حقيقي لمجتمعات الغد ، مجتمعات الكفاءات و القدرات الذهنية الاستثنائية التي بإمكانها وحدها أن تنتشلنا من مغبة السقوط الحضاري ، و اللحاق بركب دول التنمية الشاملة !

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.