أجيال إعلامية: معنينو .. إعلامي شاهدٌ على عصر الإنقلابيين ضد الحسن الثاني

22 مايو 2020 - 02:00

تقف وراء وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، طاقات بشرية هائلة تسهر على إدارتها وتشغيلها والقيام بكل المهام الإعلامية، بهدف إيصال رسالتهم النبيلة في تبيلغ المعلومة للمجتمع عبر وظائف الإخبار والتثقيف والترفيه، وهو ما يُسهِم في تشكيل البناء الإدراكي والمعرفي للأفراد والمجتمعات.

فالإذاعة المغربية التي تعود سنة انطلاقتها إلى 1928، والتلفزة المغربية التي شرعت في بث برامجها سنة 1962، وعلى مدار تاريخهما، مرت أجيال وأجيال من الإعلاميين أثرت وتأثرت بهذا لكيان الذي ترك بصماته عليهم وعلى ذاكرتهم، وكلما احتاجوا لغفوة منه رجعوا بذاكرتهم للخلف ينهلون منها أجمل الحكايات.

وتبرز في هذا الإطار، أطقم البرامج والنشرات الإخبارية من مخططي البرامج ومذيعين ومحررين ومنشطين وفنيي الربورتاج والتوضيب وتقنيي التصوير والصوت وعمال الصيانة ومسوقو الإعلانات التجارية الذين يقومون بتنظيم الأعمال التجارية، إلى جانب مسؤولي العلاقات العامة والأعمال الإدارية المرتبطة بإنتاج البرامج والسهر على إعداد النشرات الإخبارية من اجتماعات التحرير إلى بثها عبر الأثير.

فطوال شهر رمضان الأبرك، تسترجع معكم جريدة “العمق” من خلال مؤرخ الأجيال الإعلامية محمد الغيذاني، ذكريات رواد وأعلام بصموا تاريخ الإعلام السمعي البصري المغربي عبر مسارهم المهني والعلمي وظروف اشتغالهم وما قدموه من أعمال إبداعية ميزت مسار الإعلام الوطني، وذلك عبر حلقات رمضانية يومية.

الحلقة الـ27 : محمد الصديق معنينو 

محمد الصديق معنينو من رواد الإعلام المرئي المغربي، ازداد بمدينة طنجة سنة 1944، وهو واحد من الشخصيات التي أثرت الحقل الإعلامي المغربي خاصة على مستوى التلفزيون الذي تألق به في فترة السبعينيات، ليتحول بذلك إلى نجم التلفزيون كمذيع وسيم وأنيق، وزادت جاذبيته أكثر لكنته الفاسية التي كان يقرأ بها نشرات الأخبار التي كان يواضب على تتبعها شريحة كبرى من المغاربة.

عرف عنه أنه لم يتردد في خوض غمار تجارب الحياة المهنة، فلم يكن هناك شيء أسهل بالنسبة له من أن يعزز الثقة في كفاءاته، ليصقلها بالمثابرة والاجتهاد، ليكون عطاؤه سجلا من المواقف والأحداث.

التحق الصديق معنينو للعمل بالتلفزة المغربية سنة 1969، كل شيء كان يحفز معنينو على أن يبدع في عمله الصحفي، فالطموح إلى جانب الإرادة والتحدي، ساعده على أن يخطو خطوات متقدمة في مسيرته المهنية، ومنها حدث “المسيرة الخضراء” لأنها شكلت حدثا بارزا واستثنائيا آنذاك، ومناسبات أخرى برزت فيها مهاراته.

حصل معنينو على شهادة الإجازة في الحقوق، بكلية العلوم القانونية بالرباط، وشارك في لقاءات جامعية وتداريب مهنية حول الاتصال والإعلام والعلاقات الدولية في عدد من البلدان، مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

أنجز معنينو تغطيات إعلامية لعدد كبير من مؤتمرات القمم العربية والإسلامية والإفريقية داخل المغرب وخارجه، كما حضر عددا من دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة واللجنة الرابعة، كما مثل المغرب في مجموعة من اللقاءات العربية والدولية، وترأس وفودا إعلامية مغربية في منتديات عالمية، وفي مناطق متعددة عاشت أحداثا مهمة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.

وباحترافية ومهنية، استجوب معنينو عددا كبيرا من رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية، كما استجوب تلفزيا عددا من كبار المسؤولين المغاربة، وقدم برامج تهم الأوضاع السياسية والاستراتيجية الدولية، وأنجز أيضا ربورتاجات حول المواضيع الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.

