كرة القدم عنوان الكون
https://al3omk.com/482509.html

كرة القدم عنوان الكون .

أصبحت كرة القدم لغة العالم، بكونها اللعبة الشهيرة التي يمارسها الصغير قبل الكبير، ويتابعها الكهل والعجوز.

ولأن وظيفتها هي جعل الناس ينسون مشاكلهم وما يدور بهم خلال تسعين دقيقة ويزيد، رغم أنها كرة مدورة مملوءة بالهواء تنتقل بين أرجل اللاعبين على أرضية الميدان، والجمهور يتابع بشغف فريقه المفضل ويستمتع بالمشاهدة طيلة جلوسه وراء التلفاز، أو عارضا أعينه مباشرة في الميدان مشجعا وصارخا بهتافات فريقه، فهناك من تجده يصرخ ليخرج ما كتم في قلبه مما حصل له من مشاكل، وهناك من تجده يصرخ بقوة من أجل تحفيز اللاعبين لتقديم أفضل ما لديهم، بل وهناك من تجده يصرخ غضبا لما آلت إليه أوضاع الفريق وما يفعلونه على أرضية الملعب…، وصدق المعلق حين قال “الله يا معذبة قلوب الملايين” وأضاف في معرض قوله هذه “ليست مجرد لعبة إنها كرة القدم”.

إنه الهيجان والطوفان الذي يذهب مدا وجزرا هنا وهناك بين المدرجات على شكل بحر مليء بالأحاسيس والعواطف الجياشة التي تشد الأنفاس، حيث تتعالى الأصوات بالشعارات والعبارات، وكذا بين مرمى الخصوم والأقدام تتلاعب من يسجل ويربح القمة، إلى أن يعلن قائد المباراة نهايتها.

وبالموازاة مع كل ما ذكر فالملعب هو بمثابة مدينة صغيرة لها معالم كبيرة وتشعبات في شتى النطاقات والمجالات التي تحيي النفوس وتشعل فيها طلقات الضرب والنقد لكل ما تراه الأعين وتسمعه الأذن في واقع الأمة التي يحيون فيها، بالإضافة إلى أن الملعب وكل ما يحتويه خصوصا المدرجات التي يجلس فيها الأنصار المسمون أنفسهم “الألتراس” باللغة اللاتينية، إذ هو المكان الوحيد والأوحد الذي يمكن للجمهور أن يحتج وينتقد فيه كيفما شاء وكيفما أراد دون رخصة سابقة من السلطات المحلية ولا ورقة تثبت أحقيتهم في الكلام والقول والانتقاد، هذا وينتقدون الحكومات في القرارات التي تصدرها ويعاكسونها فيما يرونه غير منطقي وغير سليم للطبقة الشعبية التي لها الكلمة في طرح الاقتراحات ومناقشة الأفكار الصادرة من أعلى هيئة في الدولة، كما أن لديهم صوت في جعل رئيس الفريق يتخلى عن مكانه، والمدرب في استقالته وطرده من منصب التدريب. فمثلا يمكن أن نأخذ جمهورين حققا العالمية والشهرة وأظهرا عن أحقيتهم في مكان يؤخذ منه البعض للكل، هما أنصار “الوينرز” وأنصار “الكرين بويز” اللذان أنتجا أغنيتن شهيرتين عنوانهما فبلادي ظلموني لأنصار الرجاء، والقلب حزين لأنصار الوداد واللتان تحكيان عن الأوضاع التي آلت إليها بلادنا العزيزة في شتى القطاعات الحيوية التي بإمكانها أن ترفع من شأن حضارتنا التي بناها أجدادنا وأسلافنا منذ سنين مضت، هذا وتحكي الأشعار والكلمات عن حال شباب العرب في يأسهم وقنوطهم لمستقبلهم الواعد، في هذه الأصقاع الملوثة فكريا حضاريا كرويا ثقافيا سياسيا.

وبالتالي فالأصداء التي تبوح بها الجماهير من داخل الملاعب الرياضية لها تأثير في أوساط الأمة العربية التي لازالت تفت فتا مفتوتا.

علاوة على هذا، فكرة القدم هي بمثابة المنبع المروي لهم للعيش والبحث عن لقمة الحياة، كاللاعب المهاري مثلا يبحث عن ناد ليعرض ما لديه من مقومات ليتم استقطابه إلى الفريق الذي حل إليه، وأصحاب المشاريع منهم المقاهي الذين يعرضون شاشاتهم للجمهور المتابع ليقربوا لهم المسافات الطوال ليشاهدوا أقدام اللاعبين تتلاعب بالمراوغات والمهارات الفنية، فمساحة أرضية الميدان وما يدور حولها هو سوق من نوع آخر ومنظومة ثقافية صانعوها أبطال الساحرة المستديرة، أبطال يأتون من عالم الخيال ليلهموا خيال المتابعين، كرة تدور، أعين تراقب الدوران، هدف يسجل، هدف يضيع، ضربة جزاء، قرار صائب، قرار خاطئ، تذهب مع الموسم لتظل لحظات راسخة في التاريخ تكتب بقلم القدم واليد والصورة، وهناك شيء آخر يجعل من كرة القدم طبقا ساخنا وعرضا يمتع ويشعل نارا في قلوب الجماهير، هم المعلقون الذي يعلقون بأحلى ما لديهم من عبارات بألسنتهم ولغتهم الرنانة وجمال تعليقهم المشوق، هذا لأنهم يدخلون في أجواء المقابلة كأنهم من يلعبون على رقعة الميدان، ولأنهم يتفاعلون مع كل كرة كانت هدفا أو ارتطمت بالعارضة أو كانت في وسط الميدان بين أقدام اللاعبين.

فمثلا حفيظ دراجي اشتهر ب “أو لا لا أو لا لا أو لالا…بابا كوول بابابا كووووول…” وعصام الشولي عندما يقول “يا بابا يا بابا… ها الله كوول هااا الله كوول …”، ورؤوف خليف الذي يقول في حديث قوله “يوززززززع…” ولا ننسى المغربي عبد الحق الشراط، الذي يعد من أفضل المعلقين داخل الساحة الكروية المغربية والذي خرج من عنق الزجاجة لينطق ب “أوووووووووأوووووووو” .

هذا دون ذكر أجمل الكلمات التي يتغنون بها والأشعار التي يصرخون بها، وما اشتهت ألسنتهم وعبرت بها حروفهم ونغماتهم الرنانة.

جملة الكلام هذه هي المنبع الحقيقي للعشب الأخضر والمدرجات الممتلئة والمكان المخصص للمعلقين العظماء والأستوديو التحليلي.

ففيه أنشئت علاقات لتصبح أولتراس وتعالت الأصوات واختلفت الأطراف والألوان وكونت لوحات لا نكاد نراها إلا في المساحة المستطيلة والكرة المدورة والمدرجات الكبيرة.

إنها المحافل الرياضية التي تحدث كل عام، وفي كل موسم، وفي كل لحظة.

كرة القدم كرة الميدان أكبر من مجرد لعبة إنها صانعة المجد والتاريخ.