دفاعا عن الأستاذ

20 فبراير 2017 - 21:56

عندما نصدِّر مقالنا هذا بعبارة داخل حقل الحركات الاحتجاجية والنقابية، فليس معناه دفاعا عن الأستاذ كموظف تتهافت النقابات والأحزاب للاستقواء بمطالبه المشروعة وغير المشروعة. ولكن دفاعنا هنا عن الأستاذ هو دفاع صوري؛ دفاع عن الأستاذ التاريخي صاحب المكانة الرمزية عند جميع الأمم والمجتمعات، هذا الذي ولابد أننا وأنتم طوال مسيرتكم التعليمية قد صادفتم وعرفتم الكثير منهم، بل إنه حتى الذين لم يسعفهم التوفيق في إتمام مسيرتهم التعليمية بإمكانهم أن يحدثوك طويلا بحسرة وندم عن واحد من الأساتذة ارتقى في نفوسهم إلى مرتبة الرسالة. ولهذا قلت في البداية إن دفاعنا هنا ليس صادرا من مكبر صوت في حركة نقابية ولكنه دفاع عن الأستاذ الذي في خاطرنا جميعا.

إن ما يدفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع تحديدا هو حجم السوء والضغينة التي أصبحت تملأ قلوب كثير من القوم على شخص الأستاذ ومهنة الأستاذية ورمزيتها، بل إن هذا الهجوم والإساءة الظاهرة والباطنة غالبا ما تتخذ شكلا عدائيا منظما له قدرة أن يحول الأستاذ إلى متهم وحيد ومسؤول عن ما تؤول إليه أحوال المجتمع. وربما تتطور هذه الإساءة إلى أشكال وسلوكات عنيفة وعدائية تماما كما يحصل وحصل في مناسبات كثيرة داخل المؤسسات التربوية التعليمية حيث يكون الأستاذ ضحية لا سند له. لقد أصبحت مهنة الأستاذ تفقد كثيرا من وزنها الرمزي لتعوضه بتمظهرات تنذر بالكارثة.

لست نقابيا ولا أدافع عن موظف برقم تأجيري، ولكن حاجتي الدفاع عن الأستاذ الذي هو واجب الأستاذ أيضا، أي ما معناه أن نبحث عن الأسباب التي تجعل القاصي والداني يحمل هذه الأحكام المسبقة عن هذه المهنة الشريفة، وإن كنا لا نشك في تضخمه كما هي طبيعة غالب الأحكام الاجتماعية دائما، ولكن بالمقابل نوقن أن هناك خللا يتحمل مسؤوليته بعض الأساتذة المحسوبين على الجسد التعليمي، فقبل أن نكون أساتذة كنا تلاميذا تدرجنا في كافة المستويات الدراسية، وقد مررنا بأساتذة كان منهم من يكرس هذه النظرة المجتمعية عبر سلوكات مشينة ولا أخلاقية في ضرب لكل الرمزية وميثاق .. وأستطيع أن أتذكر وأسرد مع نفسي وأصدقائي كثيرا من هذه السلوكات التي مارسها أشخاص يحسبون على الجسم التعليمي، حتى أنني لا أصدق فعلا أنها وقعت. فإنه لئن كنت وغيري نظرنا إلى الجانب المملوء من الكأس فإن الكثيرين لم يتوفقوا في ذلك حين حملوا هؤلاء مسؤولية فشلهم الدراسي.

إن مقارنة بسيطة لأجر الأستاذ في المغرب وتدرجه في باقي السلالم والتعويضات ستبين أن مهنة المدرس تقع في المرتبة الأخيرة

ليس العداء للأستاذ مرتبطا دائما بمسألة الفشل الدراسي الذي قد تتسبب فيه سلوكات أساتذة عن قصد أو عن غير قصد، وهذا أمر موجود في كافة المنظومات التعليمية في العالم، ولكن الحالة في المغرب تتخذ شكلا ومظاهر نفسية على شكل أحكام مسبقة يحملها حتى بعض من ارتقوا في سلم الوظيفة والمهن العليا على سواعد وآلام أساتذتهم، فهؤلاء ينظرون للأستاذ ككائن مستريح لا يبذل أي جهد، ويخيل إليهم أن مهنة الأستاذية لن تتعدى الوقوف أمام تلامذة محدقين كحارس السجن مع عطل وافرة، وهذا بهتان عظيم كنا نحن أيضا نظنه بهذه البساطة، قبل أن نتصل بالواقع ونحس الصعوبات وندرك أن مهنة الأستاذ صعبة كأن لا تعادلها صعوبة لأنها تجعل في مواجهة صريحة مع حالات مجتمعية حية، هذا بالطبع دون أن نبخس الناس مجهوداتهم في مهن ووظائف أخرى. فلا توجد مهنة سهلة وأخرى صعبة مادام الجهد والإخلاص حاضرين.

إن مقارنة بسيطة لأجر الأستاذ في المغرب وتدرجه في باقي السلالم والتعويضات ستبين أن مهنة المدرس تقع في المرتبة الأخيرة، وأن هناك دراسات تدعي أن أجر الأستاذ في المغرب هو ما قبل الأخير مقارنة بدول عربية منها ما تعيش حالة حرب. وإن ناظرا في سلم العطل في مهنة التدريس في المغرب يلفي أنها هي أقل من نظيراتها في دول متقدمة مثل فرنسا.

فالأستاذ ليس موظفا توكل إليه مهمة ميكانيكية أو رقمية، ولكن الأستاذ المجد المخلص هو صانع أجيال يفترض فيه أن يحافظ على لياقته البدنية والنفسية ولا يتحول إلى كومة من الأزمات الجسدية والنفسية غير قادر على أداء واجبه، بحيث يفترض فيه أن يكون قدوة وموجها لأجيال من التلاميذ هم طليعة المجتمع..فماذا عسى أن يقدم أستاذ متهالك غارق في مشاكله الجسدية والنفسية والمعيقات الاجتماعية؟ وقد ينتهي الأمر بكثير من الأساتذة بعد عقدين من العمل إلى مجموعة من الفاترين جراء ما تبقيه العملية التعليمية وتفاعلاتها في نفوسهم من ألم.

إن مهنة الأستاذ ليست مهنة كباقي المهن، ولكن الأستاذ هو مرآة المجتمع، والطعن فيه أو إهانته هو ضرب للقيم الرمزية، وحين نسمع اعتداء هنا أو هناك أو هجوما على مؤسسة يفترض فيها أن تكون محرمة دون استنكار من الرأي العام أو في تواطئ عام ندرك حجم الكارثة التي وصل إليها المجتمع.

أظن أنه آن الأوان لنعيد للأستاذ رمزيته بعيدا عن المزايدات النقابية والحزبية، فالأستاذ قبل أن يكون موظفا بأجرة تبقيه حيا يرزق هو رسول توكل إليه مهمة صناعة الإنسان، وتوقيره يحتاج لإعادة نظر انطلاقا من المدرسة نفسها بل في وسائل الإعلام وكافة نقاط التأثير مادام أن الجميع هم صناعة الأستاذ.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص والمهن الحرة

جنرال الصمود.. الأسير الفلسطيني نائل البرغوثي

أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط

ادمينو يكتب.. تدبير المخاطر الانتخابية في ظل الانتخابات المقبلة

هل تنقذ الملكية ليبيا؟

رهانات الأحزاب للمحطة الانتخابية لسنة 2021 (الجزء الأول) العدالة والتنمية ورهان الولاية الثالثة

تابعنا على