ووفق ما عبر عنه معنينو في معرض حديث أدلى به لجريدة “المغربية”، بأسلوب ينم عن تواضع، فإنه أشرف أيضا على تنظيم الجانب الإعلامي لعدة ملتقيات دولية التي شهدها المغرب، مثل المؤتمرات العربية والإسلامية واللقاءات الدولية المهمة، كما ترأس لعدة سنوات، اللجنة الوطنية لبطاقة الصحافة، وهي اللجنة التي تمنح البطاقة المهنية للصحافيين المغاربة في الجرائد ووسائل الإعلام السمعية البصرية.

كما لم يغفل معنينو التذكير بأنه ترأس لسنوات، اللجنة الوطنية التي تضم كافة الأحزاب السياسية لتحديد مدة وموعد تدخلاتها في الإذاعة والتلفزيون خلال الحملات الاستفتائية والانتخابات التشريعية والمهنية والنقابية، كما شارك بصفته متدخلا مهنيا ومسؤولا في مجال الإعلام في تنظيم عشرات الرحلات الصحفية إلى الأقاليم الصحراوية وأنجز تغطيات عدد من المعارك العسكرية التي شهدتها المنطقة.

من جهة أخرى، حصل محمد الصديق معنينو على عدة أوسمة، من بينها وسام العرش من درجة فارس، ووسام العرش من درجة ضابط، ووسام المسيرة الخضراء، ووسام الجمهورية الإيطالية من درجة فارس، ووسام المملكة الإسبانية من درجة فارس.

ومن ذكريات معنينو مع التلفزيون ومراحل انتقاله من الأبيض والأسود الى البث بالألوان يستعرض معنينو هذه الذكريات مع جريدة “الأيام” هذا الإنتقال ارتبط بحدث خطاب العرش ليوم 3 مارس 1973 باعتباره أول مادة تصور للتلفزيون المغربي بالألوان.

ويقول إن تاريخ التلفزيون ارتبط باحتفالات عيد العرش منذ نشأته، فأول ما بث في التلفزيون المغربي هو خطاب العرش لسنة 1962. كان الحسن الثاني خطيبا ممتازا أدرك قدرة التلفزيون على التأثير فحوله إلى سلاح سياسي قوي بين يديه. مثلا وزعت السلطات أجهزة تلفاز في المقاهي وبعض الأماكن التي يتجمع فيها الناس، قصد تعبئتهم للتصويت على دستور 1962.

وعندما قرر الملك بث خطاب العرش لسنة 1973 بالألوان كان الهدف هو محو الآثار التي خلفتها المحاولتان الانقلابيتان لسنتي 1971 و1972، وبعث رسالة سياسية للمواطنين مؤداها أن الصفحة طويت، وأن البلاد بخير وعلى خير زاهية بالألوان. كي تصل هذه الرسالة كان لا بد أن تتغير تغطية عيد العرش في التلفزيون، ولذلك بث الخطاب الملكي وحفل الولاء والأنشطة المحيطة بعيد العرش بالألوان.

وهكذا كانت أول مرة يبث فيها الخطاب الملكي وأنشطة عيد العرش بالألوان، قبل ذلك كان كل ما يبث في التلفزيون المغربي بالأبيض والأسود، باستثناء بعض المسلسلات الأجنبية المصورة أصلا بالألوان. ابتداء من 1973 صارت جميع الخطب الملكية تبث بالألوان. تدريجيا أصبح التلفزيون ينتقل من الأبيض والأسود إلى الألوان.

في مرحلة معينة كنا نصور ونبث الأنشطة الملكية بالألوان، فكانت تظهر صورها في نشرة الأخبار ملونة، ثم يظهر الربورطاج الموالي بالأبيض والأسود، ثم شرعنا نبث أنشطة ولي العهد بالألوان، وبعدها أنشطة الوزير الأول… وهكذا إلى أن توفرت الإمكانيات التقنية والبشرية الضرورية للتصوير والبث بالألوان.

ومن الذكريات التي يحتفظ بها معنينو والمرتبطة بخطاب 3 مارس 1973 والتلفزيون يقول “كان الحسن الثاني في قصر فاس، وكلفني المدير العام للتلفزيون بمرافقة التقنيين الفرنسيين المكلفين بوضع آلات التصوير في القصر الملكي، والتي جلبت من فرنسا لأننا لم نكن نتوفر عليها هنا. أعطيت الأوامر بتسهيل مهمتنا فأدخلنا إلى «دار الفاسية»، وهي دار مغربية تقليدية وسط القصر الملكي، اختار الملك أن يسجل فيها خطاب العرش. قبالة مكتبه توجد طاولة عليها جهاز تلفاز، كان الملك يشاهد من خلاله صوره وهو يلقي خطابه. أزيل هذا التلفاز بطلب من المخرج الفرنسي. ثم طلب أن يغير موضع مكتب الملك ليتناسب مع زاوية التصوير. أجابه المخازنية بأنهم لا يستطيعون تغيير موقع مكتب الملك، فاقترح عليهم أن تتم إزالة نافورة كانت تقع وسط الدار. افترض المخازنية أن لا بأس في ذلك ما دام الملك أمرهم بتسهيل مأموريتنا، فشرع أحد العمال في هدم النافورة… لم يكن أحد يعلم أن الملك ينام في إحدى غرف الطابق العلوي مباشرة فوق بهو الدار. فوجئ به الجميع يطل علينا بالبيجامة يصرخ في غضب شديد آمرا بوقف ضربات المطرقة الحديدية التي كانت أصداؤها تهز أركان البيت. توقف الهدم، أرجعت الطاولة والتلفاز حيث كانا، واضطر المخرج لتغيير موقع الكاميرات… قاله له الملك بالفرنسية “قم بعملك وأنا أقوم بعملي”.

رافق محمد الصديق معنيون مسيرة التلفزيون والإعلام المغربي منذ الستينات، وإلى غاية مغادرته الكتابة العامة لوزارة الاتصال. وبعد تقاعده تفرغ للكتابة فأصدر عدة كتب منها كتاب ” أيام زمان.. موكب السلطان” وكتاب “أيام زمان” الجزء الأول ضمن ستة أجزاء سيصدرها الواحدة تلو الأخرى، الكتاب هو عبارة عن سيرة ذاتية متكاملة ضمنه جزءاً من ذكريات طفولته بتفاصيلها الكاملة التي قضاها في كنف والده الحاج احمد معنينو، أحد أبرز الوجوه الوطنية في المغرب، وأحد مؤسسي حزب الشورى والاستقلال، ليعرج بعد ذلك إلى مرحلة قضاها في ردهات التلفزيون حيث استحضر معنينو ما علق بأذهانه من ذكريات وصور مثيرة توثق لحقبة تعود للظهور الأول للتلفزيون المغربي إبان الستينيات والسبعينيات.

ومن أجمل الطرائف التي وردت في كتابه وكما رواها، حكاية “الشاوش” أو الساعي الكهل، الذي كان يأتي بأوراق النشرة الإخبارية من زنقة البريهي إلى مبنى مسرح محمد الخامس، وبما أنه كان يصعب عليه الصعود إلى الطابق الرابع، لانعدام مصعد، فقد فكر أن يتزود بقفة وحبل، فكان يصيح من أسفل داعيا المذيع وهو يصيح بأعلى صوته ”أخبار” إلى أن يتناول النشرة وينقلها من القفة إلى الاستوديو.

وفي الجزء الثالث من الكتاب تحدث الصديق معنينو على مغامرته داخل المحاولتين الإنقلابيتين الفاشلتين سنة 1971 و1972، حينما وضعته الأقدار بين براثن الإنقلابيين ليدخل في دوامة من المشاكل والأزمات لا عد ولا حصر لها.

وفي توضيح آخر قال الصديق معنينو، أنه بصدد التحضير للجزء الثاني من هذه الذاكرة الذي سيحمل عنوان ”مسيرة الفتح المبين” وهو كتاب هام جدا يوثق لمراحل مهمة من تاريخ المغرب، مضيفا أن الكتاب يمثل رافدا معرفيا للأجيال القادمة يستمدون منه ذاكرة واضحة تستحضر صفحة مشرقة من تاريخنا المغربي في فترة السبعينيات وهي الفترة التي استرجع فيها المغرب صحراءه بفضل حكمة وتبصر صانع المسيرة الخضراء جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني.

* المصدر: كتاب “للإذاعة المغربية.. أعلام” وكتاب “للتلفزة المغربية.. أعلام” – محمد الغيذاني 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الإشارات السياسية في قصة موسى.. المصلحون وشرط الوضوح في تبيلغ الرسالة

أجيال إعلامية: البوعناني .. إعلامي نقل أسرار البحار إلى المغاربة بلكنة شمالية محبوبة

أجيال إعلامية: الحاج قرّوق.. صاحب “ركن المفتي” الذي تابعه المغاربة طيلة 17 عاما

كتاب “نظام التفاهة”: هكذا تنسينا الصناعات الفنية ذكرى الأزمات (الحلقة الأخيرة)

البسطيلة.. حكاية طبق مغربي خالص عمّر لأكثر من 8 قرون

تابعنا على